أُسعدتم صباحاً يا صديقي علاء .
قبل يومين ، وأنا أتصفح ” الغد ” ، استرعى اهتمامي عنوان مقال الصَّحَفِيّة ” إيريكا چيز ” الذي جاءت ترجمته على يديك :
” ماذا يُريد الماء….”..،
ولا أُخفيك أن عنوان المقال قد أثار فيَّ اهتماما من نوع خاص ،… فوضعته جانبا ، الى ان تمكنت هذا الصباح من قراءته ، لأكثر من مرة ..!
كُنتُ في أحيانٍ عديدة ،.. وليس كثيرة ، أتأمل في موضوع المياه ، وتَدَخُّل الانسان القَسري ومحاولته السيطرة على مجاريها ،.. كنت أُبدي في بعض الاحيان تفهماً ، وتعاطفاً مع هذي المحاولات ،.. وعلى الأخص عندما كانت تسعى لتوظيف الطبيعة لخدمة الانسان ونشاطاته الحَضَرية ،..لكني في احيان أُخرى، كنت أستهجن تدخلاته عندما كانت تعني إلغاء القانون الطبيعي، وقهر الطبيعة والجغرافيا …!
شَدَّني ، على سبيل المثال ، في خمسينات القرن الماضي مشروع بناء السد العالي على مجرى نهر النيل ،… لكن ، مخاوفي ازدادت مؤخرا في ان يُسفر بناء سد النهضة الاثيوبي على تقليل حصة السودان ومصر من مياه النهر ، وما يمكن أن يؤدي ذلك الى تدمير حياة السكان على ضفافه في حال انخفاض مناسيب مِياهه بصورة جسيمة وهو يَعبر الأراضي المصرية …
أمّا ما أحزنني ، وأثار حقدي ،..فهو ما صنعته الصهيونية وكيانها العنصري الذي اقامته في فلسطين ، بنهر الاردن وتجفيفه من خلال تحويل مياهه أو الجُزْء الساحق منها لري مستعمراتها في النقب وتغذية مفاعل ديمونة النووي بالمياه..وما يحمله هذا المفاعل من مخاطر على الحياة في الحيز الحيوي المحيط به ، انتهاء بخنق “البحر الميت” وإماتته أو قتله التدريجي بصورة فعلية ، عبر تخفيض كمية المياه التي كان ينقلها النهر المقهور ( نهر الاردن ) الى البحر الميت .
ولكي نتأمل حجم الخراب الذي الحقته الصهيونية وكيانها العنصري ( اسرائيل ) بنهر الاردن وبالبحر الميت ، وبالتالي ببلدنا الاردن ، علينا ان نتفكر بالبيانات التالية :
١- منذ اقامتها في العام ١٩٤٨ ، عمل الكيان الصهيوني العنصري ( اسرائيل ) وبصورة منهجية على اغتيال نهر الاردن والبحر الميت ، ففي العام ١٩٦٤، نجح في تحويل مجرى نهر الاردن ، وهو اهم رافد للمياه للبحر الميت ، لري مستعمراته في صحراء النقب ، وتلبية حاجات مفاعل ديمونة النووي ، من مياه التبريد اللازمة .
ومما يجدر ذكره في هذا الخصوص أن إجراءات الكيان الصهيوني فيما يتعلق بتحويل مجرى نهر الاردن كانت احد الاسباب الرئيسية التي افضت الى اندلاع حرب حزيران في العام ١٩٦٤.
٢- ادى تحويل مجرى نهر الاردن الى تقليص كمية المياه التي ينقلها النهر الى البحر الميت من (٧٠٠) مليون الى (٣٠) مليون متر مكعب سنويا .
٣- تسبب ذلك في تجفيف نهر الاردن ، ( النهر المقدس، والذي يحمل بَلَدِنا اسمه منه ) والى تخفيض منسوب المياه في البحر الميت من (٣٥٠) متر تحت سطح البحر في العام ١٩٦٤ الى نحو ٤٣٦ متر تحت سطح البحر حاليا، اي بنحو (٨٠) متر خلال نحو نصف قرن او اكثر .
