في اليوميات القليلة السابقة ، تحدثنا عن كتاب الدكتور حسين الخالدي ؛ ” ومضى عهد المجاملات “،..الذي كتبه في بيروت في العام ١٩٤٩،..
وما دمنا نتحدث عن كتاب الدكتور الخالدي فإنَّ السُؤال الذي يتبادر للذهن هو :
من هو الدكتور حسين الخالدي الذي تتناوله هذه اليوميات ؟
الدكتور الخالدي هو سياسي مخضرم ، مارس العمل السياسي في فلسطين عندما رَشّح نفسه في العام ١٩٣٤ لانتخابات رئاسة بلدية القدس على رأس قائمة وطنية ضد راغب النشاشيبي ، وهو الشخصية الفلسطينية التي حظيت بدعم سلطة الانتداب البريطاني على فلسطين وترأست بلدية القدس طيلة الفترة الممتدة من عام ١٩٢٠ وحتى عام ١٩٣٤ ، وقد تمكن الخالدي بعد معركة حامية الوطيس من الإنتصار عليه والفوز برئاسة بلدية القدس.
شارك الخالدي في الثورة الفلسطينية الكبرى التي نشبت في العام ١٩٣٦ ، وكانت احدى اهم ثورتين كبيرتين ضد الاحتلال البريطاني في النصف الاول من القرن العشرين بعد ثورة الهنود بقيادة المهاتما غاندي ضد الاحتلال البريطاني للهند ، ومن الجدير ذكره ان بريطانيا كانت في ذلك الوقت هي زعيمة العالم الغربي بعد الانتصار الذي حققته القوى المتحالفة بقيادتها في الحرب العالمية الاولى .
اقتدى الفلسطينيون في مستهل ثورتهم بأُسلوب ” المقاومة السلبية ” ( الإضراب ) الذي كان قد اتّبعه الهنود في ثورتهم ضد البريطانيين بقيادة غاندي ، والذي اطلقوا فيه العنان لأطول إضراب عرفته الشعوب في القرن العشرين ، والذي امتد ما بين اواخر نيسان و ١٢ تشرين أول من العام ١٩٣٦ ، وذلك قبل الإعلان عن فَضِّه بذلك التاريخ إثر تدخل الملوك والرؤساء العرب لدى القيادة الفلسطينية ( اللجنة العربية العليا لفلسطين ) بناء على وعود بريطانيه لهم بمعالجة أسباب الإضراب وإجراء تغييرات على السياسة البريطانية تجاه الفلسطينيين وفلسطين .
شارك الخالدي في أول قيادة جماعية للشعب العربي الفلسطيني تشكلت منذ فتح القدس في تشرين الثاني من عام ٦٣٦ — من قبل الحملة العسكرية العربية التي انطلقت من الجزيرة العربية عبر الأردن بقيادة القائد أبو عبيدة الجراح ، وكانت في حينها بيد البيزنطيين الروم ، وحاصرها لمدة ستة اشهر قبل ان تعلن الاستسلام بشرط وضعه بطريرك القدس ” صفرونيوس ” بأن لا يتم تسليم مفاتيح المدينة إلا إلى الخليفة عمر بن الخطاب ، وبالفعل حضر الخليفة إلى المدينة في نيسان ٦٣٧ ، وتسلم مفاتيح المدينة وبقيت منذ ذلك الوقت مدينة عربية لسكانها من المسيحيين والمسلمين — وهذه القيادة السياسية الجماعية تشكلت لأول مرة في نيسان ١٩٣٦ من قبل ممثلي الأحزاب الفلسطينية المُشَكَّلة في ذلك الوقت ، وهم:
١-الحاج أمين الحسيني ؛ مفتي القدس و رئيس المجلس الإسلامي الأعلى
٢-راغب النشاشيبي ؛ مؤسس ورئيس حزب الدفاع الوطني
٣-جمال الحسيني ؛ رئيس الحزب العربي الفلسطيني
٤-يعقوب الغصين ؛ عضو وممثل عن حزب مؤتمر الشباب العربي ، وعضو المجلس الإسلامي الأعلى
٥-عبد اللطيف صلاح ؛ مؤسس الكتلة الوطنية الفلسطينية
٦-حسين الخالدي ؛ رئيس بلدية القدس ، ومؤسس وممثل حزب الإصلاح العربي .
٧-عوني عبد الهادي ؛ زعيم حزب الاستقلال الفلسطيني
٨-احمد حلمي باشا؛ رئيس بنك الامة العربية ، وعضو حزب الاستقلال العربي.
٩- الفريد روك ؛ عضو ونائب رئيس الحزب العربي الفلسطيني .
١٠- فؤاد سابا – سكرتير اللجنة العربية العليا
ويُذكر في هذا الخصوص أنَّ راغب النشاشيبي قام بتشكيل حزب الدفاع الوطني بعد فشله في انتخابات رئاسة بلدية القدس ، وهذا الأمر بالذات هو الذي دفع الدكتور حسين الخالدي لتشكيل حزب الإصلاح الوطني ، والذي كان يُعرَف فيذلك الوقت على أنه حزب النُّخْبة ..
القيادة أعلاه هي اول قيادة سياسية جماعية للشعب العربي الفلسطيني منذ تاريخ الفتح العربي الإسلامي للقدس في نيسان ١٩٣٦.
