يَومية الأحد الموافق ١٦ تشرين اول ٢٠٢٢
البارحة ، كانت الرّحلة الى “كولن” (Koln)، طويلة ومَليئة بالمَقالب.
لم تشأ مُنى أنْ تُشاركني الفُطور في ماريوت هايدلبيرغ. فَضَّلَتْ أنْ تعمل قهوتها بيديها في الغرفة ، وأنْ تخرج الى بلكونة الغرفة ، تستمع بـ “مَجِّ” سيجارتها الإلكترونية ، وتتناول قهوتها كما تشاء ومتى تشاء،… ذلك هو فن الإستمتاع، لا بل التفنن في الاستمتاع والتّذَوُّق.
إنتهى بمُنى الأمر يوم أمس أن قَضَته بلا فطور وبلا غداء ،… فبعد أن اشترينا تذاكر السفر الى “كولن” من شباك التذاكر فيمحطة قطارات هايدلبيرغ ،… انتظرنا نحو ساعة ونصف قبل أن نتوجه الى الرصيف لالتقاط القطار المغادر لـ “كولنْ” .
جاء القطار قبل دقيقة من الساعة 12:24pm ,، وانطلق في موعده ، .. ولكن وبعد نحو ساعة من الزمان ،… رأيناه يتوقف في إحدى المحطات على الطريق ،…ورأينا كل الركاب ينزلون ،… عندها فقط أيقنا أنَّ علينا أنْ نترك القطار أيضا ،… فقد تعطل القطار عن العمل … لقد أعلنوا ذلك بالألمانية فقط ،… ولم ننتبه لذلك من جهة (وبالطبع لم نفهم الإعلان لأنه بالالمانية) ، كما أنه ومن جهة ثانية ، فلم يكن يشاركنا مقاعد المقصورة التي كنا لها أحد آخر كي ننتبه أو يُنبهنا …!
أَخذنا نتلقف المعلومات والمساعدة عن ” ما العمل بعد ان تركنا القطار ” تلقفاً،…، فلم يظهر اي موظف لإرشادات عما يتوجب عمله ، وقد تولَّتْ مُنى السؤال والحصول على الأجوبة والإرشادات ،… وأخيرا وجدنا انفسنا في قطار جديد ،.. والناس تتراكض إليه، وتحشو حالها حشوا في الفضاء المتاح داخل عربات القطار ،..!
تساءلت حينها ،…وقُلت؛ هذا يحصل في ألمانيا أيضاً ..!؟
بالنتيجة، أمضينا ثلاثة ساعات أُخرى ، بين انتظار ، وبين انحشار وسط الركاب داخل عربة القطار ، قبل أن نصل “كولنْ”.
بَعْدَ لأيٍ، قادتني مُنى الى مقعد أمامي نجحت في اكتشاف انه قد خلا من صاحبه،.. ربما لأنه ترك القطار في المحطة التي توقف فيها قبل دقائق ، فالقطار الذي ركبناه من نوع ” “اللّمّام” ، بمعنى انه يتوقف في محطات كثيرة يَلُمُّ منها ركابا جدد، ويتركه ركاب ،.. وأجلستني الى جانب فتاة جميلة الوجه ، سمراء ، مُحَجّبة تبين أنها أفغانية ، حاولت ان أستقي منها معلومات عن رحلة القطار الجديد ،.. ولم تنجح بذلك كثيرا ، فهي لا تعرف الا لغتها الأفغانية ،وكذا الألمانية . أما مُنى ، فقد انتهت جالسة الى جانب راهبة في مقعد بعيد جدا عني ،… وقدانخرطت معها في حديث روحاني ، وسياسي ، ذو شجون ،.. وتَصاحَبتْ معها، فقد رأيت ذلك في حرارة وداع الراهبة لمُنى . وقلت لنفسي ؛ تلك هي مُنى ، وهذا السحر ليس الا سحرها.
وأخيرًا ، وبعد اكثرمن ثلاثة ساعات من الموعد الأصلي المفترض أنْ نصل به “كولن” ، توقف القطار بتلكوء في محطة قطارات المدينة .
عندما غادرنا المحطة ، تذكرتُ أن كارينا لم تزودنا بمعلومات سوى أنها حجزتْ لنا في “ماريوت” المدينة . اعتقدتُ أن المدينة ليس فيها سوى “ماريوت” واحد، لأكتشفَ، عندما ركبنا التكسي، بالسائق يقول لنا ؛
أَيَّ ماريوتٍ تقصدون ..؟ ، ففي المدينة ثلاثة فنادق “ماريوت” ..!
قُلنا له : بأنَّ صديقتنا هي من حجزتْ لنا في “ماريوت” “كولن”، وهي موظفة كبيرة في “ماريوت هايدلبيرغ” ، ولا نعرف عنوان “الماريوت” الذي حجزت لنا به..!، لاعتقادنا بأنَّ ليس في ” كولن ” سوى ” ماريوت ” واحد..!
