يومية الاثنين الموافق ٢٩ أيار ٢٠٢٣
على مَقعَْدَينِ وحَوْلَ طاولةٍ صَغيرة من طاولات المطاعم والمقاهي المنتشرة على طُول شارع المَمْشى Hauptstrasse ، إخترنا أنا ومُنى المكان الذي سنُمضي بعضَ وقتنا فيه .
المكان إسمه شاف هُويْتْلِه Schafheutle – Kaffeehauskultur seit 1832 ، وقد كُنّا من رُوّاده عدة مرات في سابق الأيام ،… فالمقهى / المطعم لديه قَعْدات جميلة داخلية ، وخارجية وسط حديقة مُميزة ، وهو مشهور بحلوياته المتنوعة مع البوظة ، وكذلك أطباقُ طعامٍ شَهِيّة .
هذا اليوم هو يوم عُطْلة رسمي في هايدلبيرغ . كُل المَتاجِر مُغْلَقَة ما عدا القليل جداً منها، هذا مع عددٍ من المطاعم ومقاهي الشوارع . أما مُناسبة العُطلة ، فهو عيد العَنْصَرة.
سَألتُ عدداً من الألمان عن مناسبة العُطلة الرسمية ، فلم يتمكن أيٍ منهم من إعطائي جواباً شافياً. فلجئتُ الى صديقي الچوچل ، وهناك وَجَدتُ ضالتي ، وهناك كان الحديث عن واحد من أهم ثلاثة أعياد دينية لدى المسيحيين ، منها عيد العَنْصَرَة ، وحديث عن الروح القُدُس وحُلوله يوم العَنْصرة. وفي الچوچل قَرأتُ ما يلي :
” اتَّفَقَ عُلماء الآثار والكِتاب المُقَدَّس على أن حُلول الروح القُدُس تَمَّ في عُلِّيِة صَهْيون. وتَقَع عُلِّيِة صَهيون على جبل صَهيون في القدس .” وفيه أيضاً أنَّ كلمة “صَهيون” كلمة سريانية ” الأصل ، وتَعْني بالعَرَبية صُوّان أو صوّة، ومعناها قلعة أو صَرْح “. ويُضيف الچوچل أنّه ” وفي الأجيال المسيحية الأولى، أُطلِقَ إسم صَهيون على الموضع الذي تم فيه العشاء السِّرّي الأخير “. وأن العديد من الرسامين العالميين اتخذوا من “العشاء الأخير كموضوع للوحاتهم لعل أهمها هي لوحة الفنان ليوناردو دافينشي”.
كما يورد الچوچل قائمة بالحوادث الإنجيلية التي جرت في عُلِّيِة صهيون منها على سبيل المثال لا الحصر ؛ عشاء الفصح ، ونزول الروح القُدُس على الرُّسُل والعذراء، (العَنْصَرَة) ،وتَرائي يَسوع للتلاميذ. كما وتَذكر أنه وفي بدء الكنيسة، تَحَوَّلَ جبل صهيون إلى مركز الجماعة المسيحية الأولى ، وأنَّ كنيسة قد أُقيمت في مَكان العُلِّيّة. وأن يوحنا الثاني، بطريرك القدس ، قد أعاد بناء كنيسة بيرنطية في القرن الرابع بإسم (صهيون المقدسة) بالقرب من العُلِّيّة. وأنه وفي عام 1333 ، اشترى ملك نابولي “روبرت انجو” وزوجته كل منطقة جبل صهيون من سلطان مصر محمد بن قالون، ووهبها إلى الآباء الفرنسيسكان الذين قاموا بترميم الكنيسة حسب الفن القوطي، وأنَّ الكنيسة التي نشاهدها اليوم تعود إلى ذلك التاريخ.
واخيرا ، وفي عام ١٩٤٨ ، ، وبعد إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني ( إسرائيل ) ونجاح منظمات الإرهاب الصهيوني المسلحة في احتلال الجزء الاكبر من فلسطين ، وطرد نحو نصف سكانها في أكبر وأول عملية تطهير عِرْقي كبرى نفذتها هذه المَرّة الصهيونية العالمية بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية في العام ١٩٤٥ ، والسيطرة على منطقة القدس الغربية حيث تقع العُلِّيّة ، يقول الچوچل ، فإن إسرائيل قامت بتحويل الطابق السفلي من الكنيسة كنيساً لليهود بحجة أنّه قَبْر الملك داود، وجعلت الطابق العلوي (العُلِّيّة) مفتوحاً للجميع.
لا زالت العُلِّيّة وجبل صهيون وكل القدس ؛ شرقها وغربها ، وفلسطين كلها تحت الأَسْر الصهيوني منذ ذلك الوقت .
اما البارحة الأحد ، وهو أحد العُنْصرة ، فقد امضيناه مع وهيب و جِني ، في ماينهايم ، وذلك في مهرجان عيد العَنْصَرَة الذي أُقيم في أحد شوارع المدينة ، والذي تم تخصيصه للمحتفلين المتجولين فقط ، وفي الشارع ، تواجد مئات لا بل ألوف الناس ، صغارا وكبارا ، كهولا وأطفالا ، أصحاء ، وعَجَزَة ، وفيه أُقيمت منصات مؤقتة يتم فيها تقديم الأطعمة الشعبية ، والمشروبات التراثية ، وقدمت في سياقها فرق الموسيقى والمغنين الشعبيين عروضهم الموسيقية والغنائية ، وعرض الفنانون منتجاتهم الفنية ،… وباختصار ، كان يوما حافلا منوع الناس المحتفلين بعيد العنصرة ،… !
