عندما أَزَحتُ البرادي التي كانت تَحجبُ الواجهة الزجاجية للغرفة ، إقْتَحَمَتْ وبقوّة أَشِعَّة شمس هايدلبيرغ الصباحية فَضاء الغُرْفة وانْقَضَّتْ على الفور على العتمة المسكينة ، فَسَقَطَتْ صَريعةً لبراثن شَمسِ الصّباح ..!
في تلك اللحظة بالتحديد ، استيقَظَتْ مُنى ،…فبادلتها الصّباح بالصّباح ..! كانت الساعة عندها قد تَعانَقَتْ عَقاربها عند التاسعة ..!
لَمْ اتمكن من نشر هذه اليومية يوم أمس .وتأخرت في مراجعتها هذا اليوم نظرا لقيامنا بزيارة للمهندسة سلمى حباشنة وزوجها أحمد القرالة في “دارمشتات” .
كنت قد وَعَدتُ سلمى بأنني سأكون ومُنى أول الزائرين لهما في بيت الزوجية في دارمشتات ، وقد فعلنا ذلك هذا اليوم وأمضينا وقتا ممتعا معهما .
سلمى مهندسة ناضجة عملتْ لدينا في “المتحدة والتخطيط” لعام او اكثر وأثبتت جدارتها في وقت قصير وقد عقدت حفلة قرانها على احمد في الكرك وقلعتها قبل اقل من اسبوعين .
*************************
وَقَعتْ بين يدي مَقالة منشورة باللغة الإنجليزية حول يوميات الدكتور حسين فخري الخالدي التي كتبها وهو في المنفى في جزيرة سيشل ، وقام بتحريرها ونشرها رفيق الحسيني وهي على ٣٧٦ صفحة. .
والمقالة هي مُراجعة للكتاب أجرتها الكاتبة “ليلى بارسونز” ، وهي بروفسور في تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ماچيل – مونتريال ، ولها كُتُب ومقالات عديدة حول القضية الفلسطينية ، والمُراجعة هي ليوميات بالغة القيمة كتبها عضو في اللجنة العربية العليا لفلسطين — وهي القيادة السياسية الحزبية الجماعية الاولى للشعب الفلسطيني منذ العام ٦٣٦ م — وهو أيضا رئيس بلدية القدس المُنْتَخَب (عاصمة فلسطين) ، وعضو مؤسس في حزب الإصلاح ، وقد كتبها الخالدي وهو في المَنفى ، في جزيرة سيشِل في المحيط الهندي ، وتُعتبر وثيقة تاريخية نادِرة من حيث أنها تُسجل وقائع الحياة اليومية لخمسة من القادة الفلسطينيين ؛ قادة الثورة الفلسطينية الكبرى والتي استمرت ما بين عامي ١٩٣٦ و ١٩٣٩.
نُشِرَتْ مقالة “ليلى بارسونز” في النشرة الفصلية عدد عام ١٩٨٧ المعروفة بـ ( Jerusalem Quarterly )
ولما كنتُ قد تناولتُ في يوميات سابقة بعض ما جاء في كتاب الخالدي ” ومَضى عهد المُجاملات “، فقد وجدت من المفيد تسليط الضوء على التجربة المريرة لحياة الدكتور الخالدي في المَنفى هو وزملاءه المَنفيين ..
وقبل ان نبدأ هذه الرحلة الشيقة والمؤلمة ، أود أنْ أقول أنَّ ما سيتم إيراده في هذه اليومية هي ترجمة بتصرف لمقالة “ليلى بارسونز” المنشورة في المجلة المشار اليها أعلاه ، راجياً أنْ أكون قد نجحت في نقل أفكار المقالة من الإنجليزية إلى العربية على نحو سليم :
لنبدأ الآن :
[ تقول “ليلى بارسونز” في مَقالتها الرائعة أنَّ الخالدي عاد إلى بيته يوم ٣٠ ايلول ١٩٣٦ بعد اجتماع مُطَوَّل عَقَدَه مجلس بلدية القدس ، وفي صباح اليوم التالي تماماً، اقتربتْ منه ابنته ليلى ، وكانت طِفْلة ، وقالت له: إنَّ ضابطاً إنجليزياً يَطْرق بابَ البيت .
