يومية السبت الموافق ٣ شباط ٢٠٢٤ ( ٦- يوميات ما بعد السابع من تشرين الاول / أُكتوبر ٢٠٢٣)
كما سبق وأن ذكرنا في يَومية امس الجمعة ٢ شباط ، فقد أصدر ” بن غوريون ” في الاول من نيسان ١٩٤٨ أوامره للقوات الصهيونية العاملة تحت إمرة “الوكالة اليهودية لفلسطين” بوضع الخطة ” دالت ” موضع التطبيق ، وقد بَدَأَتْ تلك القوات بتنفيذ الخطة دالت (د) وفق العمليات والترتيب التالي حسبما أورده وليد الخالدي في مقالته المنشورة في مجلة دراسات فلسطينية – العدد(٩٦) / خريف ٢٠١٣ تحت عنوان ” خطة دالت مجدداً ” :
• عملية نحْشون( Nachshon ): (١ نيسان / أبريل ) هدفها شق ممر يصل تل أبيب بالقدس ، وبهذا يتم شق الجزء الرئيسي من الدولة العربية ( التي قضى قرار التقسيم رقم ١٨١) بإنشائها إلى قسمين – ( لم تنجح )
• عملية هارئيل ( Harel ) : ( ١٥ نيسان / أبريل ) ، تكملة للعملية السابقة ، لكنها تركز على القرى العربية قرب اللطرون – ( لم تنجح )
• عملية مِسْبرايم : ( ٢١ نيسان/ أبريل ) هدفها احتلال مدينة حيف وطرد سكانها العرب ( الفلسطينيين ) – ( نجحت )
• عملية حَميتْس : (٢٧ نيسان/ أبريل ) هدفها تدمير القرى العربية حول يافا، وفصل يافا عن سائر أرجاء فلسطين تمهيدا لاحتلالها – ( نجحت ). [ تمكنت من احتلالها في ١٣ ايار ١٩٤٨]
• عملية يبوسي : ( ٢٧ نيسان / أبريل ) هدفها عزل القدس من خلال تدمير القرى العربية المحيطة بها والسيطرة على طريق رام الله – القدس شمالا، والقدس – أريحا شرقاً ، والقدس – بيت لحم جنوبا . وكان من شأن هذه العملية بمفردها أن تؤدي إلى سقوط القدس بالكامل، والى جعل جميع الجبهة العربية غرب الأردن وغير قابلة للصمود – ( لم تنجح ).
• عملية يفتاح : ( ٢٨ نيسان/ أبريل ) هدفها تطهير الجليل من العرب ( الفلسطينيين ) . ( نجحت )
• عملية مَتْأتي : ( ٣ أيار / مايو ) هدفها تدمير القرى العربية التي تربط طبرية بالجليل الشرقي – ( نجحت)
• عملية مكّابي : ( ٧ أيار / مايو ) هدفها تدمير القرى العربية قرب اللطرون والنفاذ من خلال حركة التفافية إلى داخل منطقة رام الله شمالي القدس ( لم تنجح )
• عملية جِدْعون : ( ١١ أيار / مايو ) هدفها احتلال بيسان وطرد المجتمعات البدوية شبه المستقرة في محيط المدينة – ( نجحت )
• عملية باراك : ( ١٢ أيار / مايو ) هدفها تدمير القرى العربية في محيط بُرير على طريق النقب – ( نجحت جزئياً )
• عملية بن عامي : ( ١٤ أيار / مايو ) هدفها احتلال عكا و( طرد ) الجليل الغربي من العرب ( الفلسطينيين ) – ( نجحت )
• عملية كِلْشون ( المذراة ) : ( ١٤ أيار / مايو ) هدفها احتلال الاحياء السكنية العربية في القدس الجديدة – ( نجحت )
• عملية شفيفون : ( ١٤ أيار / مايو ) هدفها احتلال القدس القديمة – ( لم تنجح )
ويُلاحظ ان جميع العمليات المشار اليها أعلاه قد تم شنها من قبل وحدات فصائل الإرهاب الصهيوني خلال الفترة الممتدة من ١ نيسان وحتى ١٤ ايار ١٩٤٨، اي قبل انسحاب قوات الانتداب البريطاني من فلسطين ، وقبل دخول وحدات من جيوش مصر والعراق وشرقي الأردن وسورية ولبنان إلى فلسطين والتي بدأ دخولها بعد الخامس عشر من ايار ١٩٤٨، وان بعضها قد استمرت فعالياته بعد ١٥ أيار ١٩٤٨ .