وعلى هامش العيد ، كنت ترى زهور البتول المعروضة للبيع .. ! ، وقد أثارت الزهور انتباهي ،… فما هو سر عرضها على نحو خاص ..؟
وبالعودة الى الچوچل ، فقد عَرِفتُ أنَّ لعيد العَنْصَرَة في المانيا Pfingsten رمزان تقليديان – حَمامَة ، وفِرْع من زهرة البتولا ، وأنه وفي وقت مبكر من القرن السادس ، كان يتم إطلاق الحَمام من أيدي المُصَلّين أثناء قراءة الصَّلَوات في الكنائس المسيحية ، وأن الشُّبّان كانوا يقومون بقطع أغصان البتولا بأعداد كبيرة ،وينقلونها إلى المنازل لتثبيتها على النوافذ والأبواب ، لملء المزهريات والأواني المناسبة بها ، وأنَّ العادة الرومانسية من قبل الشباب كانت تتمثل في أنهم ، في ليلة الثالوث ، كانوا يُحْضِرونَ ببطء أغصان البتولا إلى منزل الفتاة التي أحبوها ، وكانوا يتركوها بجوار الباب حتى تعرف الشابة لمن تنتمي علامة الإنتباه ، وبالنسبة للمتدينين ، كانوا يضيئون شَمْعة يَضعونها في وسط الطاولة قبل تناول الإفطار الإحتفالي ، وكان كل واحد من الحاضرين يُضيء بنفسه من الشمعة المركزية ويجلس أمامها..!
تلك إضاءة مُقْتَضَبة على مُناسبة العُطْلَة في كل ألمانيا هذا اليوم .
لنَعُد الآن الى مُجريات هذا اليوم .
بعد تناولنا طعام الفطور في ماريوت هايدلبيرغ ، صَعَدنا أنا ومُنى ، الى الغرفة ٣٤٤ ، نُمْضي فيها بعض الوقت قبل أن نُقرِّر ما سنقوم به هذا اليوم .
كانت مُنى في مَقْعَدِها في الغرفة وقد فتحت باب الغرفة المُؤدي الى البلكونة . وفجأةً ،… زارنا عُصفور أسود اللون ، رَشيق الجسم ، جذّاب ،..اختار أنْ يَتَمَوْضَع على المَقبض المعدني لدرابزينة البلكونة ، وهناك ، أَخَذَ يَصْدح بصَوْتِه الأخَّاذ ،…!
نعم ،… انطلق العُصفور في الغِناء ،.. كان على بُعْدِ نَحْوَ مِتْرٍ من مُنى ، …!
إنشَّدتْ مُنى الى غِناءه ،.. وشَدَّ صَوْته انتباهي ايضاً ،… وكأن العصفور كانَ يُؤدي طَقْساً من طُقوس ِ المُناجاة ، وقد وَجَدَ في بلكونة الغرفة الكائنة في الطابق الثالث من مبنى الفندق صَوْمَعَته للصلاة او للغِناء ،..
حَمَلتُ تلفوني ورُحْتُ أُصَوِّرَه وهو يُغَنّي ،… كانَ يَفتح مِنْقار فَمِه ويصدح ،.. ويَميلُ برَأسِه يُمْنةً تارةً ويُسْرَةً أُخرى ، وفي أحيانٍ أُخرى ، يرفع رأسه الى اعلى قبل أن يَحْنيه الى الاسفل ،.. وكان يُناقلُ رِجْلية برشاقة ، يقف على واحدة منهما ، ويَتّكأُ على الأُخرى ،… بَقِيَ العصفور على هذه الحال ، يَصْدح بلا توقف ، وبتركيزٍ مثير للانتباه لأكثر من ثمانيةِ دقائق، سَجّلتُ وقائعها بالكامل على كَمِرَةِ تلفوني الموبايل …!
كُنّا أنا ومُنى مَشْدوهينَ بهذا الإصرار من العُصفور على الغِناء والمُناجاة بلا توجس أو خوف ،…!
قُلتُ لمُنى ، لَوَ أنَّ أحداً ما يَفْهم لغة الطيور ، يُترجم لنا ما كان العصفور يّنْشده ويَقوله …!
زِيارَته كانَتْ غَريبة ، طَويلة نسبياً ، وطارِئة ، …وكأنه كان يحملُ رسالة إلينا ، …وكأنه كان يُريد أن يقول لنا شيئاً ما ….!
يا زائرنا الشَّادي ،…. كم انبسطنا بحُضورِك ،…لقد أَدخلتَ الفَرَح والأمل والتَّرَقُّبَ طوال الوقت من يومنا هذا …! فما أروعك ..!
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٢٩ أيار ٢٠٢٣ – الساعة الخامسة وعشرة دقائق
++++++++++++++