Menu Close

يوم الإثنين الموافق ٢٦ آب ٢٠٢٤ – نتائج الفحوص لهذا اليوم وإضاءات من غزة وعن غزة

لَمْ يبقَ في يَدايَ الإثنتين بُقعةٌ إلا وتَعرضَتْ لاعتداءٍ من  إبْرةِ سَحْبِ دَمٍ أُردنية أو ألمانية منذ الأول من آب من العام الماضي …!أي منذ أكثر من عام ..! . 

أَنْظُرُ إليهما وأرى بُقَعَاً داكنةَ اللون هُنا وهُناك على يداي من دَمٍ تَسَرَّبَ تَحْتَ الجِلْدِ وأبى أن يتخثر بعد إنجاز عملية سَحْب ..! لذا ، طَلَبتْ مِنّي “ديانا” ،ممرضة مختبر عيادات هايدلبيرغ التي أجرت عملية الغَرْز والسّحب هذه المَرّة  أن أضغطَ بإصبعْ يَدي الأُخرى على قِطْعَة القُطن التي ثَبّتَتْها فوقَ مَوْقع الغُرْزة،  وأن أُبقي الضّغط عليها لمدة دقيقتين قبل رَفْعِه عنها ..! وهذا ما فعلت وأنا أتحرك مَع مُنى الى الطابق الأرضي.. إلى عيادات منطقة زراعة النخاع العظمي ..! 

كُنْتُ قد بدأتُ أكتبُ هذه اليومية عندما وَجَدْتُ صديقتنا “أندريا” تَقِفُ إلى جانبي ..بابتسامتها الزاهية ..!  ، وَقفتُ ، وعَبَطَتْني ، وسَأَلتني عن مُنى ،… قُلتُ لها أنها تركتني إلى حديقة المستشفى لأنها اشتاقتْ لسيچارتها ،.. ضَحِكتْ ، وقالتْ : هل أنتَ بخير بعد تَلَقّي “الليمفوسايتس” الأُسبوعَ الماضي  ،.. أَجَبْتُها : لا أشعر بشيء غير عادي على الإطلاق ،…! في هذه اللحظة خَرَجَ بروفسور بيتر من غُرْفَته ، ألقى علينا تحيةً سريعةً مع ابتسامته المَعهودة ،..! واتّجَه في الكوريدور الطويل إلى هَدَفِه ..! 

ها قد مَرَّت نحو (٤٠) دقيقة من الوقت الذي تم فيه تنفيذ عملية سحب الدم ،… ربما علينا ان ننتظر نصف ساعة أخرى قبل أن تظهر النتائج ،.. عندها سيكون موعدنا مع بروفسور بيتر قد حل …! 

مُنى قالت لي : لا تَقْلَق ،.. فسَتكون النتائج عَظيمة ..! 

الطقس في هايدلبيرغ هذا الصباح جميل جداً … سماء صافية ، شمس ساطعة ،.. ونَسيمٌ مُنعش ..! 

قالتْ لي مُنى ونحنُ في التاكسي أنَّ ” البنات ” قد طَلَبْنَ بعض الاغراض ،..وسيكون ذلك ما سنقوم به بعد الإنتهاء من لقاءنا بروفسور بيتر ..! ، قُلتُ لها : مَرْحى لطلباتِهن ..! 

أحداثٌ كثيرة حصلتْ في البلاد خلال الايام الثلاثة الماضية ، في غزة ،.. وفي الضفة ، وفي الجبهة مع لبنان ،.. وفي البحر الاحمر مع اليمن ..! ،.. الاشتباك متواصل ويستعر يوما بعد يوم ،.. عملية استنزاف العدو مستمرة وتتصاعد ..! شهداء يسقطون … التضحية مستمرة ،…! 

سألتها ، هل قرأت ما كتب أكرم من غَزّة هذا الصباح ..!؟ :

كتب أكرم بأُسْلوبِه الواقِعِي :

اللاذِع لَذْعَة حَبّات الرَّمل  المَكْوِيّة بحَرارَة شَمْس غَزّة الحارِقَة ، 

والسّاخِر سُخْرِيَة أَمواج بَحْرِ غَزّة وهي تُداعِبُ شَواطِئها التي تَفْتح أياديها وتَحْتَضِن النّاس ، وهُم تَحْتَ وَقْعِ القَصْف المَجنون، يَضْطرون للنُّزوحِ …من نُزوحٍ  إلى نُزوح  .. وتُوَفِّر لهم وَسْطَ المَحْرقة التي صَنعتها الصهيونية وداعميها للفلسطينيين المُعَذّبِينَ في أرْضِ غَزّة، مَنافِذَ فيها طَعْم نَوْع من خَلاص ٍما في هذه المرحلة في هذا الزَّمن الرَّديء ….: 

“في الطريق لاكتشافِ أبعادٍ جديدةٍ للبُؤس.. 