ويقول الخالدي ان ثماني من العمليات الثلاث عشرة المشار اليها أعلاه كان خارج المنطقة التي خصصها قرار التقسيم لاقامة الدولة اليهودية فيها ، وهذا يكشف الاهداف البعيدة الشاملة التي حاولت الوكالة اليهودية لفلسطين تحقيقها من خلال الخطة “دالت “.
ومن التصنيف الذي وضعه الخالدي لتلك العمليات ، فإنه يُلاحَظ بأن جميع العمليات المتعلقة بالقدس والقرى الفلسطينية قرب اللطرون ( نَحْشون ، هَرئيل، يبوسي ، مكّابي ، شفيفون ) لم تنجح باستثناء عملية كِلشون التي نجحت فيها القوات الصهيونية من احتلال الاحياء السكنية الفلسطينية ( العربية ) في القدس الجديدة، وكان ذلك بفعل المقاومة التي ابداها الفلسطينيون بالتعاون مع مقاتلي وحدات الجيش العربي التي كانت مرابطة في فلسطين في إطار قوات الانتداب البريطاني في فلسطين في ذلك الوقت .
لكن القوات الصهيونية ، في اطار هذه الخطة ، قد تمكنت من احتلال حيفا ويافا وعكا والناصرة وصفد ،وبيسان ، والاحياء العربية في القدس الجديدة وعشرات القرى في الجليل وحول المدن والبلدات التي احتلتها ، ونجحت في طرد الجزء الأكبر من الفلسطينيين من سكان تلك المدن والقرى .
كما نجحت القوات الصهيونية ايضاً في المحافظة على وجودها في حوالي ١٤٠ مستوطنة كانت قد اقامتها في فلسطين حتى العام ١٩٤٨ باستثناء مستوطنات غوش عتصيون الاربعة بالقرب من الخليل والتي نجحت فصائل الجهاد المقدس بالاشتراك مع مقاتلي وحدات من الجيش العربي المرابطة في المنطقة في احتلالها خلال الأسبوع الثاني من شهر ايار ١٩٤٨.
كما ويلاحظ ايضا انه وفي إطار عملية ” نَحْشون ” ، فقد قامت قوات الهاغاناه في يوم ٢ نيسان ١٩٤٨ بالهجوم على قرية القسطل الواقعة غربي القدس واحتلالها وطرد سكانها منها .
ومما يجدر ذكره ان عبد القادر الحسيني ، الذي عَهِدَت إليه ” اللجنة العربية لفلسطين ” في ٢٥ نيسان ١٩٣٦ – التي كانت قد تولت قيادة فعاليات الثورة على الوجود البريطاني في فلسطين ، ومقاومة مشروع اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ، والتي استمرت حتى العام ١٩٣٩ – تولّي مهام قيادة كتائب الجهاد المقدس الفلسطينية للتصدي لقوات الانتداب البريطاني في فلسطين وللوجود الصهيوني الذي ترعى تناميه فيها ، والذي كان قد أُصيب للمرة الثانية خلال فعاليات الثورة الفلسطينية الكبرى ( ١٩٣٦- ١٩٣٩) في معركة قرية الخضر ( قضاء بيت لحم ) ، واضطر لمغادرة فلسطين إلى دمشق لأجل العلاج ، وبقي خارجها نحو تسع سنوات ، قد عاد إلى فلسطين سِرّاً في ٢٢ كانون الاول / ديسمبر بعد نحو ثلاثة اسابيع من صدور قرار التقسيم ، وعمل ، من بلدة صُوريف – قضاء الخليل – مع عدد آخر القادة الفلسطينيين المناضلين في ٢٥ كانون الثاني على إعادة تشكيل سرايا كتائب الجهاد المقدس واستئناف النضال ضد مشروع تقسيم فلسطين ، وضد مشروع اقامة دولة يهودية على جزء منها بموجب احكام قرار التقسيم .
