تعليقات عديدة استلمتها على اليوميات التي كتبتها مؤخراً ..!
أنهيتُ طعام الفطور مع مُنى ،.. عُدْنا إلى الغُرفة ،.. قررتْ منى أنْ تَتمتع بـ ” دُوشْ ” من الماء الساخن ..!
كثيراً ما تقول لي مُنى :
لا تكتب عن هذه الأشياء وأهلنا في غَزّة بعيدةٌ عن مَنالِهم ،… لا سبيل لديهم للوصول لأي قَدْرٍ ولو بسيطٍ منها ..!
وكنتُ أقول لها : هي الحياة وقوانينها ،.. وأحد قوانينها هو النضال والقتال … وهو الطريق من اجل تحقيق حياة أفضل بشروط افضل ..! وكتابتي عن ما هو متاح لنا لن يقلل من جذوة النضال والقتال لدى المحرومين منها الذين يقاتلون في سبيل توليد الشروط الأفضل لحياة افضل ..!
ليعذرني أحبائنا في غَزَّة ..! وكل أهلها مُعلِّمون لنا ، وهم أحبُّ الأَحِبّاء..!
عندما تَخُطُّ يَدي على شاشة الموبايل كلمة ” يَومية الـ….” فإني وبصراحة ، لا أعرف تماماً إلى اين ستقودني الكلمة ،.. فاليومية لا يُفترَض بها أن تكون طويلة ،.. لذا ، فإن إكمال الحديث والكتابة عن مَوضوعٍ ما قد يَستهلك أكثر من يَومِيّة واحدة وربما يَوميات ..!
لذا ليعذرني القُرّاء إنْ أطَلتْ ..!
لَفَتَ نَظَري وأنا أقرأ كتاب الدكتور الخالدي ،.. أنه تَحدثَ عن الـ ” UNRRA “.. ( أُونْرا) وقد اختلط عليَّ الأمر لأول وَهْلة ، فظننته يتحدث عن الـ ( UNRWA ) – (أُنْوُرْوا) وهي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التي تعمل الصهيونية العالمية ودولة الكيان الصهيوني في فلسطين منذ عدة سنوات ، ومؤخراً على نحو مُرَكَّز ، على طَمسها وقتلها لأجلِ إخفاء جَريمة العصر ؛ أي جريمة التطهير العِرْقي التي ارتكبتها عصابات الإجرام والإرهاب الصهيونية المسلحة في العام ١٩٤٨ : هاچاناه، شتيرن ، إيتسل وذلك بعد اقل من اربعة سنوات فقط من جرائم المَحْرَقة ( الهولوكوست ) التي إرتُكِبَت بحق اليهود من مواطني العديد من البلدان الأوروبية إبّان سني الحرب العالمية الثانية ، ولكن هذه المَرّة ويا للمُفارَقة ..! ؛ هي جَرائِمُ تطهيرٍ وإبادة يَتِمُّ ارتكابها بأيادي ضحايا المَحْرَقة أي بأيادي يَهودية صَهيونية …يَتِمُّ تنفيذها بحق فلسطينيين عَرَب لا ذَنْبَ لأيٍ منهم فيما لحق بيهود أوروبا من مَذابِح أثناء تلك الحرب )، أقول جريمة التطهير العرقي والتي أدَّت إلى إلحاق ” نَكْبَةٍ ” بالفلسطينيين تَكَرَّستْ عَبْر طَرْد أكثر من (٨٠٠) الف فلسطيني من ديارهم في فلسطين وتحويلهم إلى لاجئين تم زَجّهم في مخيمات هي الأشْبَه بـ ” الچيتوات ” ، هذا مع تدمير أكثر من (٥٠٠) حي وبَلْدَة وقَرْية في فلسطين ومُحاولة مَحْو آثارها ..! ، وتَجَسَّدَت على نحو صارخ بـ” تَغْييبِ الفلسطينيين ، وإخفاء فلسطين من الخارطة ..! “.
لنعد الآن إلى كتاب الخالدي ونقرأ ما كتبه عن ” الأونْرا “..!
