” ومضى عهد المجاملات “…
هو كتابٌ كتبه الدكتور حسين فخري الخالدي ،.. وهو كتابٌ مُهم لحيثية أنَّ كاتبه هو شاهدٌ ومُشارك ٌفي صناعة أحداث حَقْبة مِفْصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني أفضت إلى صدور القرار ١٨١ وهو القرار الذي صدر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧ ، وقضى بتقسيم فلسطين وإقامة ثلاثة كيانات فيها على النحو التالي :
- دولة يهودية على ٥٥٪ من مساحة فلسطين لسكانها من اليهود المقيمين فيها [وكان عددهم ، بتاريخ صدور القرار ، يصل إلى نحو ( ٤٩٥) الف نسمة] ولليهود المهاجرين اليها من مواطني بلدان العالم ، وكذلك لسكانها من الفلسطينيين العرب [ وكان عددهم ، بتاريخ صدور القرار ، يصل إلى نحو (٤٣٥) الف نسمة ] ، و
- دولة عربية فلسطينية على نحو ٤٤ ٪ من مساحة فلسطين لسكانها الفلسطينيين العرب [ وكان عددهم ، بتاريخ صدور القرار ، يصل إلى نحو (٨٥٠)ألف نسمة] ، وكذلك لسكانها من اليهود المقيمين فيها [وكان عددهم يصل إلى(١٢) ألف نسمة ] ،و
- كيان دولي في القدس ومحيطها على نحو ١٪ من مساحة فلسطين لسكانها الفلسطينيين العرب [ وكان عددهم ، بتاريخ صدور القرار، يصل إلى (١٠٥) الف نسمة] وكذلك لسكانها من اليهود [ وكان عددهم ، بتاريخ صدور القرار، يصل إلى نحو (١٠٠) الف نسمة ].
وأفضت تلك الحقبة كذلك إلى قيام كيان صهيوني إستعماري أجنبي على جزء من فلسطين ( إسرائيل ) ، والى إلحاق نكبة عُظمى بالشعب الفلسطيني تمثلت في تهجير نحو (٨٥٠) الف فلسطيني من ديارهم ، وتدمير ما يزيد عن (٥٠٠) حيّ وبلدة وقرية فلسطينية ، وإلى اختفاء فلسطين من خارطة المنطقة والعالم ،
وبالتالي ، فقد أدت أحداث تلك الحقبة إلى إخفاء الهوية الفلسطينية والى تغييب الفلسطينيين ، وهي عملية ( التغييب ) تَكَرَّسَتْ في العامين ١٩٤٨ و ١٩٤٩ من خلال أحداث مهمة عديدة ، منها الأحداث الثلاثة التالية :
الحدث الاول ، وتَمَثَّل في أنَّ الدول العربية التي أدخلتْ وِحدات من جيوشها إلى فلسطين في اليوم الذي أعلنت فيه بريطانيا انتهاء انتدابها على فلسطين ، والاستمرار في سحب قواتها منها ، اي ابتداء من يوم ١٥ أيار ١٩٤٨ – و هو اليوم التالي أيضا لقيام الوكالة اليهودية في فلسطين بإعلان قيام دولة إسرائيل ، كدولة يهودية وفق أحكام القرار رقم ١٨١ – ، أقول ، في أن الدول العربية ؛
لّمْ تنجح في مَنْع قيام وبقاء تلك الدولة ( إسرائيل ) في فلسطين ، وقد كانت تلك الدول دولاً مُؤَسِّسَة للأُمم المتحدة في العام ١٩٤٥ ، وهذه الدول هي: مصر والعراق وسوريا ولبنان والسعودية ( وشاركت الأردن -شرق الأردن – بوحدات من قواتها أيضاً ولَمْ تَكُنْ قد استحوذتْ بَعْد على العضوية في الأُمم المتحدة ). و
لم تنجح ايضا في اقامة الدولة العربية الفلسطينية في فلسطين وفق مقتضيات القرار المذكور ( قرار تقسيم فلسطين رقم ١٨١) والمشار اليها أعلاه ، كما
لم تنجح حتى في الحفاظ على الأراضي المخصصة لإقامة الدولة العربية الفسطينية والتي وقع نحو نصفها ( حوالي ٢٣٪ من أصل ٤٤٪ من مساحة فلسطين) في ايدي قوات الكيان الصهيوني الناشىء والذي تمكن من احتلالها وفي مَنْع دخول الوحدات العسكرية العربية إليها و طَرْدها من بعض المناطق التي نجحت في دخولها .
