Menu Close

المخطط الصهيوني لتركيع الشعب الفلسطيني : نسخة عام ٢٠٢٣/٢٠٢٤ للتطهير العرقي – الخطة دالت المُجددة ..! ؟

يَومية الخميس الموافق الاول من شباط ٢٠٢٤ ( ٤- يوميات ما بعد السابع من تشرين الاول ٢٠٢٣)

استكمالا للسياق الذي انتهجته في اليوميات الثلاثة السابقة ، سأتناول في هذه اليومية القاء الضوء على الظروف التي كانت سائدة وبتفصيل اكبر خلال الفترة التي تلت صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ وشهدت بعد اقل من ستة شهور الإعلان عن ولادة دولة الكيان الصهيوني على جزء كبير من أرض فلسطين ، والهدف هنا ليس لمجرد استرجاع التذكير بوقائع تاريخية ، وإنما محاولة المقاربة فيما بين مرحلتين وجوديتين في حياة المشروع الصهيوني ، تركتا آثارا مصيرية هائلة على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية ، وذلك بهدف محاول استنباط اجوبة على سؤال المرحلة : ما العمل ؟

لقد نجحت الحركة الصهيونية العالمية في تحقيق أهدافها بعد الحرب العالمية الثانية ، وفي سياق ذلك يَجدُر أن نذكر :

١- ان الحركة الصهيونية قد تمكنت من تجيير نكبة اليهود من مواطني البلدان الأوروبية خلال أعوام الحرب العالمية الثانية والمتمثلة بحملة الابادة الجماعية التي تعرضوا لها في اوروبا ، والمسماة بـ ” الهولوكوست “،واستثمارها في تجنيد دول الغرب الاستعماري والرأي العام الأوروبي والأمريكي لدعم مشروع اقامة وطن قومي ليهود العالم في فلسطين – والذي تبنت وضعه موضع التطبيق عصبة الامم في الفترة التي تلت انقضاء الحرب العالمية الاولى – وتهجير مئات الآلاف من يهود أوروبا في ذلك الوقت إلى فلسطين .

٢- وأنها قد نجحت وبدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الأوروبية في دفع الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ لإصدار قرار بتقسيم فلسطين وانشاء دولة يهودية على ٥٥ ٪؜ من مساحة فلسطين ( دولة لكل مواطنيها اليهود وكان عددهم نحو ٤٩٥،٠٠٠ نسمة و الفلسطينيين العرب وعددهم نحو ٤٣٥،٠٠٠ نسمة ) ودولة فلسطينية عربية على ٤٤٪؜ من مساحة فلسطين ( دولة لكل مواطنيها الفلسطينيين العرب وكان عددهم نحو ٨٠٠،٠٠٠ نسمة ، واليهود وعددهم نحو ١٢،٠٠٠ نسمة ) ، مع وضع القدس تحت حكم دولي ( وكان عدد مواطنيها نحو ١٠٥،٠٠٠ فلسطيني عربي ، و نحو ١٠٠،٠٠٠ يهودي ) ، وإقرار مبادىء تقاسم ثروات فلسطين ومواردها الطبيعية بين الكيانات الثلاثة مع إقامة اتحاد إقتصادي فيما بينها ، وقد وَفّر هذا القرار للحركة الصهيونية أساسا قانونيا استندت عليه في ايار من العام ١٩٤٨ لإعلان اقامة كيان دولتها على جزء من الارض الفلسطينية .

