من كتاب Genesis 1948- دان كيرزمان ( الحَرب العَربية الاسرائيلية الأولى
شهر نيسان من العام ١٩٤٨ هو الشّهر الذي تَجَلَّت فيه النكبة الفلسطينية بكل ابعادها .
لذا فإنَّ إحياءَ ذِكرى أحداث النّكبة الفلسطينية في نيسان من كل عام هو واجبٌ على كلِّ فلسطيني وفلسطينية ، والإحياء هُو سِلاحٌ مَاضٍ يَمْلِكه كل إنسان فلسطيني وغَير فلسطيني، يُشْهِرَه في وَجْه قُوى الطُّغيان والعُنْصُرِيّة والاستغلال والاستعمار بكلِّ أشكاله البَغيضة، وعلى رأسه الاستعمار الاستيطاني الإحلالي العُنصري البغيض.
الإحياءُ هو سِلاحٌ لا يَمْلِك أحد في العالم ولا أي سُلطة فيه ، حُكومية أو غير حكومية ، أن تحْرِمَ إنساناً من مُمارَسَته، وتَنْعَدِم في مُواجهته كل أسلحة الاستبداد والقمع والطغيان .
الإحياءُ يَحتاجُ فقط إلى امتلاكِ وَعْيٍ بالحَدَث الذي نُحيي ذِكْراه ، وكذلكَ إلى شَمْعَه — أو شموع ، لأنَّ “نيسان ٤٨ “في حياة الشعب العربي الفلسطيني مَليءٌ بأحداث النّكبة —
والإحياءُ يَحتاج من كل مِنّا إلى دعوة أفراد العائلة —برِفْق ولُطف وبطريقة تَجْذِبُ ولا تُنَفِّر وخاصة للأطفال والأجيال الشابّة —، ورُبّما أصدقاءَ آخرين للاجتماعِ في رُكنٍ مُحَبَّبٍ في البيت ، والإشتراك جميعاً في إضاءة شَمْعَةِ الإحياء لحَدَثٍ من أحداث النّكبة، ولتناول ذلك الحَدَث ووقائعه بالحديث عنه، والتحاور بخصوصه، وحول طبيعة الجرائم المُرْتَكبة فِيه، وأبعادها ومَراميها ومَغازيها .
ذلكِ هو ابسط انواع الوفاء لفلسطين ، وللقيم الانسانية ، وأيضا لقضية شعبها ، وهو شَكلٌ لا يُقْهَر من أشكال النضال، وهو جُهْدٍ ضَروري وَإِنْ كان غير كافي لإزالة الظلم .
********************
مَلَكَني ،منذ بداية نيسان لهذا العام، رغبة في الحديث عن رَجُلٍ من رجال بلادي ، لا زال إسمه مَطبوعاً في ذاكرة الكثيرين مِنّا .
وهذا الرجل ، إجتمعتْ فيه الكثير الكثير من عناصر القيادة ،والإنسانية، والإيثار ، والتضحية .
سأتحدثُ عن واقعة استشهاد هذا الرَّجل ، لأنَّ هذه الواقعة الدامية والحزينة ، قد سَطَّرت الكلمات الأولى في صَفحة “النَكْبَة” الفلسطينية الشاملة في التاريخ الإنساني الحديث .
وإذا كان النِّصف الأول من القَرْن العشرين قد شَهِدَ نَكَباتٍ كثيرة ، فإنَّ نَكْبَتان مِنْها تُعتبران في تاريخ الإنسانية كلها وعبر تاريخها كُلّه حَدَثان مُمَيَّزان بالأسى والعِبْرة:
الأولى ، نَكبة اليهود في أُوروبا على يَدِ النازية والفاشية الاوروبية والتي تَمَظْهَرَت في أبشع صُورها في المَحْرَقة ؛ الهولوكوست .
الثانية ، نَكْبِة الفلسطينيين العَرَب في فلسطين على يد الصهيونيين اليهود ، وبعضهم من ضحايا النازية والفاشية الذين خَدَعَتهم الحركة الصهيونية بفكرها الفاشي والعنصري ، وعَبَّئتهم وجَنَّدَتهم في حَملات اقتراف جرائم التطهير العرقي والطرد للفلسطينيين من مُدُن فلسطين وقُراها وباديتها في العام ١٩٤٨ ، وما بعده .