وهذه اللجنة هي التي تولت قيادة النضال الوطني الفلسطيني إبّان ثورته الكبرى على الاحتلال البريطاني وعلى سياساته التي فتحت فلسطين أمام هِجرة اليهود من مواطني بلدان العالم اليها لغاية تهيئة فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود فيها …! ، وقد قررت سلطات الانتداب البريطاني حل اللجنة العربية العليا في العام ١٩٣٧ ، والقت القبض على عدد من القيادات الفلسطينية منهم ، الدكتور حسين الخالدي واحمد حلمي عبد الباقي ، وفؤاد سابا ، ويعقوب الغصين ، ورشيد الحاج إبراهيم ، وقامت بنفيهم إلى جزيرة سيشل ، وبقوا في المنفى حتى العام ١٩٣٨.
ومما يجدر ذكره ان هذه القيادة السياسية الجماعية للشعب الفلسطيني التي تشكلت في ٢٠ نيسان من عام ١٩٣٦ قد جاء تشكيلها مُتأخرٌ جداً ، وقد تشكلت بعد ٣٩ عاماً من نجاح اليهود من مواطني البلدان الاوروبية من تنظيم أنفسهم في “مؤتمر بال” المنعقد في تلك المدينة السويسرية ما بين ٢٩ و ٣١ آب من العام ١٨٩٧ ،وبعد سبعة أعوام من إعلان التشكيل الرسمي لـ “الوكالة اليهودية في فلسطين” في العام ١٩٢٩ ، والتي كانت قد ظهرت فعلياً على الأرض قبل ذلك بست سنوات تلبية لمتطلبات المادة الرابعة من صك الإنتداب البريطاني على فلسطين (١٩٢٣)، الذي منح الوكالة اليهودية اعترافاً بأنها “هيئة عامة لغرض تقديم المشورة والتعاون” مع سلطات الإنتداب (بريطانيا) من أجل إنشاء الوطن القومي اليهودي.
ومن المفيد أن يُذْكَر في هذا الخصوص أيضاً أن المنظمة الصهيونية العالمية ، قد تَشَكَّلَتْ بموجب قرار أصدره المجتمعون في “مؤتمر بال” المشار اليه أعلاه والذي حضره (٢٠٤) مندوبا عن اليهود من مواطني (١٥) بلداً أوروبياً ، وتم فيه تجميع التيارات الصهيونية المتفرقة العاملة في المجتمعات الأُوروبية في إطار تنظيمي واحد، وعلى هدف إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين عبر تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين و تنظيم اليهود وربطهم بالحركة الصهيونية ، واتخاذ السبل والتدابير للحصول على تأييد دول العالم لذلك الهدف ، وتشكيل المنظمة الصهيونية الدولية لحشد وتنظيم العمل الصهيوني وضمان الحقوق المدنية والدينية والسياسية لليهود في المنفى ، وتشكيل الوكالة اليهودية كذلك كجهاز تنفيذي للمنظمة لأجل تنفيذ قرارات المؤتمر وأخيراً تكوين صندوق قومي يتمُّ فيه تجْميع الأموال لشراء الأراضي وتمويل هِجْرة اليهود إلى فلسطين .
.
قلنا ان الدكتور حسين الخالدي هو سياسي مخضرم ، وهو مخضرم من حيث أنه وبعد النكبة التي تكرست في العامين ١٩٤٨ و ١٩٤٩، تخلى الدكتور الخالدي عن الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج امين الحسيني ، وحضر مؤتمر أريحا ، وتقلد عدة مناصب وزارية في عدد من حكومات المملكة الأردنية الهاشمية في خمسينات القرن الماضي وذلك بعد إعلان ضم المرتفعات الوسطى من فلسطين إلى اراضي المملكة — وهي المرتفعات التي تم تسميتها منذ ذلك الوقت بالضفة الغربية — وإعلان وحدة الضفتين ، وصولا إلى قيامه في ١٥ نيسان ١٩٥٧ بتشكيل الحكومة الثامنة والثلاثون من حكومات المملكة وذلك للمدة الممتدة من ١٥ نيسان عام ١٩٥٧ ، بناء على تكليف من الملك حسين والتي قام الملك بحلها بعد تسعة ايام فقط من تشكيلها ، اي في ٢٤ نيسان ١٩٥٧ — وهذه الحكومة هي الحكومة التي تقلد فيها سليمان النابلسي منصب وزارة الخارجية — وجاء تشكيل هذه الحكومة بعد قرار الملك حسين بحل أول حكومة برلمانية حزبية تتشكل في تاريخ المملكة إثر الانتخابات التي عقدت في العام ١٩٥٦ وفاز فيها الحزب الوطني الاشتراكي بمقاعد اغلبية نسبية ( ١٣ مقعدا ) ، والجبهة الوطنية اليسارية بثلاثة مقاعد وحزب البعث العربي بمقعدين ، وقد كان الملك حسين قد كلف سليمان النابلسي بتشكيلها في ٢٩ تشرين اول عام ١٩٥٦ ، واستمرت لمدة خمسة اشهر و (١٢) اي حتى تاريخ حلها في ١٠ نيسان ١٩٥٦ ، وقد ضمت ستة من أعضاء الحزب الوطني الاشتراكي وثلاثة مستقلين، ووزيرا عن حزب البعث العربي الاشتراكي، ووزيرا عن الشيوعيين، باسم (الجبهة الوطنية).
واخيرا ينبغي ان نذكر الخالدي قد عًيِّنَ في العام ١٩٥٩ عضوا في مجلس الأعيان الأردني .
تلك هي إضاءات على الدكتور حسين الخالدي والذي كان قد تخرج طبيبا من الجامعة الأمريكية في بيروت نهاية الحرب العالمية الاولى ، رأيتها ضرورية قبل ان نستأنف تناول بعض ما ورد في كتابه ” ومضى عهد المجاملات “.
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٢٢ آب ٢٠٢٤