الجزء الاول :
كان الچرسون المكسيكي فظاً على نحو غير مألوف ،.. ! كُنّا نحاول أن نجد مطعماً نتناول فيه طعامٌ عشاء شَهِي،..
لجئنا إلى كارينا ،… أخبرناها أن مطعم Bay Jog التايلاندي القريب من الفندق لا يعمل هذه الأيام من آب لأن موظفيه في إجازتهم السنوية ،.. وهذا المطعم هو من مطاعمنا المفضلة ، وهو اول مطعم وطأت اليه أقدامنا عند وصولنا هايدلبيرغ اول مرّة في أواخر تشرين اول من العام ٢٠١٧،… وبقينا منذ ذلك الوقت نرتاده بانتظام ، فالطعام الذي يُقدمه لا يُبارى ..!
أعطتنا كارينا إسم مطعم تايلاندي آخر ،… لكنها قالت انه لا يقارن بـ Bay Jog ،… قرّرنا أن نُجرّبه ..!
كانت عقارب الساعة تقترب من التاسعة مساء ( يوم الثلاثاء ) ..عندما طلبنا من التاكسي أن يأخذنا إلى المطعم على العنوان الذي أعطتنا إياه كارينا ..!
قالت مُنى ،… أُحِبُّ هذه الـ “كارينا” ،…
كانتا مندمجتين في حديث عن فلسطين ،.. وكانت كارينا تردد لها شعار :
( From the River to the Sea … Palestine shall be Free)…!
وقالت لها عن علاقة البطيخة بفلسطين واتخاذها شعارا يحمل إشارات العلم الفلسطيني ، والأرض الفلسطينية المِعْطاءة،… وتفاجئت مُنى من معرفتها بهذه التفاصيل ، قالت لها كارينا أن أُمها كانت تخبرها عن ذلك فعندما التقت بها مُؤخرا ..!
قلتُ في نفسي ،… لله دَرّكِ يا غزّة…! ماذا فعلت بالناس …! هذا كله من تأثيرات غزّة على العالم ،.. وعلى الناس في هذا العالم ..!
لم يتمكن سائق التاكسي التركي ان يجد مكان المطعم المطلوب ، وأوقف عداد السيارة حتى لا يحسب اكثر ..! لَقِيَ هذا تقديراً منا أنا ومنى ،..!
كانت المنطقة التي كان يحاول فيها ايجاد مكان المطعم مألوفة على نحو ما الينا …!
قلت لمنى : أتدرين …هو يبحث عن مطعم تايلاندي كُنّا قد جرّبناه قبل أعوام سابقا ولم يُعجبنا أبدا …! أيّدتني مُنى ،… وقالت ؛
لا ،… لن نضيع وقتنا في مثل هذا المطعم ،… !
وطلبت من السائق ان يتجه إلى منطقة ” الكنيسة القديمة ” وساحتها الجميلة والطرق العتيقة حولها المليئة بالمطاعم …! وهذا ما فعله السائق ..!
أعاد وضع العداد إلى وضعية العمل من جديد ، واتجهنا إلى هناك ..!
لنعد إلى قصتنا مع الچرسون الماكسيكي ذو الوجه المربع الأسمر ، والشعر الغزير ، الطويل والمُجَدّل ..!
في ذلك الشارع الضيق العتيق والمُبلّط بقِطَع من البلاط الحجري القديم …قلت لها : يبدو أنَّ هذا المطعم جيد ،… فجميع طاولاته خارج المطعم وداخله تبدو مشغولة بالرّواد …!
وافقتني الرأي ، ودخلتْ إلى المطعم ، تريد ان تتحدث مع الچرسون المسؤول ،… وصادفها هذا الچرسون المكسيكي والذي تبين أنه رئيس الچراسنة ..!
اقتربتْ من الچرسون تحاول ان تتحدث معه ، .. كان مشغولا ،.. واخيراً تمكنت من التحدث اليه ،… كانت تحاول ان تقول له أن يحاول إعطاءنا طاولة داخل المطعم على ان ينقلنا إلى واحدة من الطاولات المصفوفة على امتداد المطعم خارجه ..!
تَعامل معها بجفاء ، وبدون اهتمام ..!
وبينما كانت تتكلم معه ،. اقتربَ مِنّا رجل كبيرمُمتلىء الجسم ، وكان قد استمع إلى حديثنا مع الچرسون ، واستاء من موقفه لكونه كان جافا معنا ، وقال لنا :
أنا وزوجتي قد انهينا تناول طعام العشاء ويمكنكم أخذ طاولتنا على الشارع ،.. !
استفزَّ ذلك الچرسون ، وقال له :
لا ،.. هناك من حَجزَ الطاولة التي تجلسون عليها قبل هؤلاء ، وأَشّر علينا ،..!
لم يكن هناك من ينتظردوره ،..
ازداد استياءنا منه وخرجنا ولحق بنا الرجل ،.. ونادانا إلى طاولته وقال لنا يمكنكم ان تأخذوها .،!