فترك فِراشَه على الفور وذهبَ إلى باب البيت ، ولما فتحه أخبره الضابط الإنجليزي أنّه يحمل إليه قراراً بإلقاء القبض عليه ، وعليه أنْ يُرافقه فَوراً..!
لَبِسَ ملابسه ووَدَّع زوجته وأولاده وتوجه الدكتور حسين مع الضابط ، والذي قاده من بيته في القدس الى ميناء حيفا حيث كانت السفينة الحربية HMM Sussex في انتظاره، ومن حيفا ، أبحرت السفينة باتجاه جزيرة سيشل ، والتي تقع على بعد ١٥٠٠ ميل من الشواطىء الشرقية للقارّة الأفريقية في المحيط الهندي .
جاء الإعتقال بعد أربعة ايام من قيام الثوار الفلسطينيين باغتيال “لويس أندروز” ، قائد الحامية الإنجليزية لمنطقة الجليل –(وكان معروفا عنه شراسته وتعاطفه الأعمى مع الحركة الصهيونية) – وقد تَمَّتْ هذه العملية -(في يوم الاحد)- في ٢٦ أيلول ١٩٣٧ ، وقد تَسَبَبتْ برد فعل إنجليزي عنيف جداً تجاه الفلسطينيين في المنطقة ، ونجم عنها أنْ قرَّرت سُلطة الانتداب حَلّ اللجنة العربية العليا ( اللجنة )، واعتقال أعضاءها ، وبالفعل تم إلقاء القبض في ذات اليوم أيضاً على فؤاد سابا وأحمد حلمي ويعقوب الغصين ، وتمَّ نقلهم أيضاً إلى السفينة الحربية المذكورة، واعتقلتْ كذلك المَصْرِفي رشيد الحاج إبراهيم ، والذي لم يكن عُضواً في اللجنة .
أمّا الحاج أمين الحسيني فكان قد لجأ إلى الحَرَم القُدْسِي الشريف قبل أن يتمكن من التَّمَلُّص من الإعتقال والهَرَب إلى بيروت ، ولَحِقَه إلى بيروت جمال الحسيني ، وكان يُمَثِّل الحزب العربي الفلسطيني ، أما عوني عبد الهادي وعِزّت دروزة ، فكانا في ذلك الوقت خارج فلسطين ، وبقيا في الخارج . ولَمْ تَعْتَقِل سًلطات الإنتداب البريطاني راغب النشاشيبي زعيم حزب الإصلاح وعُضو اللجنة الذي كان مُقَرّبا لها والمَعْروف بكونه خَصْماً لَدوداً للحاج أمين الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا .
يوميات الخالدي في سيشل التي كتبها باللغة الإنجليزية ، رُبّما تكون الأولى التي تُغطي وقائع عملية النَّفْي والحياة في المَنْفى في هذه الجزيرة ، والتي اختارها البريطانيون منذ مَطْلع العشرينات مُعتَقَلاً للكثير من القيادات العربية ، فقد كانت منذ ذلك الوقت مُعْتَقَل المَنْفى لسعد زغلول ، ومصطفى النحاس ، قادة ثورة ١٩١٩ في مصر ، وكذلك للعديد من القادة اليَمَنيين .