ومن الجدير بالذكر أن الدول العربية تلك كانت أيضاً أعضاءً مُؤَسِّسة لجامعة الدول العربية ، وأن عديد القوات التي أدخلتها إلى فلسطين ابتداء من ١٥ أيار ١٩٤٨ لم يكن يتعدى مجموعها عن (٢٥) ألفا جندي ، وذلك حسبما ورد في كتاب چلوب باشا ، ” جندي بين العرب ” الذي كان يقود الجيش العربي ( الأردني ) في ذلك الوقت ، ووُضِعَت تحت إمرته تلك الوحدات من الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في أيار ١٩٤٨ .
ومما يجدر ذكره أيضاً أن تلك الدول قد اضطرت في نهاية المطاف إلى التوقيع تباعاً على اتفاقيات ” هدنة دائمة ” مع دولة الكيان الصهيوني ( إسرائيل ) ، وقد بدأتها مصر في شباط ١٩٤٩ ، ثم لبنان في آذار ١٩٤٩ ، ثم الأردن في نيسان ١٩٤٩ ،ثم سورية في تموز ١٩٤٩ ، وذلك بعد ان نجحت تلك الدولة الناشئة ( إسرائيل ) في التوسع واحتلال (٧٨٪) من مساحة فلسطين ، اي في احتلال نحو نصف الاراضي المخصصة لاقامة الدولة الفلسطينية العربية واحتلال القدس الغربية وبما يتجاوز المساحة المخصصة لها في قرار التقسيم (٥٥٪) ، وهذه الاتفاقيات هي التي رأى مُوقِّعوها أن لا حاجة لأخذ رأي أو موافقة الفلسطينيين أو ممثليهم على أحكامها ، ولم تتطرق أحكامها للفلسطينيين ، ولا إلى حقوقهم ولا إلى قرار التقسيم ومقتضياته فيما يتعلق بإقامة الدولة العربية الفلسطينية في المناطق وضمن المساحة المخصصة لها في القرار ولا حتى إلى حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وفق أحكام القرار ١٩٤ ( الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ١١ كانون الاول ١٩٤٨ ) ، كما والتزمت فيه الدول الموقعة على تلك الاتفاقيات بحماية خطوط الهدنة وعدم السماح باختراقها ، وإلحاق العقاب لمن يحاول ذلك. و
الحدث الثاني ، لقد كان ممثلو الشعب الفلسطيني قد اجتمعوا في غزة في الثلث الأخير من شهر أيلول ١٩٤٨ ، وأعلنوا في ٣٠ أيلول ١٩٤٨ استقلال دولة فلسطين في حدودها الجغرافية الممتدة من البحر إلى النهر ، وتشكيل حكومة عموم فلسطين ، والتي اعترفت بها كل من مصر والسعودية ، ثم العراق وسوريه ولبنان واليمن ، ولم تعترف بها حكومة الأردن في ذلك الوقت والتي كانت قواتها تسيطر على ما تبقى من فلسطين ، اي المنطقة التي عُرِفَت فيما بعد بالضفة الغربية،
ويتمثل الحدث الثاني في فشل الدول العربية الستة الأعضاء في الأُمم المتحدة ، او السبعة أي الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية ( مصر ، السعودية ، اليمن ، العراق ، سورية ، لبنان والأردن ) والتي كانت بعضها قد اعترف بحكومة عموم فلسطين ، أقول في فشلها في انتزاع اعتراف دولي بهذه الحكومة ، و
في تنصلها من مسؤولية تنظيم و تسليح الشعب الفلسطيني وتمكين ممثله أي حكومة عموم فلسطين من قيادة وحشد جهود هذا الشعب لأجل مقاومة المحتل الصهيوني وتحرير أراضيه التي سيطرت عليها قوات ذلك الكيان ، أو حتى تلك الأراضي المخصصة له في قرار التقسيم لاقامة دولة فلسطينية عربية فيها واحتلتها قوات ذاك الكيان ، و
تنصلها كذلك من مسؤوليتها في تمكين حكومة عموم فلسطين اي ممثل الشعب الفلسطيني على العمل على تهيئة الظروف الكفيلة بتطبيق قرار الأمم المتحدة رقم ١٩٤ القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين واستعادة ممتلكاتهم ،