٣- كما وكانت الحركة الصهيونية في فلسطين قد تمكنت من انشاء (١٧٧) مستوطنة / مستعمرة في فلسطين خلال الفترة الممتدة من العام ١٨٨٠ وحتى ١٩٤٨ ، منها نحو (١٤٠) مستوطنة تم إنشاءها بعد احتلال بريطانيا لفلسطين في اواخر عام ١٩١٧ ، وتعيينها من قبل عصبة الأمم ، بعد ذلك ، دولةً منتدبةً على فلسطين مكلفةً بتهيئة فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود فيها وتشجيع هجرة اليهود اليها ، أي خلال فترة احتلالها لفلسطين والتي امتدت ما بين كانون الاول ١٩١٧ و أيار ١٩٤٨ . هذا وقد نجحت الحركة الصهيونية خلال فترة الانتداب البريطاني من تحويل المستوطنات اليهودية المقامة في مواقع استراتيجية في الجغرافيا الفلسطينية إلى قلاع عسكرية تتحكم في شبكة الطرق ، وفي القرى العربية المحيطة بها ، ومن السيطرة على قطاعات حيوية من الاقتصاد الفلسطيني ، كما تمكنت من انشاء قوة عسكرية مدربة ومسلحة باحدث الأسلحة، وفي ذلك يقول وليد الخالدي في مقال له نُشِر في العام ١٩٦١ بعنوان ” خطة دالت : المخطط الرئيسي لاحتلال فلسطين ” ، وأُعيد نشره في مجلة دراسات فلسطينية في العدد (٩٦) – خريف ٢٠١٣ ما يلي :

” … ففي اواخر آذار/مارس ١٩٤٨ ، كان في استطاعة الصهيونيين أن يحشدوا في الميدان ثلاثة ألوية من ‘البالماخ’ ( وهو قوة ضاربة متحركة تُستخدم حيث تدعو الحاجة ) ، وستة ألوية من ‘ حيس’ ( أي ‘حيل سديه’ أي ‘ سلاح الميدان ‘ ) عملت كلها في ست مناطق ألوية إدارية قُسِّم إليها البلد ، علاوة على لواءين تابعين لمنظمة إرغون الإرهابية . فضلا عن ذلك كان هناك قوات ‘حيم’ ( أي ‘ حيل مَتْساف ‘ أي ‘ عسكر الحاميه ‘) وعددها لا يقل عن ‘ سلاح الميدان ‘ ، وقوة شرطة المستعمرات وعديدها نحو (١٢،٠٠٠) شخص ، وكتائب ‘ جادناع ‘ الشبابية ، وسكان المستعمرات المسلحون . وكانت الأسلحة في أيدي تلك القوات وفيرة العدد ” . وينقل الخالدي عن سيفر هَبالماخ ويضيف أنه ومع حلول آذار ١٩٤٨ ، كانت المصانع اليهودية المحلية ( المُقامة في المستوطنات ) تُنْتِج أسلحة وذخائر متنوعة من رشاشات ، وقاذفات لهب ، وسلاح مضاد للدروع ( بيات )، ومدافع مورتر ( دافيدكا )، ورصاص ، وقنابل يدوية ، وقذائف مورتر.

وقد قُدِّر قوام تلك القوات عند صدور قرار التقسيم بما ينوف عن ستين الف مقاتل .

٤- وعَمِلَتْ أيضا – أي الحركة الصهيونية من خلال ذراعها في فلسطين أي الوكالة اليهودية لفلسطين – بعد صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين ١٩٤٧ على وضع الخطتين العسكريتين (ج) و ( د) موضع التطبيق ، وفي ذلك ، يقول وليد الخالدي ان الخطط العسكرية الصهيونية كانت تستند على استراتيجيا تقوم على مرحلتين كي تلبي مقتضيات الوضع القائم في فلسطين في العام ١٩٤٨ ، وان الخطة ” جيمل ” او الخطة “ج” كانت تستهدف “ مواصلة الضغط على عرب فلسطين في كل مكان ، من خلال اتخاذ ‘ تدابير مُضادة ‘ ، مع الإبقاء على اتصال مستمر بالمستعمرات اليهودية داخل الدولة العربية المقترحة ” .