في الطّريقِ إلى الخَيْبه ..إلى الخَيْمَه.. 

صَباح النزوح!”

وفي تعليقٍ آخر ، تَساءَل مُسْتَنْكِراً ..؟ 

“لوْ سَمَحْتوا…! 

 إللّي عِنْدُه كَتالوج ‘آداب النُّزوح’ يِبْعَتْ نُسْخه…!؟

بُكْرَه نازْحينْ !”

وتعليق ثالث ،..! 

“فصل جديد من البؤس والمعاناة..

النزوح الخامس..!

بانتظار النزوح السادس 

أو النزوح للسّماء!

أكرم الصوراني”

“فلسطين/ غزّة/خانيونس/رفح/المواصي الخيمة/دير البلح/الزوايدة الخيمة/المجهول!”

“#خيمة_تخيبنا”

آه يا غزّة ،….! آهِ يا أكرم ..! 

هل الأبجدية تملك ان تنقل المشاعر والاحاسيس التي تعتمل في النفس ونحن نرى ماذا يجري في غَزّة ..!

وماذا تَصْنع غَزّة بِنا …! 

أعتقد أنَّ غَزّة تَكتبُ التاريخ بأبجدية غَزِّيّة..! 

في غَزّة،.. الجَرائم تُرتَكَب بلا حِساب ،..!

وفي غَزّة ، … مُقاومة لا مثيل لها.. 

تُقاتل فوق الأرض وسْط أدغالها الرُّكامية ..! التي صنعها القصف المجنون لمبانيها ..! 

وتقاتل أيضاً من تحت الارض ، … كما لم يُقاتِل بَشَر ..! 

غَزّة تُعيد صناعة أركان نظام دولي جديد ،.. 

تُفَعِّل في البَّشَر ضَمائر البَشَر ،.. !

تُحَرِّك في البَشَر كل ما هو راكد ونائم ،…! 

غَزّة رَمَتْ حْبْل النّجاة لقضيةٍ وَطنية أرادوا تصفيتها ..! ورَمَتْ كذلك صِنّارة الصّيْد  ،.. في مياه بحرها ورمالها ،..

فإذا بالصهيونية العالمية والنفاق الدولي تَبْلَع الطُّعْم  ،… وتقع في الأسْر ..! وتَقْتَرِب من مَصيرها المَحتوم ..! 

******

فَجْأة ، خَرَجَ البروفسور من غُرْفَته ، ودعانا للدُّخول إليها ..! رَحَّبَ بِنا بحَرارة ، وعَبَطَته مُنى،.. فهي تُقدِّرَه تمام التقدير..!

قال : نَتائج الفُحوص قد ظَهَرتْ ، وهي جَيِّدَة ، كُراتُ الدّم البيضاء ، والنيوتروفيلس والأملاح كُلّها ضِمنَ المَدى الطبيعي  ، الصفائح انخفضت قليلا ،.. وهذا أَمْرٌ هو دوماً في مثل هذه الحالات مُتوقع ..!

هل تَشْعُر بأيِّ شيءٍ غَيْر عادي … مثلا؛ جَفاف في العَيْن ؟، في الفَم؟ ،.. حَكّة ؟،..إسهال …!؟،

 أَجَبته بالنّفي ،.. 

قال : نحن إذنْ على الطّريق السليم ..! 

تحدثنا بعد ذلك حَوْل أمور مُختلفة ، أخبرته عن أوجاع أَشْعُرُ بها مؤخراً في منطقة رُكْبة قَدمي الأيمن ،.. 

بعد ذلك ، اتصل بالمُختبر وسألهم عمّا إذا كان قد بقي من الليمفوسايتس المأخوذ في أيار الماضي من أختي سائِده ، أجابه المختبر بالإيجاب ،… قال لي : لدينا مخزون لجراء طبي آخر (DLI) وذلك إن ْاحْتِجنا إليه ..! 