ومما يُثير الأسى أيضاً ، أنَّ تلك الجرائم ، وهي جرائم صريحة ضد الإنسانية ، قد ارتكبتها منظمات الإرهاب الصّهيوني المُسلحة ، والتي نَشَأتْ وتَرَعْرَعتْ في كنف سُلطات الإنتداب البريطاني على فلسطين ، وعلى مَرآى ومَسْمَع من قُواتها فيها ، وذلك في انتهاك فاضح لأحكام صك الانتداب الذي أصدرته ” عُصْبة الأُمم ” والذي ألزم الدولة المُنْتَدَبة على فِلسطين ( أي بريطانيا) في الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية للفلسطينيين ، وحمايتهم وتمكينهم ومساعدتهم في اقامة حكم مدني ديمقراطي في بلدهم فلسطين، هذا من جهة ، ومن جهةٍ أُخرى في انتهاك صريح لأحكام قَرار التقسيم رقم ١٨١ الذي اصدرته الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، وكذلك لأحكام ميثاقها والمعاهدات الدولية.
******************
الرجل الذي سأتحدث عنه هو عبد القادر الحسيني.
هناك روايات عديدة حول تاريخ ميلاده ، إحداها انه استشهد في نيسان من عام النكبة ٤٨ ، في ذات اليوم الذي وُلِدَ فيه ، أي في الثامن من نيسان .وقد خَطَفَت الأقدار روحه بعد أقرضتها للقدس وبلاده فلسطين مُدة واحدٍ واربعين عاماً .
يقول المُناضِل بهجت أبو غربية في مذكراته التي نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية في العام ١٩٩٣( الطبعة الاولى ) ان عبد القادر قد عاد من دِمَشق الى القدس في صباح يوم الاربعاء الواقِع في ٧ نيسان ١٩٤٨ وأنَّه سأل أخاه صبحي الذي كان يرافق عبد القادر :
هل أحضرتم معكم سلاحاً ؟.
فأجابه : لا أدري.
عَرِفَ بهجت ان عبد القادر قد نزل في بَيتٍ أخيه فريد في حي باب الساهرة ، فتوجه فورا الى هناك ، ووجد على الباب : ” عوض التِّرْمِسْعاوي ” ، الحارس الشخصي لعبد القادر ، فسأله عن كميات وانواع السِّلاح التي أحضروها من دِمشق ، فقال له :
” تقريباً ، لَمْ نُحْضِر شَيئاً”
سأله: أين أبو موسى ( أي عبد القادر )
أجابه:
“جُوّا ، نايم ، يستريح . إلْنا طول الليل بنمشي ، خَرِجنا من الشام متأخرين . وبِدّو ينام ساعتين “
بعد ساعتين ، عاد بهجت الى بيت فريد ، وهناكَ إلتقى بعبد القادر ، وكان في أشد حالات الغضب ، وقال له فَوْراً :
” مطلوب منك مأمورية لا يستطيع ان يقوم بها غيرك ، أُريدك أن تذهب الى كامل عريقات ، فَقَدَ عَلِمتُ أنَّ حصَّته من الغنائم العسكرية من معركة الدهيشة كانت مصفحة ، وعِدّة رشاشات ، وأنا أعتبرها مَلِكاً للقيادة ،… أحضرها لي “.
ذهبتُ فورا الى بيت كامل عريقات في قَرْيِة أبو ديس ، فوجدته في السرير بِسَبَبِ جُرْحه الذي أُصيبَ به في “مَحْجَر الياشار” في اليوم السابق . كانت تَرْبِط “بَهجَتْ” بـ”كامل” أواصر نَشأت حديثاً من خلال علاقة كُلٍ منهما بالحزب العربي الفلسطيني ( وهو الحِزب الذي انتمى الى عضويته عبد القادر في العام ١٩٣٥ ، وادار مَكتبه في القدس ) ومُنظمة الفتوِّة التابعة له . يقول بهجت في مذكراته ان آدائه المُهِمّة قد استغرقت وقتا طويلا بما في ذلك تَناولَ طَعام الغداء ، وانه نجح في أَخْذ المصفحة اليهودية ، وكانَتْ في حالة جيدة جدا ، وحصل ايضا على ستة رشاشات من نوعيات مختلفة ” لم يكن لدينا مثلها ، وكانت جميعها غير صالحة، … غَيْر ان من الممكن اصلاحها “.