يقول الخالدي ، أن الأمريكي فيوريللو لا غارديا ذو الميول الصهيونية والذي شَغَل مَنصب حاكم مدينة نيويورك في ذلك الوقت ( منتصف أربعينيات القرن الماضي ) قد تولّى إدارة هذه المنظمة / الوكالة / المصلحة / المؤسسة ، والمختصر إسمها بالحروف التالية : ( UNRRA )— United Nations for Refugees & Rehabilitation Administration — وبالعربية : الـ” أونْرا ” ، وأنْه لمّا استقال ، عُيِّنَ مكانه هيربرت لهمان وهو أمريكي يهودي من أصلٍ ألماني ، وكان مَقر هذه المنظمة آنئذٍ في نيويورك .
وبالإستعانة بـمحرك البحث ؛ “چوچل” ، فقد أفادنا بأنَّ هذه المنظمة المُسَمّاة “أونْرا” هي وكالة إغاثة دولية هَيْمَنتْ عليها الولايات المتحدة الأمريكية ، ولكنها كانت تمثل الدول الـ ٤٤ الأعضاء في الأُمم المتحدة ، وأنها تأسست في ٩ نوڤمبر من العام ١٩٤٣ وتمّ حَلَّها في أيلول ١٩٤٨ — أي بعد إلحاق النَكْبَةٍ بالفلسطينيين — وأصبحتْ جُزءاً من الأُمم المتحدة في العام ١٩٤٥ ، وأنَّ هَدَفها تَمَثَّلَ في التخطيط والتنسيق وعمل ترتيبات إدارة الإجراءات لإغاثة ضحايا الحرب في أيِّ مَكانٍ يَقع تحت سيطرة أي دولة عُضو في الأُمم المتحدة وذلك من خلال تزويد الضحايا بالطّعام والوقود والملابس، والمأوى،وأي حاجات أَساسية أُخرى ،وكذلك أي خدمات طبية وجوهرية ، وأنَّ عدد العاملين فيها من المدنيين قد بلغ نحو إثني عشر ألفاً ،وأن مركز رئاستها كان في نيويورك قبل أنْ ينتقل إلى واشنطون إبتداءً من تاريخ تشرين أول ١٩٤٤.اما تمويلها فقد بلغ ٣،٧ بليون دولار قامت بتغطيته عدد من الدول ، وكانت حِصّة الولايات المتحدة منه قد بَلَغتْ ٢،٧ بليون دولار ، في حين كانت مُساهمة بريطانيا مبلغًا وقدره (٦٢٥) مليون دولار ، وكندا (١٣٩) مليون دولار .
وبالعودة إلى الدكتور الخالدي ، فقد كتبَ عن ” الأونْرا ” على الصفحة (٥٠) من المجلد الثاني من كتابه ” ومضى عهد المُجاملات – ١٩٤٩ ) ما يلي :
” وظَهرَ فيما بعد أن مؤسسة الأُونْرا ( UNRRA) هذه كانت أكبر فَضيحة عالمية مالية شَهِدَها التاريخ ..” وأن مئات الملايين من الدولارات قد “… صُرِفَت لا في تَخفيف الوَيْلات عن اللاجئين المَسيحيين الأوروبيين ( وهم القسم الأكبر من الذين أُصيبوا بويلات الحروب واكتووا بِنارِها ) بل صُرِفَ الجزء الأعظم منها على اللاجئين اليهود – ومنهم مَنْ لا يَستحقون الإغاثة “.
ويقول ؛
” كما ذَهَبَ قِسْمٌ آخر مما تبرعت به الأُمم الحليفة أَكْلاً حَلالاً للموظفين من اليهود ، ولم تبق عاصمة كبيرة غربية أو شرقية إلا وكان فيها دوائر خاصة للأُونْرا هذه ومنها الفِرْع الكبير في مدينة القاهرة “.
وحول نُزلاء هذه المخيمات ، كتب الخالدي يقول ؛
” أما نُزَلاء هذه المُعَسْكرات من اليهود ، فقد شَمَختْ أُنوفهم لدرجة الاعتقاد بأنهم أصبحوا من جِنْسٍ بَشَرِيٍ يَفوق باقي الأجناس . لذلك رَفَضوا القيام بأيِّ عَمَلٍ شاقٍ داخل هذه المُعَسْكرات حتى بعَمَلٍ مِنْ شَأنه المحافظة على نظافة هذه الأماكن، فكان على ” الغوييم “- أي الأغراب من غير اليهود من حُرّاس المُعَسكرات وموظفيها أن يقوموا هم بِكَنْسِها والإعتناء بنَظافتها بما فيه المراحيض “.
