الجزءالثاتي
تركتُ الغُرفة قبل قليل ، واسْتَلَلتُ كتاب ” ومضى عهد المُجاملات ” في يدي ، ونزلتُ به إلى صالة الإستقبال في ماريوت هايدلبيرغ ،..!
حَيَّتْني الصّبية ذات الإبتسامة المثيرة على الكاونتر بحرارة ،… فنحنُ في الفندق ، وبعد نحو سبع سنوات من التعامل معه ، أصبحنا أكثر من مجرد ضيوف عليه ..!
أخذتُ مقعداً في نهاية الصّالة ، وقررتُ ان أبدأ الكتابة ،..
قلتُ لنفسي ،.. معي الآن من الوقت نحو (٤٥) دقيقة قبل أن نترك الفندق ونتجه إلى مستشفى جامعة هايدلبيرغ لأجل تنفيذ إجراء الـ Doner’s Lymphocytes Infusion ومُختصره = (DLI) ..!
قرأتُ عن هذا الإجراء في الچوچل ، وَإِذْ به اكثر بكثير من مجرد حقن الليمفوسايتس بالوريد ..! هو أقرب إلى زراعة ) Transplant ) منه إلى عملية ” حقن ” ..!
يَبدو أن الدكتور حسين الخالدي كتب مُجّلده المشار اليه أعلاه بالاستناد على ما دَوَّنَه من ملاحظات أو بيانات في يومياته التي سجّلها في دفاتره التي كانت رفيقة له في رحلته السياسية، فنجد في الدفتر الرابع ، وهو أحد الدفاتر الثلاثة التي استند عليها في إصدار المجلد الثاني من كتابه أعلاه انه كتب بالاستناد إلى ما ورد فيه عن مواضيع مهمة حول ” بيوع الأراضي لليهود ” وعن ” مشروع إنقاذ الاراضي العربية في فلسطين ” وعن ” فلسطين عام ١٩٤٦” وعن “عودة المفتي الاكبر للشرق الاوسط ” بعد الحاق الهزيمة بألمانيا في الحرب العالمية الثانية ، وعن ” أعمال الهيئة العربية العليا الجديدة ” وهي التسميات التي كانت تُطلقها الاحزاب الفلسطينية على القيادات الجماعية التي كانت تشكلها لقيادة المجتمع الفلسطين وعملية النضال الوطني ،… ويلاحظ هنا عدم تسميتها ” بالهيئة الفلسطينية العليا” وانما بـ ” بالهيئة العربية العليا ” وفي العام ١٩٣٦ ، أسموا القيادة التي شكلتها الاحزاب الفلسطينية بـ ” اللجنة العربية العليا لفلسطين ” ..! وليس بـ ” اللجنة الفلسطينية العليا …” ، أي أن التركيز كان يَنْصَبَّ على العروبة ، اي على الهوية القومية وليس على الهوية القطرية ، و أخيراً عن ” نتائج مؤتمر لندن عام ١٩٤٧” ، وغيرها من المواضيع ، أما الدفتر السادس ، فقد تناول فيه مواضيع مثل ، ” لجنة أنسكوب الدولية ” وقد تشكلت عضويتها من أحد عشر عضوا كلا منهم يمثل بلدا عضوا في الامم المتحدة ، احدهما إبقاء فلسطين موحدة مع اعطاء الحكم الذاتي للمكون اليهودي في المجتمع الفلسطيني ، اما الثاني ، فكان يقوم على تقسيم البلاد ، وقد فاز هذا المقترح بأغلبية اعضاء اللجنة ، وبالتالي تم رفع اقتراح تقسيم فلسطين إلى مجلس الامن والذي أحاله للجمعية العامة للامم المتحدة للتصويت عليه كحل للمشكلة فيما بين العرب الفلسطينيين واليهود المهاجرين المقيمين في فلسطين ، وتناول الدفتر ايضا ” القوى اليهودية والقوى العربية في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧” أي في تاريخ إصدار الجمعية العامة للامم المتحدة القرار ١٨١ ( قرار تقسيم فلسطين ) ، و ” جيش الإنقاذ “و ” مظاهر القتال في إلأشهر الخمسة الاولى” بعد صدور قرار التقسيم ، و ” بوادر الاختلاف على القيادة العامة في فلسطين ” و ” تسليح الهيئات الوطنية لعرب فلسطين ” وغيرها من المواضيع ، كما تناول الدفتر السادس ” “جيش الإنقاذ و معركة مشمار هائيمك ” و ” معركة المواصلات بين القدس والساحل ” و ” استشهاد قائد الجهاد المقدس ” أي القائد عبد القادر الحسيني ، و ” دير ياسين ومذبحة الأبرياء” و عن عمليتي ” إخلاء