قَليلةٌ هي تلك اليوميات المُتاحة التي كتبها قادة الحركة الوطنية الفلسطينية إبّان حَقبة الإنتداب البريطاني على فلسطين ، ومُقاومة هذا الشعب للمحتلين البريطانيين ، ولموجات الهِجْرة اليهودية إلى فلسطين والتي تمَّت بالرعاية المشتركة لسلطات الإنتداب البريطاني وللحركة الصهيونية العالمية ، ولعلَّ هذه اليوميات بالإضافة إلى الرائعة الأدبية التي نشرتها بيان الحوت ” القضية والمؤسسات السياسية في فلسطين ١٩١٧- ١٩٤٨ ” تُعتبران وثيقتان تاريخيتان من حيث أنهما تُمثلان اللواعج والتفاعلات التي سكنتْ صَدْرَيِّ كاتبيهما وهما يتناولان الأحداث اليومية كما كانا يعيشانها لحظة بلحظة ، وهما يُشاركان شعبهما مُعاناته من الإحتلال ، ومَخاوفه من تدفق المهاجرين اليهود إلى بلادهما والمخاطر المُصاحبة لذلك..! (ومُقاومَته كذلك ..! )
نَقلتْ الينا يوميات الخالدي عن علاقته الدافئة برفاقه من القادة الفلسطينيين المنفيين ، وحَنينه البالغ لزوجته وأطفاله ، ولعاداته وعلى الأخص القِراءَة ، والمَخاوف العميقة التي كانت تَسْكُنه ، ونقلتْ أيضاً مدى الحقد الذي تحمله جوانحه تجاه المُحتلين البريطانيين ، وكذلك تلك المشاعر المختلطة تجاه رفاقه الآخرين في القيادة وعلى الأخص الحاج أمين الحسيني من جهة ، ومن جهة أُخرى تجاه راغب النشاشيبي.
وصل الخالدي ورفاقه الى جزيرة سيشل في ١١ تشرين أول عام ١٩٣٧، وقد اختيرت إحدى جُزُر سيشِل ( ماهي ) لتكون مَقَرِّ إقامتهما في المَنفى . وهُناك ، تشارك الخالدي مع يعقوب الغصين وفؤاد سابا في كُوخ سَكَنِيٍ من القَش ، في حين تَشارَك أحمد حلمي ورشيد الحاج إبراهيم في كوخٍ آخر على بعد ياردات قليلة منهم. وكان يُسْمَح لهم التنقل داخل حديقتي الكوخين ، وأن يزورا بَعضهما البَعض ، لكنه كان يُحْظَر عليها الإلتقاء بأي فَرْد آخر في تلك الجزيرة .
لا تَتشابه ظُروف الإعتقال وقَساوتها مع تلك التي كان يُعاني منها المُعْتَقَلين الفلسطينيين في سجون عكا والقدس ، وفي مُعسكرات الإعتقال في عتليت وفي اللطرون .كان الخالدي يَعرف أن هناك إختلافاً كبيراً بين تلك المُعتقلات في فلسطين وبين المنفى في جزيرة “ماهي” النائية . لقد خَدَم الخالدي طبيباً في صُفوف القوات العثمانية في الخنادق الأمامية أثناء تقدم الجيوش البريطانية في فلسطين إبان الحرب العالمية الاولى ، وبالتالي كان يَعي تماماً معنى المَشَقّة وقَسوة الحياة التي تتصاحب مع العمل في تلك الخنادق أثناء المعارك مع الجيش البريطاني. لكن مَشاعر الوِحْدة والعُزْلة غَمَرت أيامه الطويلة في المَنْفى . لقد انتابه قَلَقٌ كبير كونه كان بعيداً جداً عن عائلته ، وكذلك بسبب ما يحدث في فلسطين ، وأيضاً عن ماهية المستقبل الذي ينتظر هؤلاء المَنفيين الخمسة عن ديارهم ، وأخيراً نظرا لكونهم لا يعلمون أبداً إلى متى ستطول أيامهم في هذا المَنفى .