أخذنا السائق الى “ماريوت الكانتري سايد” ،… وللتعبير عن مُساندته لنا ، فقد نزل من سيارته بعد ان اوقفها ، واوقف عداد السيارة ، ودخل معنا الى لوبي الفندق ،… وهناك انتظرنا بعض الوقت الى ان فرغ المجال لنا للإلتقاء بموظف الإستقبال في الفندق . شَرَحتُ له الأمر،… وبعد ان فحص سجلاته ، قال ؛ لا حَجْز َلكم في هذا الفندق ،… ربما عليكم التحقق في “ماريوتٍ” آخر ..!
عُدنا مع السائق الى التاكسي،.. واثناء تحركه الى “ماريوت” آخر ،… كنت قد استلمت ردا على رسالة ارسلتها لكارينا أشرح لها فيها ما حصل وأطلب منها تزويدنا بالمعلومات عن الحجز . جَواب كارينا صَدَمني . قالت كارينا فيه بأنه لا يوجد الا ماريوت واحد في “كولن” ، وأن السائق قد خدعنا …!
عندما أوْصَلنا السائق الى الماريوت الآخر ،… اكتشفنا فيما بعد أنه لا يَبعد سوى مائة متر فقط عن محطة القطارات التي أنْزَلَنا القطار فيها … عندها ، نَظَرتُ الى مُنى ،… والتقت عيوننا معاً ،.. وعَرِفنا أن السائق قد خدعنا بالفعل …! ، فقد كان الماريوت المقصود لا يبعد عن المحطة سوى مائة متر فقط ، في حين انه استغل غشامَتنا ،…وأخذ ينقلنا من ماريوت الى آخر ، واختار ان يبدأ بالأبعد…ونال لقاء خديعته ثلاثون يورو .
كان الوقت قد فات قبل ان نُدْرك خديعة سائق التاكسي التركي ،…!
قُلتُ لمُنى ؛… نحن في “كولن” سُوّاح ،… وللأسف ، فإن مثل ذلك يحدث أيضاً في بلادنا ..!
تعشينا في مطعم صيني بالقرب من محطة القطار ، وكان الأمل رائعا وشهبا جدا .
~~~~~~~~~~~~~
تعليقات كثيرة استلمتها على يَومية الخميس ١٣ تشرين اول ٢٠٢٢. احدها جاء من الصديق علاء ابو زينه.
علاء ابو زينة ، كاتب مرموق ، ذو قلم ثاقب، وله عمود دائم في صحيفة الغد ، وترجمات كثيرة لمقالات سياسية يُحْسِنُ اختيارها ويُبْدِعُ في ترجمتها.
زرته في مكتبه في ” الغد ” مع الصديق عبد حمودة ، اهديته الجزئين ؛ الاول والثاني من ” يومياتي ” ، ومسودة الجزء الثالث ، وطلبت منه ان يكتب ” مقدمة ” ذلك الجزء. قبل نحو شهر، زودني بالنص الذي كتبه ، … وكان نصا رائعاً. الجزء الثالث تحت الطباعة حاليا ، وسيتم اشهار الاجزاء الثلاثة خلال الشهر القادم في احتفال خاص سيتم الاعلان عنه.
من التعليقات التي استلمتها تعليق من علاء. كتب علاء يقول : “سلامات صديقي العزيز وننتظر عودتك بالسلامة في أقرب وقت. يجب المطالبة رسميّا بمحاسبة بريطانيا على دورها في النكبة الفلسطينية، والتعويض عنه على الأقل بوقف دعمها للكيان الصهيوني. كنتُ قد كتبتُ عن هذا كثيراً، وهذا رابط أحد المقالات ذات الصلة.”
ارسل لي عَلاء رابط مَقالِه ، ولأهميته ، فقد قررت ان انشره كما هو في هذي اليومية :
“فلتحاكَم بريطانيا على وعد بلفور..!
8:23 م2016-11-02
عبرت أمس الذكرى الـ99 لوعد بلفور المشؤوم؛ الرسالة التي بعثها البريطاني جيمس آرثر بلفور إلى اللورد اليهودي ليونيل وولتر دي روتشيلد، وذكر فيها تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ولم يقتصر دور الحكومة البريطانية في النكبة الفلسطينية على هذا التبرع اللفظي بفلسطين. فقبل إعلان عرّابي المشروع الصهيوني في فلسطين إقامة كيانهم، جسدت بريطانيا الانتداب أبشع أنواع الاستعمار وأكثرها قمعاً، فسجنت أحرار فلسطين وأعدمت ثوارها وجهدت في كسر إرادة أهلها وجردتهم من كل وسيلة للدفاع، وسهلت عمل الوكالة اليهودية في تهجير يهود العالم إليها، وغادرت الفلسطينيين مكشوفين أمام العصابات اليهودية المدربة والمسلحة بتواطؤ بريطاني.
