Menu Close

رسالة وايزمان الى بلفور في ٣٠ أيار ١٩١٨،… تقطر عُنصرية ، ويفوح منها رائحة الاستشراق النتن … وتُؤسس للمشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الإحلالي العنصري في فلسطين

يَومية الثلاثاء الموافق ١٨ تشرين اول ٢٠٢٢

السماء في هايدلبيرغ مُلَبدة بغيوم ماطرة .

مُنى ، على مقعدها في بلكونة الغرفة رقم (٣٤٨) في ماريوت هايدلبيرغ، تتحدث مع إحدى البنات في عمان.

بعد ظهر يوم غد سنعود الى عمان.

تعليقات كثيرة استلمتها على اليوميات التي كتبتها في الأيام القليلة الماضية . إحداها كانت تتساءل عما كتبه وايزمان الى بلفور قبل اكثر من قرنٍ من الزمان في ٣٠ أيار ١٩١٨.

وفي المحادثة التلفونية مع صديقي رجائي المصري مساء يوم امس والذي تخللها الحديث عن مشروع ترجمة كتاب إدوارد سعيد :

The Question of Palestine

قُلتُ لرجائي؛ إني أعتقد أنَّ إدوارد كتب “الإستشراق” ونَشَرَه قبل أن يَنْشُر كتابه ” قَضِيّة فلسطين “.

صباحَ هذا اليوم ، جائتني رسالة من رجائي يُخبرني فيها أن كتاب الإستشراق قد نَشَرَه إدوارد أول مَرّة في العام ١٩٧٨ ، تَلاه في السنة التالية ، أي في العام ١٩٧٩ نَشْرِه لكتابه : ” قَضِيّة فلسطين ” .

وأعتقد أنَّ إدوارد أنَّ مُنْهَمِكاً في كِتابِةِ نَصّيِّ الكتابين معاً في ذات الوقت خلال السنوات السّابقة لعام ١٩٧٨.

ورُبّما يَجوز الإستنتاج أنَّ النّهج الذي اتبعه إدوارد في إعداد أُطروحَته العَظيمة “الإستشراق” قد استخدمها في تحليل قضية فلسطين ، وفي تغطية جوانب كثيرة منها ، وجد أنه لا مناص من الغوص فيها إذا كان للمرء أن يعرف تماما ماذا حصل لفلسطين وللفلسطينيين ، وكيف لَعِبَ الإستشراق دَوْرَه في صناعة النكبة الفلسطينية.

سألني رجائي عن القيمة السياسية المُنْتَظَرَة من ترجمة هذا العمل الكبير، وكيف يُمكن أن يُساعد في الأخذ بيد قضيتنا والتقدم بها خطوات إضافية الى الأمام.

وفي هذا ، تبادَلنا الرأي وتحاورنا ، وتوصلنا إلى إستنتاج مَفادَه أنه إذا لم نعرف كيف نجح الغرب والصهيونية في توظيف كل شيء من أجل إنجاح المشروع الصهيوني في فلسطين ،… فسَيكون من المُتَعَذَّر أن نَنجح في وَضع وتَطوير إستراتيجية تُؤدي في نهاية المطاف الى تفكيك المشروع الصهيوني ، وإنهائه في فلسطين، وتَحرير فلسطين والفلسطينيين العرب ،ويهود فلسطين والعالم ، والبشرية جمعاء من شرور الصهيونية العُنصرية والفاشِيّة ، وكيان الأبارتهايد الذي نَجحتْ باقتدار في إقامته في فلسطين.

لنَعُد الآن الى رسالة وايزمان.

أوردَ إدوارد نصَّ رسالة ” وايزمان ” الى ” بلفور “على الصفحات ٢٦ و ٢٧ و ٢٨ من كتابه ؛ قضية فلسطين . وجاء النَّص على النّحو التالي :

“إنّه الإحساس العظيم بالمسؤولية الذي جَعَلَني أحاول أن أكتب لك حول الوضع ، وحول المشاكل التي تواجه المُنَظمة الصهيونية …..