لكنه ، وبعد ان فشل في مطلع نيسان ١٩٤٨ من الحصول على السلاح لقواته في فلسطين من اللجنة العسكرية التي شكلتها جامعة الدول العربية التي كانت تعقد اجتماعاتها في دمشق ، وبعد ان وصلت إلى مسامعه وهو في دمشق أنباء سقوط قرية القسطل في ايدي القوات الصهيونية ( الهاغاناه ) التي اقتحمتها في يوم ٢ نيسان ١٩٤٨ في اطار عملية ” نحشون ” ، بغرض السيطره على طريق تل أبيب – القدس ، عاد إلى القدس من دمشق ، وقام بتنظيم عملية عسكرية لوحدات من سرايا الجهاد المقدس في ٨ نيسان ١٩٤٨ ، وقاد الهجوم على قرية القسطل بما توفر له من سلاح وذخيرة ، وبالرغم من النجاح المحدود الذي حققته قواته في اختراق خطوط الهاغاناه والدخول إلى القرية خلال المرحلة الاولى من الهجوم ، إلا ان المعركة قد انتهت بعد استشهاده فيها إلى اخفاق قواته في المحافظة على المناطق التي احتلتها منها ، وانتهت في يوم ٩ نيسان بتمكن الهاغاناه من إعادة السيطرة على القرية ، وإخراج سرايا الجهاد المقدس منها .
بعد اسبوع واحد فقط من احتلال قرية القسطل، قامت قوة مؤلفة من (١٢٠) فرداً من إرهابيي ” الإرغون ” بمشاركة إرهابيين من ” شتيرن ” وبمعرفة ” الهاغاناه ” وبإسناد وغطاء منها باقتحام قرية دير ياسين في الساعة الرابعة والنصف من صباح يوم الجمعة ٩ نيسان ١٩٤٨، وهذه القرية لا تبعد أكثر من ميل عن مدينة القدس ، وتقع على بعد ثلاثة كيلومترات من قرية القسطل .
وكما يقول ” ب. مايكل ” في كتابه ” الاسرار المذهلة للكارثة الفلسطينية ” ، فقد نفذ ارهابيوا ” الإرغون ” و ” شتيرن ” مذبحة بحق سكان القرية ، وقتلوا نحو (٢٥٠) فردا من سكانها من بينهم (٢٥) من النساء الحوامل ، ودمروا بيوتها وتمكنوا من إخماد مقاومة رجال القرية وكان عددهم يتراوح ما بين (١٠) و (١٢) مسلحا ببنادق قديمة .
وعلى الرغم من قيام الضابط الإنجليزي في قوات الانتداب البريطاني على فلسطين : ” غوردون ماكميلان ” بمهاتفة احد ضباط أركانه وهو الجنرال “هوراسيوس موراي” ، وهو يشغل موقع قائد المنطقة التي تقع فيها قرية دير ياسين ، وإخباره :
” كان هناك قتالا تطور إلى مذبحة في مكان اسمه ” دير ياسين ” وهو في منطقة فرقتك ، ولذلك ، أُعطيك أمراً محدداً : لا تتدخل هناك أبدا مهما كانت الظروف ، وأتركها وشأنها ..”