يقول بهجت ؛ ” توجهتُ مع المُصَفّحة الى القدس ، الى حَي باب الساهرة حيث بيت فريد ” ، وهناك ، “قيل لي ان عبد القادر قد غادر البيت الى القَطَمون “.
ويُِضيف ، “إتصلتُ تلفونياً بقيادة إبراهيم أبو ديّة (قائد الجِهاد المُقدس” في القَطَمون ، وسألتُ عن إبراهيم ، وعبد القادر ، فقيل لي إنهما غادرا القَطَمون الى ( قَرْية ) القَسْطَل عن طريق ( قَرْية ) عين كارم “.
ويَستطرِد قائلاً ؛ ” لَمْ أكُنْ أُقدِّر أن عبد القادر سيشن هجوماً مركزا على القَسْطَل في تلك الليلة ٧— ٨ نيسان ١٩٤٨”.
تَقع قَرْية القسطل على بُعْد عشرة كيلومترات الى الغرب من القدس على قمة جبل استراتيجي يُسيطر على طريق القدس — يافا وعلى المنطقة المحيطة به ، ويرتفع (٧٥٠) مترا عن سطح البحر ، في حين ان ارتفاع الطَّريق العام قُرْب القَسطل (٥٠٠) متر فقط، اما عدد سكانها فكان بحدود (٣٠٠) نسمة .
وكانت القرية كما يقول بهجت في مذكراته وعلى مدى التاريخ حِصناً عسكريا لا يُضاهيه في أهميته العسكرية في شمال القدس سوى قمة النبي صموئيل .
ويُضيف بهجت قائلا ان بيت مختار القرية كان يقع في اعلى قمة القَسْطَل ، الى جانب مسجد صغير ومقبرة وبقايا قلعة . كما يقع في الجهة الغربية من منحدر التلّة حُرْج كثيف الشجر.
وتُحيط بالقسطل من ناحية الشَّرق مُستعمَرة موتسا التي تبعد نحو كيلومتر واحد ، و على ذات المسافة من ناحية الغَرْب مستعمرة العنب ( الدلب )، والى الجنوب على مسافة كيلومتر ونصف ، تقع محجر الياشار اليهودي الكبير.
يقول بهجتْ أنه لَمْ يَكن في القرية سوى عدد قليل من ابناءها المسلحين ببعض البنادق الخاصة ، عندما هاجمتها قوة كبيرة من رجال البالماخ في يوم السبت الموافق ٣ نيسان ١٩٤٨ ، وكانت القوة مزودة بالمصفحات ومدافع المورتر ، واحتلتها بعد معركة قصيرة مع سُكّانها . ويُضيف ، بأن الجيش البريطاني لم يتدخل ليمنع اليهود من احتلال القرية او إجلاء سُكّانها مع ان تعليمات قائد الجيش البريطاني للعَرَب واليهود كانَتْ تَمْنع وجود مسلحين او مَظاهر عَسكرية على طريق القدس — يافا، وهو الأمر الذي طُبِّق على العَرب مِراراً كما يقول بهجت.
ويُضيف بهجت قائلا أن عبد القادر كان قد ذَهَبَ الى دمشق (في أواخر آذار ١٩٤٨) في مُحاولة للحصول من اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية على سلاح وذخيرة للمُناضلين المُرابطين في مدينة القدس وقُراها ، لكِنّه تلقى أخبار احتلال القَسْطَل وهو في دمشق ، وكان مجتمعاً مع اعضاء اللجنة .