افتقدَ حسين الخالدي زَوْجته “وحيدة” وأطفاله بِشِدّة لا مَثيل لها . كان ينتظر رسائلهم بفارغ الصبر ، والتي كان يمر عليها أسابيع طويلة قبل أن تَصِل إليه، هذا عدا عن أنها كانت تَخْضَع للمراقبة الحثيثة . في واحدة من المناسبات ، وصلته برقيه تُفيد بأنَّ ابنته الطفلة “ليلى” سَتُغني له أُغنية خاصة سَتُذاع على الهواء في برنامج الإذاعة البريطاني الأسبوعي المعروف بـ “رُكْن الأطفال بالعربية ” . يومها ، بَذَلَ حسين جُهْداً جَهيداً وهو يُحاول ضَبْط إيقاع راديو الكوخ على ذبذبة البث الاذاعي للبرنامج ، لكن دُون جَدوى ، وخَسِرَ بالتالي فُرصة أنْ يَستمع لابنته وهي تُغني له . وفي مناسبات أُخرى ، عَبَّر الخالدي عن عدم أعجابه بالطعام الذي يتم تقديمه في الجزيرة ، وحَنينه إلى مَذاق أطعمة بلده. هذا التَّوْق ، أشْبعت نَهْمَه عُلَب الطحينية واللَبَنِه التي تمكنت زوجة فؤاد سابا من إرسالها للمُعتقلين في الجزيرة .
عَصَفَتْ لدى الخالدي هَواجِس مُوحِشة بأنْ يكون المَنفيين الخمسة قد تمَّ نُسيانهم من قبل رِفاقهم في الوطن . لقد استلم المَنفيّون برقيات قليلة فقط تحمل مَشاعر الإهتمام والقلق من رفاقهم في الوطن ، وكانوا يُمضون الوقت محاولين إلتقاط الأخبار المتعلقة بالقبض عليهم ، وكذلك عن أحوال رِفاقِهم الباقين من اعضاء اللجنة العليا وما حصل لهم . كان تردد “راديو باري” ، وهي مَحطة خِدْمة الإذاعة الإيطالية ، هي الأسهل إلتقاطا في المكان الذي يعيش فيه المَنفيين إلى سيشِل. كان هذا الراديو هو الذي يُوفِّر للمَنفيين الخَمسة نُتَفاً من الأخبار عما يحصل في بلادهم ، وكانوا يَسْخرون من جهود الدعاية الكارتونية التي تبذلها الإذاعة لجَذْب العرب نحو الفاشِيّة . أثارت حالة الطقس الحار والرَّطِب ، والمَلَل والسُّخط الذي أخذ بالتصاعد مع يوم يحل وآخر يمر مع الرفاق الاربعة في هذا المنفى أعصاب الخالدي . ومع إطالة أمد البقاء في المَنفى، وَجدَ الخالدي نَفسه يقضي وقتا أطول وأطول في فِراشِه ، يَقْرأ الكتب التي سُمِح له باستعاراتها من المكتبة المحلية . وقد قرأ بنَهَم كتب كُتّاب أمريكيين مثل “بيرل بك”، “يوجين أو نيل” و “مارغريت ميتشل” .
كتبَ الخالدي عن أحاسيسه الداخلية تجاه الحاج أمين الحسيني ، رئيس اللجنة العربية العليا . ولقد كان ساخطاً على الحاج أمين الحسيني عندما أصدر بيانات باسم اللجنة العربية العليا دون أن يَذكر أسماء أعضاءها الآخرين، أي الخالدي ، وسابا وحِلمي والغُصين القابعين في المَنفى في سيشِل . وعندما أصدر الحسيني بياناً عاماً في تشرين الثاني ١٩٣٨ — بعد أن اعتبرت “لُجنة ودهيد” أن تقسيم فلسطين لم يَعُد حَلاً مُجدياً، — راعَ الخالدي تلك النَّرْجِسيّة ، واللامُبالاه في البيان ، والذي يُفْهَمُ منه أنه ( أي الحسيني ) وكأنه :
” هو المُنْتَصِر الذي يُمْلي شُروطه على العَدُو المَهْزوم — في الوقت الذي كانت فيه عَشَرات من الوحدات العسكرية البريطانية تَجوب البلاد ، تَعتقل ، وتَشنُق ، وتُدَمِّر المساكن ، وتُسَلِمْها للكلاب لتَحْكُمُها . ولقد أخبرتُ رفاقي أنه لا يحق للحسيني أن يُصدر بيانات باسم اللجنة “.