أما المرحلة الثانية من الاستراتيجيا الصهيونية ، أي الخطة ” دالت ” فكانت تستهدف حسب المرجع الذي استند اليه الخالدي ، اي ” كرافوت ، ١٩٤٨” :” السيطرة على المنطقة التي منحتنا إياها الأمم المتحدة ، وكذلك على المناطق التي احتللناها والواقعة خارج خارج تلك الحدود ، ونشر قوات لصدّ غزو محتمل للجيوش العربية بعد ١٥ أيار / مايو “.

ويقول الخالدي ان التحول من الخطة ” ج” إلى الخطة “د” كان يعتمد إلى حد ما على سرعة الإنسحاب البريطاني وحجمه .

كما أن عاملا آخر قد أسهم في تسريع الإنتقال إلى الخطة ” د” وقد تمثل ذلك في قيام “وارن أوستن”- سفير الولايات المتحدة لدى الأُمم المتحدة ، بالإعلان أمام اعضاء مجلس الأمن في ١٩ آذار ١٩٤٨، عن أن الولايات المتحدة قد قَرَّرت الطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة تعليق العمل بقرار تقسيم فلسطين ، ووضع فلسطين تحت الوصاية الدولية لفترة إضافية يتم خلالها دفع الأطراف المتصارعة في فلسطين للتوصل إلى اتفاق وتسوية مرضية فيما بينهم.

ويصف الخالدي في مقاله ذلك بـ ” الإنقلاب في الموقف الاميركي من التقسيم ” ويقول انه ” مع حلول أواسط آذار / مارس كانت الحكومة الأمريكية ، في واقع الأمر ، ومهما تكن مشاعر الرئيس ترومان الشخصية ، قد قَلَبتْ ظهر المجنّ للتقسيم . ووصف الدكتور سيلفر من الوكالة اليهودية هذه السياسة الاميركية الجديدة بأنها ‘ إنقلاب مُرَوِّع ‘ ، بينما وصفها عضو الكونغرس الصهيوني ‘سلر’ بأنها ‘ إنحراف خسيس ماكر ‘ . أما التعليق الأعمق في مغزاه فلعله ذاك الذي جاء على لسان الدكتور إ. نويمان ، رئيس المنظمة الصهيونية الأمريكية ، والذي قال فيه: ‘ إذا تم إفراغ توصية الجمعية العامة للامم المتحدة من معناها ، فإن اليهود ، ومن دون أدنى شك ، سيعمدون إلى الإصرار على مطالبهم بالهجرة والاستيطان في جميع أرجاء فلسطين’ “.

وحول التحول في الموقف الأمريكي ، يقول دان كيرزمان في كتابه ”جِينَسِيسْ ١٩٤٨” ، أن الموقف الرسمي لممثلي الولايات المتحدة في الأُمم المتحدة في أواخر آذار ومطلع نيسان من العام ١٩٤٨، كان يتجه تحت تأثير التطورات التي كانت تحصل في فلسطين ومواقف بلدان الإقليم، وكذلك مجريات تطور الأوضاع فِي عدد من بلدان أوروبا خلال الشهور الأربعة الأولى بعد صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، إلى التخلي عن قرار التقسيم وإبداله بقرار آخر يضع فلسطين تحت الوصاية الدولية إلى حين يتم بلورة حلول أُخرى لمسألة فلسطين ، وكانت فلسطين خلال تلك الفترة قد شهدت مقاومة فلسطينية عنيدة للهجمات الصهيونية المسلحة ، كما ان البلدان العربية وجامعة الدول العربية قد أعربت علنا عن رفضها لقرار التقسيم ، وانها ستعمل على مقاومة وضعه موضع التطبيق ، وبادرت إلى تشكيل قوات من متطوعين عرب تحت مسمى ” جيش الإنقاذ” ، وعملت على إدخال وحدات منه إلى فلسطين خلال تلك الفترة .

وكي لا تطول هذه اليومية اكثر ، سأكتفي فيها بهذا القدر .

عبد الرحمن البيطار

عمان ١ شباط ٢٠٢٤