[استشاط عبد القادر غضباً عندما أيقن حالة التردد لدى اعضاء اللجنة في الاستجابة لطلباته ، وصاح بأعضاء اللجنة بأنهم قائلا :
“لقد كانت خطتي إلى الآن أن أحاصر القدس والمستعمرات اليهودية وباب الواد، وأن أمنع وصول النجدات المؤن إليها، ونجحت هذه الخطة حتى أنّهم شرعوا يُمَوِّنون رجالهم بالقدس وفي المستعمرات بالطائرات، وأما الآن فقد تطورت الحال وأصبح لديهم مدافع وطائرات ورجال وليس باستطاعتي أن أحتل القسطل إلا بالمدافع.. أعطني ما طلبت وأنا كفيل بالنصر …”]
لكن مَطالبه لَمْ تلقَ أُذْناً مَسموعة ، فقرر عبد القادر العَوْدة فورا الى القدس
كان عبد القادر يُدْرِكُ أنّ ” القَسْطَل هي القدس ” وان سقوطها يحعل القدس مُهددة بالسقوط،
غادر القدس إلى دمشق في أواخر مارس / آذار عام 1948 للاجتماع بقادة اللجنة العسكرية لفلسطين التابعة لجامعة الدول العربية، أملاً في الحصول على السلاح ليشد من عزم المقاومين على الاستمرار والاستبسال في القتال ، وأوضح أنه بمساعدتهم سينهي الوجود اليهودي فيها ، وأن الانتظار حتى خروج الإنجليز من فلسطين يجعل اليهود يستولون على مساحات أكثر من الأرض ويحتاجون مجهود مضاعف لو تركوا حتى انسحاب الإنجليز.
وقد طالبته اللجنة العسكرية بعدم افتعال تصرفات فردية ، وأن جامعة الدول العربية قد أوكلت قضية فلسطين إلى لجنة عربية عسكرية عليا ، وطالبوه بعدم الذهاب نحو القسطل ، فقال ردا عليهم :إنني ذاهب إلى القسطل وسأقتحمها وسأحتلها ولو أدى ذلك إلى موتي ، والله لقد سئمت الحياة وأصبح الموت أحب إلي من نفسي من هذه المعاملة التي تعاملنا بها الجامعة ، إنني أصبحت أتمنى الموت قبل أن أرى اليهود يحتلون فلسطين ، إن رجال الجامعة والقيادة يخونون فلسطين .
كان الشهيد عبد القادر في اجتماع مع اللجنة العسكرية يستعطف اللجنة العسكرية لفلسطين قائلا : لقد كانت خطتي إلى الآن أن أحاصر القدس والمستعمرات اليهودية وباب الواد، وأن أمنع وصول النجدات المؤن إلى اليهود، ونجحت هذه الخطة حتى أن اليهود شرعوا يمونون رجالهم بالقدس وفي المستعمرات بالطائرات، وأما الآن فقد تطورت الحال وأصبح لدى اليهود مدافع وطائرات ورجال وليس باستطاعتي أن أحتل القسطل إلا بالمدافع.. أعطني ما طلبت وأنا كفيل بالنصر …”
فقال له الباشا: “شونو عبد القادر؟ ما آكو مدافع!…”، وقال له الشراباتي وزير الدفاع (السوري): “إذا احتل اليهود القدس فسنأتي ونخرجهم منها، أو نقتل فيها..”
ولكن أعضاء اللجنة لم يتهموا لقوله وسخروا من حماسه واندفاعه ،فاستشاط عبد القادر غضبا ،وقال : ” إنكم تخونون فلسطين ..إنكم تريدون قتلنا وذبحنا.. إن التاريخ سيتهمكم بإضاعة فلسطين ” .! كان الشهيد عبد القادر الحسيني في دمشق يتوسل إلى اللجنة العسكرية العربية السلاح والمال لمجاهدي فلسطين عندما وردت أنباء عن سقوط قرية القسطل القريبة من القدس بأيدي القوات اليهودية، وكان احتلال القسطل جزءاً من خطة يهودية أوسع تستهدف وصل يافا ( تل أبيب) بالقدس، التي كان الحي اليهودي فيها يعيش شروط حصار قاتل.