ومما يجدر ذكره في هذا الخصوص ان الدول العربية في ذلك الوقت قد عملت على تجريد حكومة عموم فلسطين من كل السلطات التي كانت تحتاج لها لأجل الاضطلاع بمسؤوايتها في تمثيل الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه ، حتى في المناطق التي كانت تحت سيطرة الجيش المصري في قطاع غزة ،وأن تلك الحكومة فقد انتهى بها الأمر مَنْفِيّة إلى خارج القطاع ( إلى القاهرة )خلال اشهر قليلة من إعلان تشكيلها ، وكانت قد مُنِعَت أصلاً من ممارسة أية سلطات في الضفة الغربية ، وقد ادى ذلك خلال أعوام قليلة إلى تصفية هذه الحكومة ، والى تجريد الشعب الفلسطيني من أي ممثل شرعي له ، وحتى من حق أن يطالب بتطبيق الشق الفلسطيني في قرار التقسيم رقم ١٨١ ، والقرار ١٩٤ القاضي بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم ..! و
الحدث الثالث، وقد تمثل في إخفاق الدول العربية في ذلك الوقت ( ١٩٤٨/ ١٩٤٩) أي الدول الأعضاء في الأُمم المتحدة وعددها سته ( اكتسبت الأردن عضوية الامم المتحدة في ١٤ كانون الاول من العام ١٩٥٥ فقط ) ، أو الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية وعددها سبعة ، في الحيلولة دون تمكين دولة الكيان من الاستحواذ على الاعتراف الدولي بها واكتساب عضوية الامم المتحدة ، ومما يجدر ذكره في هذا الخصوص ان دولة الكيان قد فشلت مرتين في تحقيق شروط العضوية في الامم المتحدة ، وكانت قد تقدمت إلى مجلس الامن في أيار ثم في كانون الاول من العام ١٩٤٨ بطلب قبول عضويتها في المنظمة الدولية لكن مجلس الامن رفض طلبيها على اعتبار ان أحد شروط العضوية ان تكون الدول المتقدمة ” دولة محبة للسلام ” ، وعليه ولكون دولة الكيان في العام ١٩٤٨ كانت في حالة حرب مع الفلسطينيين و الدول العربية المجاورة، فقد اعتبرها مجلس الامن في ذلك الوقت غير مستوفيه لشروط العضوية .
وقد تحقق لها ادعائها باستيفائها شروط العضوية على انها دولة محبة للسلام وذلك بعد ان نجحت في توقيع اتفاقيات هدنة دائمة مع اكبر دولة عربية (وهي مصر) في ٢٤ شباط ١٩٤٩ ، تلتها كل من لبنان والأردن في آذار ونيسان ١٩٤٩ ، وقد قَبِلَ مجلس الامن في جلسته المنعقدة في مطلع آذار من العام ١٩٤٩ قبول طلب دولة الكيان ، وأحالها الى الجمعية العامة للأُمم المتحدة والتي عقدت ما بين ٢٠ نيسان و ١١ أيار من العام ١٩٤٩ جلسات متواصلة ، طال فيها النقاش واشتد ، وانتهى بتصويت الجمعية العامة على قبول الطلب الاسرائيلي، واصدرت قرارها رقم ٢٧٣ في ١١ ايار ١٩٤٩ بقبول عضوية دولة الكيان في الامم المتحدة ، وتضمن القرار قبول دولة الكيان الالتزام بتنفيذ القرارين ١٨١ و ١٨٤ المذكورين آنفا ، وبالتالي اصبحت إسرائيل الدولة العضو في الامم المتحدة رقم (٥٩)، وقد اعترفت الدول بعد ذلك بدولة الكيان بالاستناد إلى التزام إسرائيل بقرار الجمعية العام للامم المتحدة رقم ٢٧٣ .
ولما كان قبول دولة الكيان عضوا في الامم المتحدة قد حظي بموافقة (٣٦) دولة من اصل (٥٨) دولة وهي الدول الأعضاء في الامم المتحدة في ذلك الوقت ، تكون الدول العربية قد أخفقت مرة أخرى في منع دولة الكيان من اكتساب عضوية الامم المتحدة ، ويمثل ذلك حدثا مهما أدى إلى تكريس نكبة الفلسطينيين ، وتكريس تغييبهم من مسرح العمل الدبلوماسي الدولي ، و إخفاء فلسطين من خارطة الشرق الأوسط والعالم طيلة الفترة الممتدة حتى العام ١٩٦٤ ، عندما قرر مؤتمر القمة العربي الاول تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية والاعتراف بها ممثلا للفلسطينيين .
كان لا بد من هذه المقدمة قبل الحديث عن الدكتور حسين فخري الخالدي ، وعن ما ورد في كتابه عن إدارة الأمم المتحدة للغوث وإعادة التأهيل ( United Nations Refugees & Rehabilitation ) المعروفة بـ UNRRA ، وهذا سيكون موضوع يومية أخرى .
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٢٠ آب ٢٠٢٤