Menu Close

إضاءات على القديسين الثلاثة وكاتدرائية كولونيا وفلسطين،…نهر الراين والحورية ” لوريلي”

يَومية الإثنين الموافق ١٧ تشرين اول ٢٠٢٢

خرجنا صباح يوم أمس ( الأحد) من الفندق بلا هدف .

عندما استيقظتُ ، وكانت مُنى لا زالت نائمة، إستعنتُ بصديقي ” الـچوچل ” كي أتعرف أكثر عن مدينة. “كولن” ، – أو كولون أو كولونيا – . كنت بحاجة لذلك ، كي نقرر كيف نمضي الوقت في المدينة في يوم ” أَحَد” .

المدينة قديمة ،وتحتل الموقع الرابع بين المدن الالمانية في عددٍ السكان ، حيث يصل عدد سكانها الى اقل من مليون بقليل . وفي المدينة آثار تعود للقرن الأول الميلادي، كما أن لها تاريخٌ حافلٌ إبّان الحقبة النازية ، ومعالم تُذَكِّر لتلك المرحلة .

وفيها ايضا واحدة من أشهر كاتدرائيات أوروبا والتي بُدِأَ ببناءها في العام ١٢٤٨ على أنقاض كنسية أقدم ، واستغرق إكمال تشييدها نحو ثلاثة قرون من الزمان .

والبناء ، بالاضافة الى قداسته الدينية لدى الكاثوليك وغيرهم، فهو صَرْحٌ مِعماريٌ مُميز ، ذو برجين عاليين ، يمتدا في السماء الى (١٥٧) متراً .

إنبهرتُ تماماً بمعمار الكاتدرائية وبهاءه وفخامته وهَيبته، دفعني ذلك للجوء الى صديق استعين به لفك ألغاز هذا الصَّرْح ، فلجئتُ أيضا للـ “الچوچل” ، ومنه اقتبستُ النص التالي عن الكاتدرائية:

“وُلِدَتْ فِكْرة إرساء هذا الكنيسة المهيبة في عام 1164 بعد أنْ قام رئيس الأساقفة في مدينة كولونيا ‘الكاردينال راينالد فون داسيلل’ بإحضار رُفاتِ المَجوس الثلاثة من ميلانو إلى كولونيا كهدية من ‘القيصر بارباروسا’ الذي احتل ميلانو في نفس العام. هذه الهدية القَيِّمَة دَفعتْ المسئولين في الكنيسة إلى الإقتناع بضرورة تدشين كاتدرائية فريدة من نوعها تَليقُ برُفاتِ المَجوس الثلاثة. ووفقاً للرواية التاريخية فالمَجوس الثلاثة هم من تنبأوا بميلاد السيد المسيح، ويبدو أن رُفاتهم قد نُقِلَتْ من منطقة أورشليم أثناء الحملات الصليبية.”

دَفعني ذِكْر المَجوس في النَّص ، وحادثة نقل رُفاتهم من القدس ، اي من فلسطين ، الى خارجها ، إبان حقبة حروب الإفرنج في بلادنا واحتلالهم لها ومن بينها “فلسطين” ، الى محاولة التّعرف أكثر عَنْ مَنَ يَكون هؤلاء ، وهنا أيضا، كان “الچوچل” لي خيرُ مُعين ،… فمع أن الإنجيل لا يُعطي أسماءهم ، إلا أنَّ الروايات والأساطير تَذكُر تشكيلة من الأسماء لهم ، ويَشيعُ مَعرفتهم في الكنيسة المسيحية الغربية بالأسماء التالية :

“ملكيور” ، وهو دارس فارسي من ايران ، و”كاسپر” ، وهو دارس هندي من الهند ، و”بلتزار” وهو باحث بابلي من العراق.

ويُشار إلى هؤلاء أيضاً بلقب الحُكماء (الثلاثة) أو المُلوك (الثلاثة) ، وكانوا، يُعتبَروا في إنجيل مَتّى والتُّراث المسيحي، مجموعة من “الأجانب” البارزين زاروا يَسوع بـُعـَيد مولده، حاملين هدايا من الذهب والبَخُّور والمُر ، وهم شخصيات مُعتادة في الروايات التقليدية لاحتفالات ميلاد المسيح في عيد الميلاد، كما يُشكلون جزءاً هاماً من التقليد المسيحي.