استذكر ، موراي فيما بعد قائلا : ” بالطبع ، نفذت ما طُلِبَ الي “.
فقد فسحت قوات الانتداب البريطاني المجال امام إرهابيوا فصائل الوكالة اليهودية في فلسطين لتنفيذ المذبحة ، وترويع سكان القرية ، وطردهم منها ، وارهاب الفلسطينيين من سكان القدس والقرى والبلدات الفلسطينية المجاورة .
وقد لخص “مناحيم بيچن” في مذكراته المنشورة تحت عنوان ( The Tevolt ) الذي نشره في العام ١٩٥١ الهدف من مذبحة دير ياسين بالقول ، أنه ، وبدون ما تم تنفيذه في دير ياسين ، فإنه كان من الممكن أنْ لا تكون هناك دولة إسمها إسرائيل، ويستطرد قائلا بأن قرار الفلسطينيين العرب من فلسطين بدأ يحصل بعد تنفيذ تلك العملية ، ويضيف بأنه فر فلسطينيون كثيرون منذئذ مذعورين مما حصل ، وكان الفارون وهم يهربون يصيحون ” دير ياسين ” .
ويقول ” ب. مايكل ” بأن ” مئير بائيل ” وهو أحد افراد ” الهاغاناه ، وشارك قوة اقتحام القرية ، قد ذكر بأن ” الارغون ” و ” شتيرن ” اُخذوا بعض رجال القرية ، وحملوهم في شاحنات ، وقادهم في موكب نصر كمرتكب. النصر الرومانية في احياء ” محنه يهودا ” و ” زاخرون يوسف ” في القدس . اما ” يهودا مأرينبورغ ” ، فقد استذكر ذلك المشهد باعتزاز ، وقال :
” لقد شجع ظهورنا السكان كثيرا ، واستقبلونا بالهتاف “.
ويضيف فيما بعد ويقول : ” لقد أعدمنا الاسرى “، وأن جنديا مع ” بائيل ” قام بالتقاط صور ، وان الصور لا تزال تحتفظ بها الحكومة الاسرائيلية سرا.
عمليات الخطة دالت ، والتي مهدت لها مذبحة دير ياسين وسقوط القسطل ، في ايدي القوات الصهيونية ، ونجاحها في احتلال ليس فقط المناطق من فلسطين التي خصصها قرار التقسيم لإقامة دولة يهودية فيها وانما أيضاً أجزاء أُخرى من المناطق المخصصة لاقامة الدولة الفلسطينية العربية ، واستشهاد القائد عبد القادر الحسيني ، وتنصل قوات الانتداب البريطاني في القيام بمسؤولياتها بموجب صك الانتداب تجاه الفلسطينيين وحمايتهم من بطش وارهاب القوات الصهيونية، وحملات التطهير العرقي التي نفذتها بحقهم ، وخذلان جامعة الدول العربية في مد قوات المقاومة الفلسطينية ( الجهاد المقدس) بالسلاح والذخيرة ، والأداء المرتبك لقوات جيش الإنقاذ الذي شكلته جامعة الدول العربية من المتطوعين العرب ، وتأخر التدخل العسكري للدول العربية المحيطة بفلسطين والتي كانت أغلبها ( مصر والعراق وشرق الأردن ) مقيدة بمعاهدات امنية وعسكرية مع دولة الانتداب على فلسطين (بريطانيا ) ، وتخلي منظمة الامم المتحدة عن القيام بمسؤولياتها ايضا تجاه الشعب الفلسطيني ،… كل تلك العوامل ، شكلت البيئة المؤاتية لنجاح الحركة الصهيونية في الرابع عشر من أيار ١٩٤٨ إلى تحقيق أهدافها في الإعلان عن قيام دولتها في فلسطين وفق احكام قرار التقسيم .
وللحديث بقية .
عبد الرحمن البيطار
عمان – ٣ شباط ٢٠٢٤