الجزء الثالث: الساعة الخامسة و النصف تماما – مساء
قبل قليل ، أوصَلَنا التاكسي الى الغرفة ٣٤٤ في ماريوت هايدلبيرغ .
قَبْلَها بنحو نصف ساعة ، كنتُ قد أتيتُ حديثاً مطولاً ما لودميللا ، طبيبة قسم الدم في الكلينك ..!
أمضينا الوقت نتحدث معاً ، وذلك بعد أن فَكَّتْ عِقالي من أربطة التيوبات الموصولة بحاويات بلاستيكية، أحدها مَرْبوط بحقنة / إبرة تحتوي على الليمفوسايتس المُسْتَئصلة من كُرات الدم البيضاء المأخوذة من سائِدة .
قالتْ لي : الآن وبعد مُضِي مُدة الربع ساعة التي استهلكناها في الحَقْنِ بالليمفوسايتس ،… علينا ان ننتظر نصف ساعة أُخرى لنتأكد من أنْ لا أعراض جانبية ناجمة عن عملية الحقن .
خلال عملية الحُقَن ، بقيت لودميللا مَعي وكذلك الدكتوره سوزانا …! كانتا معاً تُراقبان عملية الحقن والتي كانت تقوم بها إحداهما .. وأنظارهما مَشدودة على الشاشات المعلقة على الحامل وعلى قياسات الضغط ،والحرارة ، والاوكسجين ..!
مَرَّتْ عملية الحَقْن بسلام ، دون أن أشعر بأي شيء غير عادي . كما مَرَّت نصف الساعة التي تلتها ، أيضا بلا أية أعراض .
وقبل أن تترك لودميللا المكان الذي كُنّا فيه ، قالتْ لي : لديك تلفون الطّوارىء … إذا ما شَعَرت – خلال هذه الليلة أو الايام القليلة التي تتلوها – بأي عوارض غير طبيعية ، اتصل بنا ، وتَحَرَّك الى طَوارىء القسم فورا .
تلك هي خواتم هذا اليوم المُزْدَحم بالاحداث .
أخبرتني مُنى أنها عَلِمَت ان الدكتورة سوزانا ، وبعد انقضاء عملية سحب كرات الدم البيضاء من دم سائِدة ، طَلبَتْ من سائِدة عدم مغادرة الكلينك ،و الإنتظار ساعة ، للتأكد من ان احوال سائِدة على ما يرام ،واخبرتها بأنه سيتم بعد انقضاء ساعة الانتظار ، اخضاعها لفحوص متعددة للتأكد من أنْ لا اعراض جانبية عندها ناجمة عن عملية سحب كرات الدم البيضاء ، وانه سيتم كذلك اجراء فحص دم للتأكد تماماً من ذلك .
ذهبنا الى الكافيتريا فوجدناهما هناك ؛ سائدةويوسف . امضينا الوقت معا ننتظر ، ونتبادل اطراف الحديث .
في هذه الاثناء ، كانت كرات الدم البيضاء المسحوبة من دم سائِدة تخضع لعملية فرز واستئصال الليمفوسايتس منها في مختبر قسم الدم ، وكانت تجري ايضا عملية عد لوحدات الليمفوسايتس المأخوذة ، والتأكد من كفايتها من جهة ومن صحتها من جهة اخرى . استغرقت عملية الفرز والاستئصال اكثر من ساعة .
عندما نَزلنا أنا ومُنى من الكافيتريا الى قسم الدم ، كانت سائدة قد شارفتْ على إنهاء فحوصها ، اما الطبيبة سوزانا ، فقد جاءت الى صالة الانتظار لتزف لنا الاخبار التي وصلتها من المختبر ، وتقول لنا بالانجليزية :
Enough Cells . Healthy Cells – congratulation
نعم، عدد كافي من وحدات الليمفوسايتس ووحدات بصحة جيدة جدا ، تلك هي سائدة ، وهذا هو دمها ، وهو الحامل للصحة لها ، وللامل والحياة .
وقالت سوزانا ايضا: انها تنتظر وصول رئيس المختبر للاطلاع على النتائج واعتمادها ، قبل نقلها الي .
وبعد فترة اخرى من الانتظار، جاءت الطبيبة سوزانا ومعها ممرضة، وطلبت مني مرافَقَتَها الى قاعة . أجلستني على الكرسي الطبي ، وزَرَعَتْ في يدي اليمنى المُغذي الذي سيتم من خلاله حَقْني بالليمفوسايتس.
قالت لي : هل اوجعتك ..!
ثم ذهبت ، لتعود بعد قليل وفي يدها انبوبة صغيرة مليئة بالليمفوسايتس ،.. وقالت : تلك هي الجرعة التي ستتلقاها الان .
سلمتها الى لودميللا ، ونَبَّهتني الى ضرورة إشعارها بأي عوارض غير طبيعية اذا ما شَعرتُ بها خلال عملية الحَقْن .
وتحركت نحو الحامل ، وثم الى المُغذي المَزروع في يدي ، وشبكت الانبوبة بالمُغَذي ،.. وقبل ان تبدأ بالحَقْن ،… قالت لي :
ابتسم ،..، ستأخذ عملية الحقن نحو ربع ساعة ،.. !
إبْتَسَمتْ ، وبدأت تضغط بإصبع يدها على الحاقن ،.. وانطلق عندها خيط رقيق من سائل الليمفوسايتس متسللا برفق وحنان الى مجرى دمي ، يختلط به ، وتخيلتُ خلايا الليمفوسايتس الجديدة والقديمة تتعانقا في شريانات جسمي . ووجدتني أُردد ؛
شكرا سائِدة
شكرا يوسف
شكرا مُنى
شكرا لكل فرد في الطاقم الطبي
شكرا بروفسور بيتر
شكرا د خالد
شكرا د عاصم
شكرا لكل من حولي … لكل من حولي بدون اي استثناء
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – الساعة السادسة والعشر دقائق