انتهى بنا المَطاف ونحن نُكَزْدِرُ على ضفاف نهر الراين ، الى التوقف عند “كُشْك” يبيع تذاكر رحلات في النهر. اقترحتُ على مُنى أنْ نشارك المُتَنزّهين المُتَجمِّعين حول الكُشْك في رحلة نهرية ، وهم خليطٌ من الكبار والصغار ؛ الرجال والنساء والاطفال ، وهذا ما فعلناه .

كانت الرحلة مُمتِعة ، وقد لاحظنا أثناءها انخفاضاً ،على نحو ملموس ، في منسوب مياه النهر ،…

دَفعني ذلك الى الإستقصاء ايضاً عن النهر ، فعُدتُ إلى “الچوچل” .

صديقي ” الچوچل ” أخبرني أن هذا النهر يَنبع من جبال جليدية تقع شرقي سويسرا بالقرب من الحدود الإيطالية ، وأنَّ طوله يبلغ نحو (١٢٣٠) كم، ويَصُبُّ في بحر الشمال بعد أنْ يَمُرَّ في العديد من البلدان الاوروبية ، وقد كان يُشكل على مدى (٤٠٠) عام الحُدود الرئيسية بين بلاد الرومان ، وبلاد القبائل الجِرْمانية ، وانه وفيما بعد وفي منطقة ما ، كان يُشكِّلُ حَدّاً فاصلاً بين ألمانيا وفرنسا ، وظلَّ مكانا للنزاع بينهما بغرض السيطرة على منافذ النهر إلى أن انقضى النزاع ، أو تجمد ، مع نهاية الحرب العالمية الثانية .

كان لا زال ظاهرا للعيان خلال رحلتنا في النهر الانخفاض في منسوب مياه النهر، ومع ان منسوب المياه قد عاد الى الارتفاع قليلا ، فإن موجة الإحترار التي شهدتها اوروبا هذا العام ،وطول مدة تأثيرها قد ادى الى حصول جفاف وانخفاض خطير في منسوب مياه النهر هدد في وقت ما وفي مقاطع عديدة منه في وقف الملاحة عبره. وأدى ذلك الى منع السفن الكبيرة ذات الأحمال الثقيلة من عبور نقاط مرور رئيسية ، وإجبار شركات الشحن على استخدام سفن أصغر.

وعلى الرغم من أن عمق المياه في النهر عند ممر الشحن عند نقطة “كاوب” – حيث يتم عمل قياسات معيارية دورية لمنسوب المياه في النهر -لا يزال حوالي (١٥٠) سم، فإن الخبراء يرون أن المرور سيصبح صعباً، حتى بالنسبة لسفن الشحن الخفيفة ، خصوصا إذا انخفض منسوب المياه عن (٣٥) سم ، حيث لا يمكن لسفن الشحن المرور إذا قلت القراءة عن (٣٠)سم.

كما أخذت شواطئ النهر ذات الضفاف الرملية تزداد اتساعاً ، وظهرت الى السطح في وسط النهر فجأةً نتيجة ذلك عدد من الجزر ، بحيث أصبح في حالات عديدة من الممكن الوصول إلى بعضها سيراً على الأقدام .
ونتيجة لذلك ، فقد أخذت شركات شحن البضائع تعاني جراء انخفاض مستويات المياه في النهر ، ولذلك اصبحت السفن تُحَمّل بحمولة أقل عن ذي قبل ، مما أدى إلى ارتفاع أسعار البضائع المنقولة.
وفي هذا السياق ، فإنه يُذكر بأن شركة يونيبر الألمانية للطاقة قد حذَّرَت من أنها قد تضطر إلى تخفيض إنتاج الكهرباء من محطتين رئيسيتين تعملان بالفحم في حال أن منسوب المياه المنخفض في نهر الراين قد أدى الى تخفيض إمدادات الفحم. ومن شأن ذلك ، إن حصل ، أن يؤدي إلى تفاقم أزمة الطاقة، والتأثير سلبيا على الاقتصاد الالماني . ويُذكر في هذا الخصوص ، انه مع تلازم هذا الوضع مع ازمة الحرب في اوكرانيا ، فقد ارتفع سعر الطاقة الألمانية للعام المقبل إلى مستوى قياسي بـ 57ر410 يورو لكل ميجاواط/ ساعة في بورصة الطاقة الأوروبية .