وكأن هذا العمل الإجرامي الذي أسس لنكبة شعب كامل لا يكفي لتشعر بريطانيا بالخجل، لتطفو الأخبار مؤخراً عن نية سليلي الإمبراطورية الاحتفال مع الصهاينة بذكرى مئوية وعد بلفور في العام المقبل. ونقلت الصحافة عن سفير الكيان لدى بريطانيا، مارك ريغيف، قوله: “يجري أخذ الأمر (الاحتفال ببلفور) بجدية كبيرة على أعلى المستويات. ونأمل بإقامة احتفال عام مع الحكومة البريطانية”. كما تحدث ناطق سابق باسم رئيس وزراء الكيان عن الأحداث المحتملة، فقال إن “القيادات العليا من الجانبين (سوف) تتحد في الاحتفال ببلفور”. وقال رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، لزعماء الجالية اليهودية في بريطانيا: “أريد أن أتأكد من أننا سنحيي المناسبة معاً بأنسب طريقة ممكنة”.
كان الأولى ببريطانيا أن تراجع دورها الأسوَد في القضية الفلسطينية، وأن تحاول تصحيح موقفها، فتعترف على الأقل بأن فلسطين تحت الانتداب لم تكن أرضاً بلا شعب، وأن لهذا الشعب حقا مشروعا في وطنه التاريخي. وكان يجب أن تعتذر بريطانيا المعاصرة عن سوءات الإمبراطورية القديمة وجرائمها في حق الفلسطينيين، وأن تدين وعد بلفور وتتنصل منه. لكن البريطانيين المعاصرين الرسميين يتحدثون بقناعة عن حق دولة الاحتلال في الوجود، وينكرون حق الفلسطينيين في امتلاك وطن، في إنكار شرير لمسؤولية أسلافهم عن تدمير حياة الفلسطينيين، ومسؤوليتهم هم عن إدامة النكبة.
مع المعرفة الكاملة بأن التظلم والتماس الإدانات لكيان الاحتلال ليسا أفضل وسيلة لاستعادة الحق الفلسطيني، فإن عمل شيء يظل أفضل من لا شيء. وقد أثارت القيادة الفلسطينية مؤخراً قضية مسؤولية بريطانيا عن وعد بلفور، فطلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في كلمته التي تلاها نيابة عنه وزير خارجيته في قمة نواكشوط في تموز (يوليو) من هذا العام، دعم الأشقاء العرب “لرفع قضية ضد بريطانيا لإصدارها وعد بلفور، وتنفيذه كسلطة انتداب بعد ذلك، الأمر الذي تسبب في نكبة شعبنا وتشريده، وحرمانه من العيش في وطنه وإقامة دولته المستقلة”، كما قال الرئيس. ثم أكدت الجامعة العربية أن “إعلان بريطانيا عن الاحتفال بالذكرى المئوية لوعد بلفور يشكل تحدياً لحقوق ومشاعر الشعب الفلسطيني”، مطالبة الحكومة البريطانية “بالاعتذار عن هذه الجريمة”.
ولم تعتذر بريطانيا عن شيء. ولا عجب؛ فما من سبب قد يدفعها إلى التفكير في ذلك وهي تعرف هوان العرب والفلسطينيين، وتعرف أن العرب الرسميين غير جادين ويقولون دائماً ما لا يفعلون. لكننا لم نسمع أيضاً من الفلسطينيين عما ينوون فعله في هذا الصدد. ومع انسداد آفاق التسوية -حتى بأسوأ الشروط- وعجز القيادات الفلسطينية عن الخروج بأي بديل عن الجمود القاتل، يفترض أن تكون التحركات في المؤسسات الدولية والقانونية جارية على قدم وساق بدل الجلوس بلا عمل. وينبغي أن تشتغل المؤسسات الفلسطينية بمحاولة إزعاج الاحتلال وأنصاره على الأقل، من خلال تنظيم الحملات وجمع التواقيع وإثارة كل القضايا القانونية الممكنة، بدءاً من عشرات المجازر في فلسطين، مروراً بصبرا وشاتيلا وجرائم الاحتلال الأخيرة في غزة، وبلا انتهاء في الحقيقة ما دامت جريمة الاحتلال مستمرة.
يجب أن يكون الفلسطينيون هم الطرف المعني باستغلال مئوية وعد بلفور لمحاولة إقلاق الضمير العالمي المستريح على الظلم. ومع كل الأعذار التي يمكن تصورها لعدم إغضاب حكومة المملكة المتحدة، فإن رضا هذه الحكومة يعني في الممارسة مواصلتها دعم الاحتلال في فلسطين بالسلاح والدعم المعنوي والمالي وتعطيل أي قرارات أممية لصالح الفلسطينيين. ماذا ستفعل بريطانيا أسوأ مما فعلت وتفعل؟ ولماذا لا نأخذها إلى المحكمة، إذا أمكن؟”
~~~~~~~
مقال علاء ، ودعوته لمحاسبة بريطانيا على الجرائم التي ارتكبتها بحق فلسطين والفلسطينيين، وشعوب بلادنا ،وبحق قيم العدالة والحرية ، والحَمْلة التي يقودها الدكتور مَكْرَم مَخّول ، وغيرها من الاعمال ،… تجري جميعها في مجرى واحد ، وتصب في الهدف المنشود…!
بوركت هذي الجهود ..!
عبد الرحمن البيطار
“كولنْ”/ ألمانيا الإتحادية – ١٦ تشرين اول ٢٠٢٢