وفجأة حَضَر الچرسون الجفص ،.. بوجههه المتجهم ،..! وحاول ان يمنع حصول ذلك ، الا ان الرجل ، صاحب الطاولة قال له :
هذان ضيفان لنا على الطاولة ، وأمره ان يحضر كأسين من الإنبيت الاحمر لي ولمنى على أنّا ضيوفه ،… وجلس على مقعده على الطاولة هو وزوجته الطيبة ، وطلب منا الجلوس …ايضا. ثم عاد ونَهَرَ الچرسون، الذي وقف مشدوها لا يعرف كيف يتصرف ..! وعاد وكرّر طلبه !
قَدّرت للرجل موقفه كثيرا ..! وقلت لنفسي ، هذا رجلٌ من طينة الإنسان ..هو يمثل الإنسانية ..! والشهامة والرجولة ..! وخلال فترة الانتظار ، تعرفنا اكثر على الرجل وزوجته ،.. ! تحدثنا معا ،.. الرجل وزوجته من لوكيىسمبورغ ، ويتكلمون اللغة اللوكسمبرغِيّه ..!
قال لنا : أنا بول ، وزوجتي ماري ..!
قالت له منى : وأنا منى وزوجي أبدول Abdul ..!
حاولتُ أن اعرف منه أصل هذه اللغة ،.. هل هي أقرب إلى الفرنسية او الالمانية او الإيطالية … او …إلى ماذا ؟ إلا انه قال :
لا..!، لغة أهل لوكسمبورغ هي لغة لوكسمبورغِيّة بحته ولا تشبه اي من هذه اللغات ..!
سأل مُنى إنْ كانت تعرف الفرنسية ،.. قالت له : شيئاً خفيفا منها ،… ثم تحدثتْ معه ومع زوجته حديثاً بمزيج من الإنجليزية والفرنسية ،… !
وتحدثّا كذلك عن فلسطين وعن غزّة ،.. وذلك عندما قدمنا انفسنا كفلسطينين ،…! عَبَّر الرجل وزوجته عن استياءهما مما يحصل في غزة وفي الضفة ..! ، وقال ، كيف لضحايا الهولوكوست ان يفعلوا ما يفعلونه الآن في غزّة ..! ، لكنه كان مُستاء من تدخل إيران ،… !
وهُنا اشتبكتْ معه مُنى ،… وقالت له :
إيران تدعم الفلسطينيين، ضحايا الإرهاب الإسرائيلي والدعم الغربي لهذه الدولة الإرهابية .. ،
وأردفت تقول :
ألا تلاحظ أنّ الولايات المتحدة وكل دول أوروبا تدعم الاسرائيليين بالمال ، ودبلوماسيا في الامم المتحدة وامام المحاكم الدولية، وكذلك بكل أنواع السلاح ..مُستنكرة ذلك ،… وأضافت:
نحن لا احد يدعمنا ، حتى الأنظمة العربية حول فلسطين لا تدعم الفلسطينيين وتلتزم باوامر الولايات المتحدة ،.. لا يدعمنا نحن الا الإيرانيين ..! ونحن نتقبل دعمهم ونشكرهم على ذلك ..!على الاقل ، هم يقفون إلى جانب الحق …! ولو كان الشيطان يدعمنا لتحالفنا معه في سبيل قضية الحق ،..!
المهم بقيت منى تتحدث معهما ،.. وقد اثارت اهتمامهم …واخيراً تبادلنا معهم العناوين وأرقام الهاتف ،.. وتركونا مع كأسي الإنبيت،.. والطاولة ، والچرسون المُنصاع .،!
عاد الچرسون الينا وقد لانَ موقفه على نحو واضح : طلبنا منه نوعين من “الفلام كوخن” ..! تلك البيتزا الرقيقة جدا ،… قال لنا هناك نوعين من الفلام كوخن يمتاز بهما محلنا …! طلبناهما وكانا مع مذاق الإنبيت الأحمر اللذيذ شهيين جدا ..!
قبل ان نغادر الطاولة ، نادت منى على الچرسون ، سألته عن إسمه ، قال لها : سِيزَر ( اي قيصر ) ، خاطبت نفسها وقالت : لا غرابه ..!
بعد ان أنّبَته من جديد على موقفه الغير عادي ،.. صارَحته بشعورها ومشاعرها تجاهه …! وسُرعان ما اعتذر ،… ! وبحرارة ..!
صافحته منى ..وانتهى الأمر على هذا النحو ..!
كان ذلك ليلة امس ، الثلاثاء
أُكمل هذه اليومية ، وأنا جالس في صالة الطعام في الفندق نتناول طعام فطور ..!
أنا على بعد ثلاث ساعات ونصف من الاجراء الطبي الذي سأخضع له بعد ظُهر هذا اليوم …!
بعد ساعات ثلاثة او اكثر … سيستقبل دمي عشرين مليون وحدة من خلايا الليمفوسايتس التي تبرعت بها لي اختي الحبيبة سائِدة قبل نحو عام ..! وستكون كالعادة منى إلى جانبي تدعمني ،… ! مع انه لا يسمح لأحد أن يكون مرافقا لي في قاعة حقني بهذه الخلايا ..!
ما أروعك يا أختي ..! وما أروعك يا منى ..!
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٢٠ آب ٢٠٢٤