بالرّغم من ذلك ، فمن الواضح من يوميات الخالدي أنه وعلى الرغم تَحفظاته على عدد من قرارات الحسيني ، فإنه رأى أنه والحسيني كانا مُنخرطان بالعمل لصالح قضية نضالية يتشاركان الالتزام بها بعمق. ويُذكر في هذا الخصوص أنه وعندما تم السّماح للأعضاء الاربعة في اللجنة أنْ يتركا سيشِل في مَطلع عام ١٩٣٩ ، سافرا مُباشرة إلى حيث يقيم الحاج أمين في بَلْدة ” زُوق ” اللبنانية .وها قد عاوَدت اللجنة العربية العليا الاجتماع لأجل وَضْع استراتيجية للتعامل مع “مؤتمر سان جيمس”( في لندن ) القادم . ولمّا كان الجَدَل قد ثار بين الرفاق الأربعة أعضاء اللجنة في جزيرة ” ماهي ” حول القرارات التي كان الحسيني يتخذها ، فإن الجَدَل كان يَنْصَبّ على تكتيكات العمل . ولَمْ تَصِل الأمور بين الرفاق الأربعة في وقت من الأوقات بخصوص ذلك إلى حالة عدم الولاء ، او الشّك على نحو جوهري بمِصْداقية الحسيني.
اما موقف الخالدي تجاه راغب النشاشيبي، فكان أمراً مُختلفٌ تماماً . لَمْ تَعتقل سلطات الإنتداب البريطاني النشاشيبي في الوقت الذي طَوَّقَت فيه أعضاء اللجنة العربية العليا الذي بقوا في فلسطين في أواخر أيلول ومَطلع تشرين أول عام ١٩٣٧. بالنسبة الخالدي ، فقد كان ذلك مُؤشراً كافياً عن قُرْب النشاشيبي من حكومة الإنتداب البريطاني لقد انفجر الخالدي غَضَباً على تقارير الإذاعة حول البيانات التي كان يُصدرها النشاشيبي مُقَدِّما نفسه على أنه زعيم الفلسطينيين .ومع ازدياد حِدّة الثورة في أواخر عام ١٩٣٧، ورد الى مسامع الخالدي أن النشاشيبي أصدر بياناً للصحافة المصرية يُكرر فيها مَطالب الفلسطينيين بجكومة مُستقلة. في تلك الليلة ، كتب الخالدي بامتعاض يقول :
” يَصول النشاشيبي ويَجول على المَسْرح وَحْده يُريد أن يُثبت ولو ظاهرياً على الأقل أنه وَطني . لو كانت حالَه كذلك ، فلماذا لم يُبعدوه أيضا إلى سيشِل ؟. خلال فترة المَنفى ، قرأَ الخالدي كتاب “إتش جى سيمسونز ١٩٣٧ ” “الحكم البريطاني، والتمرد ” – (British Rule , and Rebellion “ . خَدمَ “سيمسونز” في الجيش البريطاني ضابطا ، وقد ورد في الكتاب تفاصيل الحَملة البريطانية ضد الثوار الفلسطينيين. ولقد صُدِم الخالدي عندما وجدَ في الكتاب الكثير من المعلومات عن اللجنة العربية العليا ودور الحاج امين في توجيه الثورة . كان الخالدي على قناعة بأن مَصدر معلومات “سيمسونز” لم يكن سوى النشاشيبي ، والذي كان – حسب ما يقوله الخالدي- كثيراً ما يجتمع مع ضباط الأركان البريطانيين في فندق الملك داود في القدس . كانت عائلة النشاشيبي موضع شُبهة تاريخياً بأنها مُواليه للبريطانيين .ما تشير اليه “يوميات الخالدي” ، ان القادة الفلسطينيين وهو واحد منهم والذين وضعهم المؤرخون اللاحقون على أنهم داعمون بهدوء للبريطانيين ، كانوا يَرونَ أنفسهم يَقفون في الجانب الاخر من الخليج الواسع من النشاشيبيين.