إنَّ العرب ، الذين يتميزون على نحو ظاهري بالدّهاء وسُرعة البديهة ، يَعبدون شيئاً واحداً ، و{يؤمنون } في شيءٍ واحد {هو } – السلطة والفوز . لذلك ، وفي حين أنه من الخطأ أن نقول بأنَّ الهيبة البريطانية قد انحسَرَتْ جرّاء حالة الجمود العسكري ، فإنها لَمْ تَزْدَدْ حتماً ……إنّ السلطات البريطانية…….وهي التي تعرف الطبيعة الغادِرة للعرب ، فإنَّ عليها أن تبقى متيقظة دوما وتحرص على أن شيئاً لن يحصل بحيث يؤدي الى منح العرب { فرصة } لابداء ادنى المظالم او ارضية للتشكّي. وبكلمات اخرى، فإنه يتعين أن يتم رعاية العرب لئلا يطعنوا ظَهْر الجيش {البريطاني} من الخلف. العربي، هو سريع في قياس وضع ما ، وفي محاولة استغلاله الى أبعد حَد . والعربي يصرخ بأعلى صوته في اغلب الاحيان، ويمارس الابتزاز بقدر ما يستطيع.

أوّل الصُّراخ تمَّ سَماعه عندما أدليتّ {أنتَ} بتصريحك { المقصود وعد بلفور الذي صدر في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧١ } .وتمَّ تَحميل التصريح كل أنواع إساءة التأويل والمفهوم الخاطىء. إنَّ الإنجليز ، كما يقولون ، سيقومون بتسليم { رقبة/مصير } العربي الفقير لليهود الاغنياء الذين يتربصون الفرص في أعقاب نجاح الجنرال أللنبي { في احتلال فلسطين }، والذين يستعدون للإنقضاض عليهم مثل النسور التي تنقض على فريستها السهلة، وإبعاد كل فرد منهم الى خارج الأرض { فلسطين }……

و{نحنُ} نرى على رأس الإدارة { المُشَكَّلَة في فلسطين } ، مسؤولين إنجليز مُتنورين ، ولكن ، باقي الجهاز الاداري قد أُبْقِيَ عليه كما هو دون تغيير، وأُشْغِلَت جميع المناصب بموظفين عرب وسوريين ……نحن نرى هؤلاء { أي الموظفين العرب والسوريين } ، فَسَدَةٌ ، غير كفؤين ، يتحسرون على الأيام الخوالي عندما كان البخشيش { الرشوة } هو الوسيلة الوحيدة التي يتم من خلالها تسوية الأمور الإدارية {الطابع} …..وطالما يحاول نظام { الحُكْم } الإنجليزي أنْ يكونَ أكثر عدلاً ، فإنَّ هؤلاء العرب يصبحون أكثر عَنْجَهِيّة . كما ويَتعين أن يؤخذ بعين الاعتبار أن المسؤول العربي يَعي تماماً لغة {التعامل السائدة} ، والعادات ،والطرق الدارجة في البلاد [ والتي ربما لا يتوجب اعتبارها أمراً غير عادي جداً ، من حيث أنه هُو مِنْ { هذي } البلاد ، والتي هِيَ في نهاية الأمر عربية : لاحظ هنا كيف يجعل وايزمان الأمر ليبدو أنَّ العرب يمتلكون ميزة غير مُنْصِفَة بسبب أنهم ببساطة مَوجودون في المكان ]، وهو { أي العربي } ماكِر، وبسبب ذلك فإنَّ لديه ميزة عظيمة يتفوق فيها على المسؤول الإنجليزي العادل ، ذو العقل النظيف {السليم}، والذي يَعي تماما خفايا العقل الشّرْقي .لذلك ، فإن الانجليز ” يُدارونَ ” من قِبَل العَرَب.

