يومية السبت الموافق ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٤ ( ٣- يوميات ما بعد السابع من تشرين اول / أكتوبر ٢٠٢٣)
هذه هي اليومية الثالثة من يوميات ما بعد السابع من تشرين الأول / اكتوبر ٢٠٢٣ التي اكتبها في سياق أحداث ذلك اليوم ، وما تلاه من أحداث جِسام على صعيد القضية الفلسطينية برمتها ، لا بل والأوضاع في الاقليم والعالم بأسره ..! .
وقد كان العشرات قد تواصلوا معي بعد السابع من تشرين الاول الماضي مُعبِّرين عن افتقادهم ليومياتي خاصة بعد أحداث ذلك اليوم التاريخي والجرائم والفظائع المهولة والمريعة التي شهدها قطاع غزة وعاشتها جماهيره في المرحلة التي تلت ذلك اليوم وما تزال مستمرة حتى الآن ، ويستفسرون عن سبب عدم كتابتي في ذلك الحدث الكبير وما تلاه من احداث .
ففي حقيقة الأمر ،فقد صادف وقوع ذلك الحَدَث عندما كنت في هايدلبيرغ في زيارةِ مراجعةٍ طبيةٍ روتينية ، حيث كنت قد وصلتها في الثاني من تشرين الاول الماضي ، وصَدَفَ ايضا ان أُصِبْتُ في التاسع من تشرين الاول بـ “نِيمونيا فِطْرية” ( إلتهاب رئوي فِطْري حاد ) استدعت إدخالي إلى المستشفى في هايدلبيرغ للعلاج لمدة زادت عن سبعة عشر يوما ،..
وبصراحة ، لم أكن حينها في وَضْعٍ صِحِّيٍ يَسمح لي بالكتابة ،.. هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى ، فإنَّ أحداث السابع من تشرين الاول ٢٠٢٣ وما تلاها من فظائع وتحديات قد أصابتني بذهولٍ رهيب ألجمني وَحَدَّ من قدرتي على الكتابة ،..
وهذا وقد كنت أحسُّ وأنا أتابع ما كان يحصل في قِطاع غزّة كل يوم ، بل في كل ساعة من ساعاته ،أقول … كُنتُ أحِسُّ أكثر وأكثر بحاجة للتأمل في معاني الأحداث الجِسام التي كان يشهدها القطاع وفي المرامي الحقيقية لصانعيها ، كما وكُنتُ اشعر بالحاجة الماسّة لوقت أطول لهضم وقائعها ، وذلك قبل المباشرة في تناول تلك الاحداث بحثا وتحليلا كي يكون للكتابة فيها وزنٌ يُكافىء أهمية ما تحمله في أحشائها من تبعات ونتائج حاسمة على مصائر كل من المشروعين الوطني الفلسطيني من جهة والصهيوني الإسرائيلي اليهودي من جهة أخرى وهي الاحداث التي أعادت الصراع على فلسطين إلى جذوره الاولى وحَوَّلته من جديد الى صراع وجودي على فلسطين وفيها.
لقد أعادتني أحداث السابع من تشرين الاول / أُكتوبر الماضي ، وما تلاها إلى الاحداث التي تلت صدور قرار تقسيم فلسطين الذي أصدرته الجمعية العام للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ ، وبالتحديد تلك الاحداث التي امتدت منذ ذلك التاريخ حتى ١٥ ايار ١٩٤٨ .
وكما ذكرت أعلاه ، فقد اعادت أحداث السابع من تشرين الاول ٢٠٢٣ الصراع الفلسطيني – الصهيوني اليهودي على فلسطين إلى مُرَبّعه الاول ، حيث تصادم الفلسطينيون في ذلك اليوم ووجها لوجه مع القوى الحاملة للمشروع الصهيوني في مستوطنات غلاف غزة – اي على الارض الفلسطينة التي كانت الحركة الصهيونية قد احتلتها في العام ١٩٤٨ – وهذه القوى ، هي التي جَسَّدَت منذ العام ١٩٤٨ ، وعبر الكيان العنصري الذي أنشأته الحركة الصهيونية في فلسطين في ذلك العام ،وعلى الارض ، أهداف المشروع الصهيوني بكل ابعادها الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية .
وهذا المشروع ، هو المشروع والكيان الذي استهدف بصورة مباشرة الحقوق الأساسية والوطنية للشعب الفلسطيني في ارضه ولمصالحه المباشرة عليها ، وسعى لطمس هذه الحقوق والمصالح وعمل على تدميرها وإلغاءها واعتبارها غير موجودة ، وسعى عبر حملات التطهير العرقي المنظمة إلى اقتلاع الفلسطينيين من بلادهم وتهجيرهم منها ، واعتبار الفلسطينيين لا حق لهم في ارض فلسطين ، وفي ان الارض الفلسطينية هي الارض الموعودة ليهود العالم ، وان الفلسطينين بحكم كونهم عربا ، فإن اي أرض عربية خارج فلسطين تصلح ان يكونوا مواطنين فيها ، ومن هنا نستطيع ان نعي ونفهم ابعاد المصطلح الذي استخدمته الحركة الصهيونية منذ صدور تصريح بلفور في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧ في ان الفلسطينيين هم ” عرب فلسطين ” وليسو الفلسطينيين اصحاب الارض الفلسطينية ، وانهم مجرد جاليات عربية تقيم في فلسطين ، وأنه ومع صدور تصريح بلفور ، وسقوط القدس في براثن قوات الاحتلال البريطاني في ١١ كانون الاول من العام ١٩١٧ ، ومصادقة عصبة الامم في ٢٤ تموز ١٩٢٢ على وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني ، وتضمين صك الانتداب إيكال مهمة تهيئة فلسطين لتصبح وطنا قوميا لليهود إلى سلطات الانتداب البريطاني ، وفتح ابوابها للهجرة اليهودية اليها ،فقد حان الوقت ،حسب المخططات التي أعدوها ، لأن يعود عرب فلسطين -اي أفراد الجالية العربية في فلسطين – إلى مواطنهم الأصلية في البلاد العربية التي جاءوا منها إلى فلسطين ، وأن يتركوا “فلسطين” للمهاجرين اليها من مواطني بلدان العالم اليهود، وهو المخطط الذي أقروه في العاشر من اذار ١٩٤٨ ، وعملوا على وضعه موضع التطبيق في الفترة الواقعة ما بين الاول من نيسان ١٩٤٨ وحتى نهاية ايار من العام ذاته تحت عنوان ؛ الخطة ” دالت “.
إن إنكار وجود الفلسطينيين ، وإنكار حقوقهم الوطنية والدوس على مصالحهم وطمسها ، هو موقف مزروع في بنية المشروع الصهيوني منذ تأسيسه، وكما وأن تكريس عملية الإنكار والطمس يقع في صلب اهداف الحركة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية ومساعيها منذ ما قبل اعلان اقامة الكيان الصهيوني في ١٤ ايار ١٩٤٨، وقد استمر هذه العملية قائمة تأخذ أشكالا مختلفة ولبوسا متنوعة منذ العام ١٨٩٧ وحتى تاريخه .
وتستهدف سياسات التطبيع وبناء المصالح المشتركة مع الأنظمة العربية التي ينتهجها الكيان الصهيوني بمعاونة وإسناد ورعاية الولايات المتحدة في السنوات القليلة الأخيرة تكريس عملية الطمس والإنكار ، عبر جر البلدان العربية الى مواقف تقوم على تقزيم الحقوق الوطنية الفلسطينية وسخطها وطمسها لصالح الاعتراف للكيان الصهيوني بما يدعيه من حقوق في فلسطين وعلى حساب الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني ومصالحة المباشرة .
في هذه اليومية ، سأبدأ بتناول أوجه الشبه ما بين حقبتين :
الحقبة الاولى : وتمتد من ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ إلى ١٥ ايار ١٩٤٨ ، و
الحقبة الثانية ، وتمتد من السابع من تشرين الثاني ٢٠٢٣ ولا زالت وقائعها ومفاعيلها مستمرة .
وهاتان الحقبتان هما حقبتان تأسيسيتان بالنسبة للحركة الصهيونية ومتصلتان .
ففي الحقبة الاولى ، تم الإعلان عن اقامة الكيان الصهيوني في فلسطين ، وجرى خلالها تغييب فلسطين والفلسطينيين واي ممثل رسمي للفلسطينيين ولفلسطين .
وفي الحقبة الثانية ، تجري محاولات من قبل الكيان الصهيوني لتدمير مقومات حياة الفلسطينيين في قطاع غزة وفي الضفة الفلسطينية المحتلة ، وسبل استمرارها تمهيدا لتنفيذ حملة تطهير عرقي جديدة بحق فلسطينيي القطاع والضفة تحت مسميات الهجرة القسرية او الطوعية للفلسطينيين خارج فلسطين .
والمشابهة هنا ، تستهدف التعرض إلى أوجه المقاربة بين الحقبتين ، من حيث الاهداف المرسومة والأساليب المتبعة .
ولأن البحث في هاتين الحقبتين سيطول ، فإن تناولهما سيتم على صفحات يوميات متعددة .
وكي لا أطيل ، سأكتفي في هذه اليومية بهذا القدر .
عبد الرحمن البيطار
عمان – ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٤