تَكشفُ كتابات حسين فخري الخالدي اليومية عَداوته تجاه النّظام البريطاني . ولكن هُناك شَيء أعمق من عَداوه على شاشة العَرْض وذلك عندما يُعْمِل فِكْره ويتأمل بالقوّة البريطانية . إنّه يَعي دَقائق الآليات التي تَكشف عن كيف سَيْطَر البريطانيون وحَكموا ، وعلى الأخص الطريقة التي عَمِلَت بها الإجراءات والبيروقراطية البريطانية لأجل إخفاء العنف الخام للبنادق البريطانية . لقد كانَ فَخورا بالشجاعة التي أظهرها الثوار المسلحين في فلسطين ، ولكنْه رأى أنه لا يُمكن لهؤلاء أنْ يَتمكنوا من التّغلب على الجيش البريطاني ، مهما كانت الشّجاعة التي يُبدونها خلال القتال . وفي ذات الوقت ، فقد كان على قَناعة مُطلقة بعُقم الجهود الفلسطينية لمواجهة الحكم البريطاني بالوسائل الدبلوماسية . وبالاستناد إلى ما كَتبه الكاتب الأمريكي “بيرل بك” ، الذي وصفَ الإحتجاجات الدبلوماسية دون اللجوء إلى السلاح على أنها لاشيء سِوى “كلامٌ مُضَلّل”، كَتب حول ذلك الخالدي يقول :
“لقد انْغَمَسَ العرب في ممارسة الإحتجاج لعشرين عاما . لا بل اننا قدمنا مُذكرتي إحتجاج أو ثلاثة أو أبرقنا أربعة برقيات إحتجاجٍ للحكومة في فلسطين وذلك منذ أنْ وَصَلنا إلى جزيرة سيشِلْ .
هل حَصلنا على جَواب ؟
لا ،..!
لماذا ؟
لأنَّ السُّلطات المَعْنيّة تعرف بأننا لا نستطع دَعْم احتجاجاتنا بالقوة المسلحة ؛ وبالتالي فذلك هو نهاية الأمر . أستطيع ان أتخيل بأن مذكراتنا وبرقياتنا قد آلت الى تُطْوى في مَلفات أَنيقة في سكرتارية مَكتب حكومي مع لصق P.A عليها مع تاريخ ، يَستتبع ذلك توقيع بالأحرف الاولى من سكرتير مُساعد مُبتدىء . “
وكفلسطيني مُسْتَعْمَر ، كان الخالدي يَعْرِف مِقدار القُوّة المُكَدّسة ضده وكذلك مَدى خواء المفاهيم البريطانية حول “لُعبة نَظيفة” وحول حُكْم القانون . وحتى مع ذلك ، فقد استمرَّ بالدّفع بلا كلَل ضد النظام البريطاني . لقد أرسلَ إستفسارات مُتكررة للوزير المَسؤول عن المُستعمرات ( في الحكومة البريطانية ) بخصوص القانون الذي يتم بمُوجِبه نَفْي خَمْسة فلسطينيين . وقد استأجر خدمات مُحام في جزيرة ” ماهي ” للطّعن بالقيود التي تم فَرْضها على الرِّجال الخَمسة . كان على عِلْم بأنَّ مثل تلك القيود كانت بلا جدوى تقريباً ، لكنه حافظ على الكتابة في يومياته بأنه ” إنْ كان لها أو لم يَكُنْ ، أثر ، أو إن جاوبَ ( الوزير عليها) أم لا ، فذلك ليس مُهِماً . كانت نِيَّتي أنْ أضع أشياء مثل هذه ، في سِجِلٍ مُدَوّن وعلى نحو خَطّي ” .