إنَّ الإدارة على هذا الشكل مُعادية بشكلٍ جَلِيٍ لليهود ….إنَّ الإنجليزي عندما يكون على رأس عمله هو إنسان مُنْصِف وعادِل ، وهو يحاول تنظيم العلاقات فيما بين القِسْمَين الرئيسيين في المجتمع [ أي العرب واليهود : إنَّ نَعتهما { بهذا الشكل ، أي } “رئيسيين” متساويين هو أَمْرٌ فيه مُبالغة ، ورغم ذلك فإن وايزمان استعمل النَّعت على هذا النحو في اي حال] والتي حَرِصَ بدقة على الحفاظ على التوازن فيما بينهما. ولكن ما يُوَجِّهَه في هذا الوضع الصّعب فهو المبدأ الديمقراطي فقط ، والذي تُعَبِّر عنه القوة العددية النسبية ، وهذه الارقام المتوحشة تشتغل ضدنا، حيث هناك خمسة عَرَب مُقابل كل يهودي { في فلسطين }…..

إنَّ الحاله الراهنة تَميلُ بالضّرورة نحو خلق { إنشاء } فلسطين عربية ، {وذلك} اذا ما بقي شعب عربي في فلسطين [ هنا ، يخلق وايزمان صيغة لـ { مفهوم } ” الشعب ” تم تصميمها خِصّيصاً في القرن التاسع عشر، بهدف إستثناء الأفارقة السود والهنود الأمريكيين اللاتينيين من حَقِّ مُقاومة الكُولونياليين البيض ، الذين هُم الشَّعب ]. وفي حقيقة الأمر ، فإن هذي الحالة لن تفلح في تحقيق النتيجة { المنشودة } لأن الفلاح مُتأخرٌ عن الزمن الحالي بما لا يقل عن أربعة قرون ، وأن الأفندي ( وهو ، على أي حال ، المُستفيد الحقيقي من النظام الحالي) {هو} مُخادع وغي ر مُتَعلم وطَمّاع ، وهو غير وَطَني بقدر ما هو غير كفؤ. “

ويَتعيَّن قَبْل إنهاء هذه اليومية أنْ أذكر بأنَّي حاولت عند الترجمة أن تَتِمَّ بأقل قَدْرٍ مُمكن من التّصرف ، وأنَّ النّص في المقاطع من الرسالة المحصورة ما بين قوسين من الشكل [..]، و كذلك من الشكل (….) ، هي تفسيرات أو تعليقات كتبها إجمالا إدوارد ، وأن المُترجم مَيَّز تفسيراته للنص على هيئة ما بين قوسين وبالشكل التالي؛ {…}.

وأخيراً، فإنّ رسالة “وايزمان” الى “بلفور” والتي جاءت كما ذكرنا آنفًا بعد أقل من سَبْعة أشهر من إصدار بلفور لتصريحه المعروف في ٢ تشرين الثاني من العام ١٩١٧، أقول ، إنها رسالة ونَصٌّ يَقْطُرُ عُنْصرية ، وتَفوحُ منه رائحة الإستشراق العُنْصُري النَّتِن ، وهي تُلقي الضوء على الجذور العنصرية للمشروع الصهيوني الإستعماري الإستيطاني الإحلالي الذي نجحت قوى الصهيونية الدولية والإستعمار الغربي في إنشاءه في فلسطين.

الرحلة التي قطعها المشروع الصهيوني منذ ان تبنته بريطانيا في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧ -وهي القوة العُظمى ( في ذلك الوقت) المنُتصرة في الحرب العالمية الاولى – بدأت بفكرة جعل فلسطين وطنًا قومياً يلجأ اليه يهود اوروبا ويهود العالم ، ويعيشون الى جانب سكان فلسطين ( تصريح بلفور) ، وانتهت الى وقوع فلسطين كلها تحت الاحتلال الصهيوني ، وانشاء دولة أبارتهايد فيها ، بعد ان نجحت الحركة الصهيونية في العام ١٩٤٨ من تنفيذ حملة تطهير عرقي باحتراف بالغ – تحت نظر وبحضور قوات الانتداب البريطاني على فلسطين- استعملت فيها كافة انواع ووسائل الارهاب ،وأفضت الى طرد ما يزيد عن ثلثي الشعب العربي الفلسطيني من وطنه ، وتحويلهم الى لاجئين ، والسيطرة على ممتلكاتهم ، وثرواتها وسرقتها ،..!

عبد الرحمن البيطار

هايدلبيرغ – ١٩ تشرين الاول ٢٠٢٢