طبريا ” و ” إخلاء مدينة يافا ” و ” النهاية المُحْزنة ” و ” دخول الجيوش العربية إلى فلسطين “و ” الهدنة الاولى وما عمله و ربحه اليهود ” [ ويُذكر هنا أن ميلادي قد صادف أن كان في ليلة الهدنة الاولى في فلسطين في ١١ حزيران ١٩٤٨ ، وقد تمَّتْ الولادة على يد قابلة إنچليزية كانت تعمل في مستشفى الطاهر إسمها ” نينا ” في عمارة القمحاوي المُطلة على الملعب البلدي في نابلس ، وأنه وفي ذات الليلة ، وُلِدَتْ للدكتور القمحاوي ابنة اسموها ” سلام ” ، وقد أُسميت بهذا الاسم تيمناً بأن تحمل الهدنة الاولى السلام للبلاد…أورد هذه التفاصيل لمجرد التذكار فحسب ] و تناول اخيراً ” ما فعله اليهود بعد إعلان دولتهم ” وغيرها من المواضيع …
في الصفحة رقم (٤٩) وفي الفقرة المعنونة ” اللجنة الأنچلو – أمريكية عام ١٩٤٦ ” ، كتب الدكتور حسين يقول :
“تنتهي الحرب العالمية الثانية ، وفي معسكرات اللاجئين في المناطق التي احتلتها الجيوش البريطانية والامريكية مئات الألوف من اليهود المشردين الذين تسربوا إلى هذه المناطق من بلدان أُوروبا الوسطى والشرقية . ”
ويقول
” ويذوب وجدان التمدن العالمي الغربي أسى وحسرة على حالة هؤلاء اللاجئين التعساء وما لاقوه من تقتيل وتعديلات الحكم النازي المتوحش ”
“وتقرر الدول الحليفة وهيئة الامم إنشاء مصلحة كبيرة عالمية للإهتمام براحة هؤلاء اللاجئين والصّرف عليهم والترفيه عنهم وإيجاد المأوى لهم الى ان يتم نقلهم الى جهات وبلاد أخرى تقبلهم “
” وتُعْرَف هذه المصلحة بمؤسسة “الأُونْرا ” ( UNRRA ) – وقد تأسست عام ١٩٤٣ ، وأصبحت جزءاً من الأُمم المتحدة عام ١٩٤٥ – وتكتتب الدول الحليفة لهذه المؤسسة بمئات الملايين من الدولارات ( ومن ضمن هذه الدول الحكومات العربية الست المشتركة في عضوية هيئة الأُمم المتحدة والموقعة لميثاقها في سان فرانسيسكو )”
***************
قبل ان اترك الفندق ،.. اتصلت فرح .. قالت اريد أن أراك .. واتمنى لك احلى الأمنيات ..! وابتسمت ابتسامة لا ابتسامات احلى منها .،!
منحتني ابتسامتها طاقة كنت بحاجةٍ لها .،!
وَصَلنا المستشفى في الواحدة والربع بعد الظهر ،.. توجهنا إلى القسم الذي سيتم فيه تنفيذ الاجراء …، ذهبتُ ومُنى إلى شُبّاك الإستعلامات ،..
اخبرت السكرتيرة عن إسمي ،.. دّقّقَتْ في الكشف الموضوع على طاولتها …. ثم رفعت رأسها ونظرت الي وقالت نعم ،… لديك هذا اليوم إجراء طِبّياً لدينا ،… وذهبت إلى خزانة الملفات ، أخرجت مَلفاً ،.. وطلبت منّي الإنتظار قليلا على أحد المقاعد في قاعة الانتظار أمامها ،.. وقالت : سأذهب إلى الطبيب المسؤول ، وسيعودون اليك ..!
بعد دقائق ، جاء مُمرِّض، ونادى على اسمي ،… ، كان يُمسك بأوراق طَلبَ مِنّي التوقيع عليها … وهذا ما فعلت ..!
ثُمَّ قادني إلى صالة طبية ،… وهناك سَلَّمني الى طبيب اسمر ذو بشرة ناعمة قادني إلى احد الكراسي الطبية في الصالة ،.. وزرع في يدي اليسرى “كانيولا” ،.. تم ذلك بمهارة ..!
سألته عن إسمه ، قال لي ناديلون … قلت له : لا تبدو ألمانياً ،.. قال لي : أنا من بلغاريا ،.. وسألني عن بلدي : قلت له فلسطين …قال بأسى ، لكن بحرارة : آه ،.. فلسطين ..! ، ثم هَمَسَ في أذني : نحن من ذوي الدم الحار …! ، سألته عن معنى إسمه بالبلغارية : قال لي : Sunday Boy
بعد ذلك بقليل ، جائتني مُمرضة إسمها ألكساندر ،.. ذَهَبَتْ بي إلى قاعة أخرى ،.. أجلستني على الكرسي الطبي رقم (١) … كان في القاعة خمسة مرضى آخرون يتلقون إجراء طبيا ما ..!