وقد تبنّى ذات الموقف في المسائل المتعلقة بعلاجه الطِّبي في الجزيرة . كان من ضمن الزوّار القليلين الذين سُمِح لهم من قبل الحكومة بزيارتهم كان الطبيب البريطاني المحلي ، “د. لينر” ( Dr. Lanier ). الخالدي نفسة هو طبيب تدرب في باريس وفي إستانبول ، وقد نما لديه احتقار للممارسات غير الناضجة والسيئة لهذا الطبيب المحلي، وذلك مع استطالة مُدّة نَفْيهم في ” ماهي ” ، ومع التّدهور في صِحّة الخالدي . رفض الخالدي أن يتيح للطبيب “لينر” تطييب خاطِره وهو الذي كان يَعمد بصورة ثابتة على التقليل من أعراض الخالدي المَرَضِيّة . بالنسبة الخالدي ، فإن رفض الدكتور “لينر” على الاخذ بمخاوف الخالدي الصحية على مَحْمَل الجَدّ كان يعكس في حقيقته الرفض البريطاني للإعتراف بالحقوق السياسية للفلسطينيين . وبَعْدَ جَلسةٍ مُذِلّة بشكل خاص مع الدكتور “لينر”، والذي عالج الخالدي وكأنه طفل ، لا كطبيب زميل ، عبّر الخالدي عن سخطه على ذلك بأن تساءل في مذكراته :
” هل علينا أن نُقدم دليلاً تحت القَسَم لـ “لينر” قبل أن يكون بمُستطاعه تصديقنا ؟
لقد كان الخالدي قد أعطى قطعاً دليلاً رسمياً لهيئة مؤلفة من موظفين بريطانيين . وقبل شهور قليلة فقط، في كانون الثاني عام ١٩٣٧، في الوقت الذي كان فيه في فلسطين ، وعلى رأس عمله رئيسا لبلدية القدس ، خدم الخالدي كعضو في الوفد الفلسطيني الذي قدم شهادة عامة للجنة “بيل” . وفي مذكراته باللغة العربية ، فقد بحث تلك الشهادة بتفصيل كبير ، مُحَللا الأخطاء التكتيكية التي قام بها الوفد الفلسطيني ، ومحدداً بدقة تامّة كيف أن اللجنة ما كان بمستطاعها ان تكون موضعا لاحتمالٍ سياسيٍ حقيقيٍ بالنسبة للفلسطينيين . في مذكراته في سيشِل ، عندما ظهر الخالدي ، كمريض مُعْتَلِّ الصِّحة ، بأعراض استُبْعِدت من قبل خبير بريطاني ، ” نراه كيف عانى ..” (أي الخالدي )ظُلْم الشهادة “ذاته ” الذي عانى منه على يد المفوضين البريطانيين خلال جلسات الإستماع للجنة “بيل” .
استعملَ الخالدي حالة التدهور في صِحّته لدفع السلطات البريطانية للسّماح له للعودة إلى دِياره . لقد فهم أنَّ المسائل الصحية هي طريقة يمكن أنْ يَستعملها للضّغط على الحكومة لمَنحه تنازلاً ، لأن أي عمل يمكن النظر اليه على نحو إنساني تأخذه الحكومة في اعتبارها أكثر مما لو كان سياسياً.
وبصدق ، فقد كان يخشى ان يكون مُصابا بسَرَطان الحَلْق ، ولكنه أيضاً وباستخدام ذلك الخوف كاستراتيجية ، فقد مَضى في إضراب عن الطعام بنية إرغام الحكومة على إرسال خبير طبي من خارج الجزيرة لفحصه.
وأخيراً ، فقد رَضَخت السُّلطات البريطانية ، وأرسلت له مختصاً من زنجبار لأجل القيام بفحص طِبّي سليم . لم يجد المُختص أي سرطان لدى الخالدي ، لكن استراتيجية الخالدي فَعَلتْ فِعْلها على أي حال : فبعد أسابيع قليلة ، تَسلَّم المَنفيين الخَمسة إخباراً بأنه سيتم إطلاق سراحهم . مع تقديم فرصة لهم بأنْ يُسمح لهم بالعودة إلى فلسطين إنْ قبلوا شرط عدم الإنخراط في العمل السياسي . رفض الخالدي قبول هذا الشرط ، مختاراً بدلاً من ذلك السفر إلى بيروت ، حيث يمكن أنْ يكون قريباً إلى أكبر حد ، من فلسطين وحيث يُمكن لزوجته وأولاده الإلتحاق به.