اما المخاطر البيئية ، الناجمة عن انخفاض منسوب المياه في النهر ، فهي كثيرة ، ويعاني منها ليس البشر فحسب ، ولكن ايضا النباتات والأسماك ، والحيوانات داخل النهر وحوله.
فقد اصبحت السباحة في نهر الراين اكثر خطورة بسبب ازدياد سرعة تدفق المياه الناجمة عن التَّضَيُّق الذي حصل في قناة النهر بسبب انخفاض مستويات المياه فيه ، وبخصوص ذلك ، فقد حَذَّر الخبراء من أن تيارات المياه في النهر ، ممكن أن تكون غادرة جداً ،ويمكنها ابتلاع الأشخاص بسرعة كبيرة ، كما ويزداد خطر الإصابة بصدمات وكسور بسبب الاقتراب من قاع النهر ، والإرتطام بصخوره.
هذه الاحوال تُذكرنا بواحدة من الأساطير الالمانية التي ارتبطت بنهر الراين وهي أسطورة حورية البحر ( لوريلي )التي تظهر أحيانا للبحارة وعابري النهر، عند منحدر صخري شاهق ،يعرف بذات الاسم، وتكون السبب في اختفاء سفن هؤلاء البحارة عند ذلك المنحدر.

ولوريليهذه،هي هضبة عالية يصل ارتفاعها إلى (١٣٠)م فوق سطح البحر ، وتقع على الضفة الشرقية لنهر الراين بين “مينز” و “كوبينز” في ألمانيا . وعند هذه الهضبة تجري مياه نهر الراين سريعةً، نتيجة تَضَيُّق قناة النهر عندها ، وينتج في هذا الجزء تيارٌ قويٌ جداً وقد سَبَّبَ العديد من الحوادث للقوارب والسفن المارة فيه.

تورد ” الچوچل ” وقائع مثيرة مُتصلة بهذي الأُسطورة ، ومنه انه في العام ١٨٠١ م، فقد قام الكاتب الألماني “كليمنس برنتانو” باختراع قصة أسطورة من وَحْي خَياله . تتحدث الأسطورة عن صوت الصّدى الذي يُسْمَع عند “لوريلي”، وتُقَدِّمُها على أنه صوت امرأة شريرة وجميلة، أو “حورية النهر” وهي تُغَنّي للملاحين، وهم في طريقهم إلى الهلاك.

و”لوريلي” هو اسم هذه المرأة الشّريرة.

كما قام “هاينريش هاينه” – حسبما جاء في الچوچل أيضا- بوضع القصة على شكل قصائد مع مزيد من الإثارة والتشويق، وبالغ في وصف جمال المرأة الشريرة، ووصفها بأنها تجلس على جُرْف فوق نهر الراين، وتُمَشِّط شَعْرَها الذّهبي، وتَجذِب البحّارة من غير قصد للنّظر إلى جمالها والسماع الى أغنيتها الرائعة ، مما يُتسَبّب لهم بحوادث تحطم على الصخور.

اشتهرت قصيدة “هاينريش هاينه” ، وقد اعتُبِرَت واحدة من القصائده الشهيرة.

ومن الحوادث المأساوية التي تذكرها “چوچل” أنه وفي ١٣ كانون الثاني من العام ٢٠١١، فقد انقلبت سفينة تنقل(٢٤٠٠) طن من حامض الكبريتيك بالقرب من مدينة سانت ، وأنَّ اثنين من افراد الطاقم قد فُقِدا مقابل “لوريلي”، وقد تسبب هذا الحادث في عرقلة حركة المرور على واحد من أكثر الممرات المائية ازدحاما في أوروبا وسط البحث المحموم عن اثنين من افراد الطاقم.

تلك إضاءات أحببتُ أنْ أُوردها في يَوميَّتي هذه ، عن كولن ،او كولونيا ، وكاتيدرائيتها الرائعة ، وعن نهر الراين ، ومُعاناته من أفعال البشر ، والمخاطر الناجمة عن أفعالهم ونشاطاتهم على البيئة وعلى الحياة في كوكبنا الجميل ، ولم أنسَ الحديث عن ” لوريلي ” ؛ حورية نهر الراينْ.

عبد الرحمن البيطار

في القطار المتوجه الى هايدلبيرغ