 ماذا يعني ذلك ؟ ، سئلت 

قال ، بناء على نتائج الخُزعة المطلوب إجراءها في ٣٠ أيلول القادم ، ونتائج الفحوص التي ستجري خلال الفترة حتى ذلك التاريخ ، سيتم اتخاذ القرار المُناسب . 

أما زيارتك القادمة ، فيجب أن تكون في ٢١ تشرين اول . 

تبادلنا بعد ذلك حَديث حول احتمال الحاجة إلى ليمفوسايتس في المُستقبل ،.. ؟

قال ، دَعْنا لا نُفكر في هذا الأمر الآن ..! 

تَرَكَنا البروفسور ، ونحنُ في غاية الإطمئنان .

طَلبنا من التاكسي أن يأخذنا إلى منطقة وسيطة بين ميدان “بسمارك” وساحة “الكنيسة القديمة” . 

أخذْنا بعد ذلك نَعبر أنا ومنى شوارع هايدلبيرغ القديمة المُبَلّطة بقطع حَجَرية مُتعددة الأشكال صَقَلها الزمن فأصبحتْ تَمتلك لَمْعة خاصة ، على الأخص عندما تَسْقُط تجري على أسطحا مياه المطر وتضربها أشِعّة الشمس. ذكرتني تلك الطُّرُق بشوارع القدس القديمة ،والبلدة القديمة في نابلس . 

في الطريق اشتهينا بوظة من محل جيلاتي … فتناولنا كوزين من البوظة ، وجلسنا على كرسيين على قارعة الطريق ، نتأمل بالمارّين ،.. من كل الأعمار ،…

قلتُ لنفسي: هذا موسم السِّيقان … لا بل هو مهرجان للسيقان والأَذْرُع الفارِعة ..للصّبايا من كل الأعمار ! 

تلك هي الحياة ..! 

وَصَلنا بعد ذلك إلى ساحة الكنيسة القديمة . لَمْ نَستطع مقاومة شوكلاتة لِينْتْ (Lindt)  ..، دخلنا ، اشترينا بعض ألواح من الشوكلاته ،.. وقبل أن نترك المكان ، طلبنا كأسين من الشكولاته الساخنة.. ( Hot Chocolate ) وخرجنا من المحل ،.. وعلى إحدى طاولات المَحَل المُلاصق لـ ” لينت ” جلسنا ،.. وما لبث ان جاءنا الچرسون العامل في المحل  . رآنا  وكأسي الشوكولاته الساخنة على الطاولة . 

قال : هذا ممنوع . 

قالت له منى : سنطلب زجاجتي ماء ..! . 

قال : لا .. ، أيضا غير مسموح ، عليكم الطلب من “مِنْيو” المحل ،..! 

قالت له : أنا اعرف صاحب المَحل ،.. ! ، وألقَتْ نظرة إلى داخل المحل ، وقالت : ها هو..! 

ثوان وخرج يونس ..! تَذَكَّر مُنى ،.. وقال للچرسون : هذا محلهما ،.. إذهب وأحضر زجاجات الماء ..! 

وجلس معنا … وأول سؤال له ،كان عن غَزّة ،… وقال ، ما يحصل هناك لا يمكن تُحمله من قبل اي إنسان … أنا ابكي عندما أرى مشاهد القتل والتدمير ،.. هذا لا يُمكن قبوله ،… ثم أخرج تلفونه ، وارانا صُور له في أنقرة مُشاركا في مظاهرات الإستنكار لما يحصل في غزة وفي الضِّفة ،.. كان يلف رَقْبته بحَطّة فلسطينية،.. ! وعاد يقول : لا ،.. لا … لا يمكن أنْ يَستمر هذا الوضع ..! ثُمَّ قال : تركيا لديها مسؤولية تجاه فلسطين ،.. فلسطين سقطت بيد البريطانيين في الحرب العالمية الاولى عندما كانت تركيا مسؤولة عنها ،.. هذا يفرض مسؤولية اكبر علينا نحن الأتراك ،… بعد قليل حضر ابنه ، وسَلَّمَ علينا ،.. وقال لمنى : اني أذكر أنّك زُرتِ مَحلّنا قبل أشهر قليلة .،! 

إلتقطنا صورا تذكارية .. وغادرنا المحل . 

تلك هي إضاءات على وقائع حصلت معنا هذا اليوم . 

عبد الرحمن البيطار 

هايدلبيرغ – الاثنين 

٢٦ آب ٢٠٢٤