بقي الخالدي يخدم باعتباره عضواً في اللجنة العربية العليا وقد حَضَر مؤتمر سانت جيمس في لندن في ربيع عام ١٩٣٩. ]
أنهت “ليلى بارسونز ” مقالتها بالقول :
[“إنَّ القراء السّاعين لمعلومات داخلية متعلقة بالأحداث السياسية في فلسطين ما بين تشرين اول عام ١٩٣٧ و ربيع عام ١٩٣٩ لن يجدونها في مذكرات الخالدي في سيشِلْ . لقد كان هو خارج تلك الاحداث خلال تلك الفترة يناضل بثبات للحصول على اخبار حول ما كان يحدث هناك في الديار . أنّ الصغحات الأخيرة من مذكراته تغطي بالفعل الوقت الذي أمضاه في مؤتمر سانت جيمس ، لكن هذه الصفحات كانت والى حدٍ ما مُخَيّبة للآمال، تُغطي المكان الذي تناول فيه طعام الغداء والمواقع السياحية القليلة التي زارها في بريطانيا وفرنسا . مذكراته باللغة العربية هي مصدر ثري أكبر للدور الذي اضطلع به في الحياة السياسية الفلسطينية خلال فترة الإنتداب على فلسطين، وكذلك حول رأيه في عملية اتخاذ القرارات التي كانت تُتَّبَع في اللجنة العربية العليا على وجه التحديد . ولكنها فقط مذكراته في سيشِلْ هي التي توفر بيانات عميقة حول حياته وانفعالاته الداخلية .
بعيداً عن الوطن ، محبوساً في نطاق الكوخ الذي يعيش فيه وحديقته ، صَبَّ الخالدي رَحيق قلبه في مذكراته التي كتبها في كل ليلة من الليالي التي قَضاها في الجزيرة المَنْفى. إن مَشاعره الآنية قد حددت ما كان يكتبه حول مواقفه المتذبذبة تجاه رفاقه المنفيين ، وتجاه صحته ،والطقس ، وحول حملات الثوار في أرض الوطن فلسطين ، وكذلك حول العدوان الطلياني على الحبشة ، ونجاحات أولاده في المدرسة – كل تلك الأمور كانت مختلطة معاً . لكن كل إدخال كان يهتز بالغضب على القوة الاستعمارية التي احتلت بلده ونَفَته منه إلى أقاصي الدنيا. كان يلتهمه الغضب في بعض الاحيان ، غير انه وفي ليلة مُقْمِرة حارّة ، وقبل أن يذهب للنوم ، كتب يقول :
” سوف لا أكتب اكثر هذه الليلة ، وهي الليلة المُقْمِرة . كلما نظرتُ أكثر ، وكلما حَدَّقتُ في وجه قَمَرٍ مُكتمِل ، كلما أصبحت أكثر جُنونا ؛ وهذه الإقامة في المَنفى في هذه الجزيرة من شأنها أنْ تقودني قريباً إلى الجنون . إني مُلتاعٌ من الشّوق لزوجتي ولأولادي الأربعة الأعزاء .
لقد ألقيتُ نظرةً أخيرةً إلى القَمَر ، نظرتُ إليه ! هو يبتسم، ويَسأل ، ويُظهر لي لسانه :
‘من أنتم لتعارضوا بريطانيا العُظمى !
لدينا نحن الجيوش والأساطيل والطائرات والغاز المُسَمِّم .. الخ الخ
وأنتُم لَستُم أكثر من حَفْنَةٍ من العَرَب ‘ ]
******************
تلك هي مقالة ليلى بارسونز ، عن الخالدي في المَنفى ،رأيت أن أُضيفها في يومياتي هذه لأنها تساهم في إكمال الصورة ، ليس فقط عن الخالدي ، ولكن عن طبيعة هذا العدو البريطاني الذي واجهه شعبنا الفلسطيني خلال الربع الثاني من القرن العشرين بعد ان وجد نفسه وحيدا بدون حلفاء في مواجهة قوى استعمارية غاشمة ، بالغة القوة والوحشية .
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ -الأحد
٢٥ آب ٢٠٢٤