قاسَتْ الضغط ، وأوكسجين الدم ،… تَأكَدَتْ أنْ لا حرارة لدي ، وكذلك لا إمساك او إسهال ،.. وسألتني عن وضعي الصحي بشكل عام ، قلت لها : أنا وضع صحي جيد ، ومُستعد للإجراء ،..! ولا شيء لَدَيَّ يَحولُ دون ذلك ،… ابتَسَمَتْ ،.. ثمَّ جائتني بفنجان صغير فيه سائل داكن اللون ،..وطَلبَتْ مِني أن أشربه ،.. ثم شبكت الكانيولا بعبوة فيها سائل آخر ،… كما ألصقت على صدري لصقات إستشعار ..! وقالت : دعنا ننتظر قليلا حتى ننتهي من هذه المرحلة ..!
كانت منى قد سَلَّمَتني للأطباء والممرضين ،.. وتركتني بين أيديهم ، وقالت لي قبل ان تذهب إلى الساحة الكبيرة خارج المستشفى للإستمتاع بتدخين سيجارة وأكثر : رعاك الله ..!
ثم بَدَأتْ عملية تنفيذ الإجراء،.. بتعليق عِدّة عبوات على أذرع الحامل (Stand) القريب مِنّي ، أحدها فيه سائل بلون عِنّابي فاتح ..وهو الذي يحمل خلايا الليمفوسايتس !
أحاطَ بي طبيبين ومُمرضتين بلباسهم الطبي الأزرق الداكن ..! بقوا حولي طيلة الوقت ، اما ألكساندرا فكانت تسألني بين آونة وأُخرى عن حالتي وما أشعر به ،.. وإن كان كل شيء يسير على مايرام ،.. في حين عملت أجهزة القياس المَشْبوكة بجِسْمي تُسَجِّل كل شيء عن أحوالي ..!
استمر هذا الوضع حوالي الساعة ،..ثم امضيتُ ساعةً أُخرى أتلقى سوائل لا أعرف ما بها ..!
واخيراً، وبعد مرور ساعتين ، جائتني الكساندر وقالت لي : كل شيء مر بسلام ،.. لقد تلقيت عشرين مليون وحدة من خلايا الليمفوسايتس .،! لقد تَحَمَّلتَ ذلك بشجاعة ..!
تَركتُ بعد ذلك القاعة ، وذهبتُ أبحثُ عن مُنى ،.. كنت أشعرُ بجوع ،.. قلتُ لمُنى : لنذهب إلى مطعم RED الذي يقدم وجبات نباتية ..!
في هذا المطعم ، “مِنٌيو” مفتوح ؛ تَضَع في صَحْنِك ما تشاء من أنواع الطعام النباتية المَعروضة ،.. وهُناك تَفَنُّن في الطبخ وطريقة العرض والتنويع ..! بعد ذلك ، تَتَجه بصحنك المُتخم بالأطعمة إلى الصندوق ،.. تضع الصحن على الميزان ، تَتِم مُحاسبتك على ما تقوم باختياره من أطعمة على أساس الوزن الاجمالي وليس على نوع ما طَلَبت..!
تناولنا الطعام داخل المطعم ،.. تفادياً لذلك القدر القليل من البرودة الذي يحمله الطقس خارج المكان ..!، فقد كنت ، بعد الاجراء حساسا للبرد ..!
خرجنا نَتَمَشْوَر..! أمضينا بعض الوقت في شارع الممشى “هوب شتراسه” قبل العودة إلى الفندق ..! والذي قادتنا إليه هذه المرة ” فرح الزمان ” سائقة التاكسي البدينة الطيبة التي عرفناها مرارا ، وكثيرا ما كان يتصادف ان نعود في التاكسي الذي تقوده الى الفندق ، و” فرح الزمان ” هذه سَيِّدة من ايران ..!
عندما وصلتُ الفندق ،.. شَعرتُ بالإرهاق …! تمددتُ على على السرير ،.. كنتُ مُرْتخياً تماماً ..، قاومتُ النوم ..كان جسمي يتحسس من برودة الغرفة ..! التحفتُ بغطاء السرير ،.. وبقيتُ على هذا النحو حتى الثامنة مساء ..!
تلك هي اخباري لهذا اليوم ..!
سأراقبُ وضعي ، في هذه الليلة ويوم غد ،.. راجياً ان تسير الأمور بسلاسة وتبقى كذلك ..!
اما الحديث عن الدكتور الخالدي وعن الـ ” UNRRA ” فسنكون على موعد مع ذلك في اليومية القادمة ..! ؟
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٢١ آب ٢٠٢٤