وأردف قائلاً :
” ولا يفعل اليهود شيئا بل يمضون أيامهم ولياليهم جلوساً كَسالى يَعزفون على بعض الآلات الموسيقية، وإقامة حفلات الرَّقص والصَّخب والشتيمة ومُعاكسة حُرّاسهم لا يريدون شيئا – بفعل الدعاية الصهيونية – إلا ترحيلهم إلى فلسطين “.
كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت في أوروبا في ٨ ايار ١٩٤٥، وفي اسيا في ٢ أيلول ١٩٤٥. اما الرئيس هاري ترومان فقد تولّى مهامه كرئيس للولايات المتحدة في ٥ تموز ١٩٤٥، وكان أن تمَّ رفّع “تقرير هاريسون” إليه في آب ١٩٥٥ ، وفي ذلك يقول الخالدي :
” ويشاء الرئيس الأمريكي ترومان كما قلنا ان يستعمل الضغط على بريطانيا ويَضع ‘ العَرَبَة أمام الحِصان ‘ ويُجابه اللجنة المختلطة ( أي اللجنة الأنچلو- أمريكية عام ١٩٤٦ ) بالأمر الواقع، فيصدر بيانه المعروف يُحَبِّذُ فيه إدخال مائة ألف من اللاجئين اليهود فوراً إلى فلسطين ، لا يهمه رد الفعل العربي أو حالة البلاد الاقتصادية ”
” وتجاه هذا الأمر الذي أصدره الرئيس ترومان … رأت جميع الأوساط العربية السياسية في فلسطين أنْ تُقاطع هذه اللجنة الجديدة عند وصولها البلاد ، وكان هذا رأي بعض الأوساط الأخرى في البلاد العربية المجاورة “.
وحول هذه اللجنة ( الأنچلو- أمريكية )، المكونة من إثني عشر عضواً ، والتي تم تشكيلها في ٤ كانون الثاني عام ١٩٤٦ يقول الخالدي ، أنَّ الحكومة البريطانية قامت بتعيين الأعضاء الستة وأبرزهم النائب البريطاني اليهودي ” غروسمان ” ، في حين عَيَّنَ الرئيس ترومان أعضاءها الآخرين السِّتّة الأمريكيين ، وكُلِّفَت اللجنة بالنظر في مشاكل اليهود في أوروبا وفلسطين .
اجتمعت اللجنة عند وصولها إلى الشرق الأوسط بأمين عام جامعة الدول العربية ، وببعض الحكام العرب .
ويقول الخالدي ، أن الاستاذ جمال الحسيني رئيس الحزب العربي ، والذي كان قد سبق وأدلى بتصريحه المعروف عند نزوله من الطائرة التي أقلته من منفاه ” فوعد المراجع التي سَهَّلَتْ له العودة تَرْك السِّلبية والإلتجاء إلى السياسة الإيجابية ، ومقابلة اللجنة المختلطة هذه ”
ويُضيف ” واستغرب الكثيرون من اقطاب الحزب العربي الموجودين في البلاد تغير سياسة رئيسهم ، فلم يوافقوا عليها ، وحاولوا بشتى الطرق إقناعه بالعدول عنها …”،
” أما التوصيات التي أصدرتها اللجنة عند الانتهاء من مهمتها ، فمعروفة قبل نشر تقريرها في ٢٠ نيسان ١٩٤٧ وأبرزها رضوخ اللجنة لأوامر الرئيس ترومان بإدخال مئة ألف يهودي إلى البلاد المقدسة في المدة المتبقية من عام ١٩٤٧ ، وإلغاء قوانين تحديد بيوع الأراضي ، وبعبارة أُخرى إلغاء سياسة الكتاب الأبيض لعام ١٩٣٩ ”