٤- كان معدل التراجع في منسوب البحر الميت ما بين عامي ١٩٦٠ و ١٩٨٠ يصل الى نحو (٤٠) سم سنوياً ، ثم ازداد الى (٨٠) سم سنويا ما بين عامي ١٩٨٠ و ٢٠٠٥، ووصل التراجع الى ما معدله نحو(١٠٠)سنوياً في الوقت الحالي .
٥-تراجعت مساحة مسطح البحر الميت إلى حوالي ( ٦٥٠) كلم مربع عام ٢٠١٩ ، بعد أن كانت تبلغ (٩٥٠) كلم مربع عام ٢٠٠٠، ويتوقع انحسار مسطحه تماما خلال العقد الخامس من هذا القرن.
ومما يجدر ذكره ايضا ان الاحتلال الاسرائيلي لمرتفعات الجولان السورية ، واعلان ضمها في ١٤ كانون اول من العام ١٩٨١ ، وانتهاء باعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان من خلال المرسوم الذي اصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ٢٥ آذار ٢٠١٩، وتكثيف حملات الاستيطان فيه ، هي في مجموعها اجراءات استهدفت وتستهدف ضمن ما تستهدفه السيطرة على منابع نهر الاردن ، ومصادر المِياه في كل من سوريه ولبنان والاردن وفلسطين ، وبالتالي على مقادير حياتنا في هذي البلدان .
ويُذْكَر ايضا في هذا الخصوص ، ان بريطانيا ، بصفتها الدولة المُنْتَدبة على فلسطين قد قامت في العام ١٩٢١ بمنح اليهودي الروسي الأصل بنحاس روتنبرغ ، -وهو رئيس المجلس الوطني اليهودي في فلسطين- حق امتياز استغلال مياه نهري الاردن واليرموك لغاية توليد الطاقة الكهربائية لإنارة المدن الفلسطينية والأردنية في فترة الانتداب البريطاني ، والذي تبلور في العام ١٩٢٦ الى الشروع بتنفيذ مشروع روتنبرغ ، وانتهى في العام ١٩٣٠ بانشاء محطة توليد هيدروكهربائية في الباقورة عند ملتقى نهري اليرموك والاردن .
وفي السياق ذاته، يتعين ان نتذكر ايضا انه وفي مطلع عام ١٩٣٦ ، قامت وزارة المستعمرات البريطانية بتوقيع عقد تأسيس شركة البوتاس الفلسطبنية مع المهندس الصهيوني “موشيه نوفوميسكي”، وبموجب هذا العقد ، تم مُنح نوفوميسكي الرخصة الاحتكارية لاستخراج الأملاح والمعادن-وأهمها ملح البوتاس- من البحر الميت، وذلك بعد أن سُحبت الموافقة لاستثمار مياه البحر واستخراج البوتاس من رجل الاعمال الفلسطيني إبراهيم حزبون، وقد ادى ذلك إلى استيلاء الشركة على الأراضي المحيطة بالبحر الميت، وأصبحت ضمن امتياز الشركة ملكاً لها لمدة (٧٥) عاماً هي فترة الامتياز، ومنحت كذلك حق استئجار أراض واقعة خارج منطقة الامتياز. وقد افضى ذلك الى إنشاء مستعمرة “كاليا” شمال البحر الميت، بعد انتزاع أراضيها من أصحابها الفلسطينيين، بحجة احتياج الشركة لها.
تلك مجرد إضاءات اردت ان اذكرها في معرض تناول المقال المذكور لموضوع المياه بطريقة متميزة، مختلفة ومثيرة للاهتمام .
كل المحبة لك ، وكذلك التقدير لاختياراتك النوعية في المواضيع المُتَرْجَمة.
عبد الرحمن البيطار
عمان – ٢٥ تشرين الثاني ٢٠٢٢