ومما يجدر ذكره ان الكتاب الأبيض قد أُقِرَّ من قبل مجلس العموم البريطاني في ٢٣ ايار ١٩٣٩ ، وحَكَمَ السياسة البريطانية تجاه فلسطين طيلة المدة الواقعة ما بين ١٩٣٩ و ١٩٤٨، وقد اضطرت الحكومة البريطانية إلى إصدار هذا الكتاب تحت ضغط وتأثير فعاليات الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي ١٩٣٦ و ١٩٣٩، وقد تضَمَّنَ الكتاب تراجعاً بريطانياً عن الأخذ بتوصيات “لجنة بيل” في العام ١٩٣٧ التي قضت بتقسيم فلسطين ( توصيات لجنة بيل : منح اليهود ثلث فلسطين ، وضم الثلثين الباقيين لإمارة شرق الأردن مع نقل فلسطينيين من القسم اليهودي إلى القسم الفلسطيني العربي في فلسطين ) ، وتضمن الكتاب ايضاً منح اليهود حكما ذاتيا في إطار دولة فلسطين المستقلة وذلك خلال عشرة أعوام من تاريخ الكتاب ( من ١٩٣٦) ، وبتقييد حجم هجرة اليهود إلى فلسطين إلى ما سقفه (٧٥،٠٠٠) مهاجر خلال خمسة سنوات وبمعدل (١٥،٠٠٠) مهاجر يهودي بالسنة الواحدة ، وعلى أن تُقرر حكومة فلسطبن حجم هجرة اليهود المَسموح بها إليها لاحقاً ، كما قَيَّدَ الكتاب انتقال ملكية أراضي العرب إلى اليهود في فلسطين بحيث لا تزيد نسبتها عن ٥٪ من مساحة فلسطين .
ويَجْدُر الذِّكْر في هذا الخصوص انَّ ممثلي فلسطين العرب في المؤتمر ، رفضوا ما ورد في الكتاب ، لكونهم يرفضون من حيث الاساس مبدأ فتح فلسطين أمام الهجرة اليهودية ولو بقيود ، …الخ ، في حين عَبَّر حزب الدفاع بقيادة راغب النساشيبي عن استعداده لقبول ما ورد في الكتاب الأبيض .
أما الجماعات الصهيونية في فلسطين فقد رفضت الكتاب الأبيض أيضاً رفضاً قاطعاً وقادت حملة هجومية ضد الممتلكات العامة تعبيراً عن رفضها ، كما وأعلنت الإضراب العام .
لنعد من جديد لكتاب الدكتور الخالدي ، حيث تناول ايضا موقف اليهود من مسألة وضع سقف لعدد المهاجرين اليهود المسموح لهم بالهجرة إلى فلسطين ، وفي ذلك يقول الخالدي :
” ويَدّعي اليهود أنَّ أملهم قد خاب من جَراء أعمال اللجنة ( الأنچلو أمريكية ) لانها لم تُوص ِ إلا بإدخال مئة الف يهودي في مدة ستة أشهر او تزيد … لذلك قَرّروا سِرّاً في المؤتمر الصهيوني — الثاني والعشرون المنعقد في التاسع من كانون الاول ١٩٤٦ — …الإعتماد على طُرِقٍ أُخرى جديدة للسير بالحركة الصهيونية إلى الأمام ، ومن جملة هذه الطرق ما سُمِّيَ بالمُقاومة أو الدِّفاع أو مُهاجمة السياسة البريطانية ومُحاربتها في فلسطين وخارجها ، أي أن الموؤتمر أَقرَّ بصورة غير عَلَنِيّة سياسة العُنف ( ضد البريطانيين ) التي سار عليها جَماعة ( صهيونية ) ما أسْمَتْهُم الدعاية اليهودية ” بالمُنشَقّين ” – وهي أعمال إلإغتيال والقتل والتدمير التي كانت تقوم بها عِصابتي الإرغون وشتيرن “.
ويضيف الخالدي ويقول :
” ويَدَّعي الزعيم الصهيوني ا الدكتور وايزمان ) بالطبع – وكان من الرعايا البريطانيين في ذلك الحين –أنّه عارض هذا الاتجاه الخطير مما أدى إلى تنحيته عن رئاسةالمؤتمر فأصبح كبش فداء للسياسة البريطانية ” .
أما وأن هذه اليومية قد طالت قليلا ، فسأكتفي فيها بهذا القدر .
أنا لا زِلْتُ أقرأ المجلد الثاني من كتاب الخالدي . ومن الممكن ان اعود للتطرق لمواضيع مهمة وردت فيه ..!؟.
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ في ٢٣ آب ٢٠٢٤