ولم تكن الدول العربية تريد مواجهة مع بريطانيا قبل انسحابها من فلسطين ، ورأت أن أي عمل عسكري الآن سيعني مواجهة حتمية مع بريطانيا ، ولكن عبد القادر الحسيني بدأ يرسل إلى المتطوعين من الحركات الإسلامية في فلسطين ومصر وما حولها ، ثم إنه طوق القسطل، وبدأ يستنجد مرة أخرى بالقيادة العسكرية ، وأرسل إليهم ، بيد أن القيادة العسكرية للجامعة العربية أصرت على موقفها .
وأثار ذلك الترنح في مواقف الجامعة العربية حفيظة الحسيني ، وثارت ثائرته فأطلق صيحته قائلا :وإنني سأموت في القسطل قبل أن أرى تقصيركم وتواطؤكم.
وقد ذكرت “جريدة المصري” أن اللجنة العسكرية العليا التابعة للجامعة العربية جعلت تسخر من عبد القادر الحسيني وضعف قوته وعتاده اللذين يحملهما لمواجهة اليهود، وهزأ منه طه الهاشمي وأخبره أن لدى اللجنة العتاد والسلاح ، ولكنها لن تعطيه لعبد القادر ، ولكنها ستنظر بالأمر بعد 15 مايو فكان رد الحسيني عليه:
والله يا باشا إذا ترددتم وتقاعستم عن العمل فإنكم ستحتاجون بعد 15 مايو إلى عشرة أضعاف ما أطلبه منكم الآن ، ومع ذلك فإنكم لن تتمكنوا من هؤلاء اليهود ، إني أشهد الله على ما أقول ، وأحملكم سلفا مسؤولية ضياع القدس ويافا وحيفا وطبرية ، وأقسام أخرى من فلسطين ” .
أما صديقه ” قاسم الرمادي ” فقد قال : ليسقط دمي على رأس عبد الرحمن عزام ( أمين الجامعة العربية ) وطه الهاشمي وإسماعيل صفوت (قادة القوات العسكرية التابعة للجامعة العربية ) الذين يريدون تسليمنا لأعدائنا لكي يذبحونا ذبح النعاج ، لكننا سنقاتل بدمائنا وأجسادنا ، وليبق السلاح مكدسا في عنابر اللجنة العربية ، وفي مزابلها ، سنرجع إلى فلسطين لنحقق أمنيتنا بالفوز بإحدى الحسنين إما النصر وإما الشهادة “.وقرأ قوله تعالى: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ . النساء.
ثم أرسل عبد القادر الحسيني رسالة إلى الجامعة العربية في 6/4/1948م لتبقى شاهداً على الجامعة العربية ، ليعرف المخلصون من ضيع فلسطين : منظمة الجهاد المقدس
القيادة العامة
القسطل فى 6/4/1948م .
مذكرة إلى السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية إنى أحملكم المسئولية بعد أن تركتم جنودى فى أوج انتصارتهم بدون عون أو سلاح .
عبدالقادر الحسينى
يقول صالح مسعود أبو يصير : وأدرك عبد القادر أنه يخاطب قوما ليسوا فى مستوى أحداثه وكانت أمامه خارطة رفعها ورمى بها فى وجه الباشا ، وقال بصوت مرتفع : أنتم خائنون …أنتم مجرمون سيسجل التاريخ أنكم أضعتم فلسطين ، سأحتل القسطل وسأموت أنا وجميع إخوانى المجاهدين
كانت وَجيهة الحسيني وأولاده ينتظرون عودته اليهم في ذلك اليوم ، ربما يشاركونه احتفالا بسيطا بذكرى عيد ميلاده عندما جاءها عبد القادر محمولاً على الأكتاف وسط جموع هائلة من ابناء القدس وقراها وحملة السلاح .
وجرى افتتاح الخط الحديدي الحجازي، الذي بلغ طوله 1464 كيلومترًا مع فرع حيفا، من قبل السلطان عبد الحميد الثاني شخصيًا، في حفل أقيم يوم 1 سبتمبر/أيلول 1908.
عبد القادر موسى كاظم الحسيني ولد في القدس في ٨ نيسان ١٩٠٨، واستشهد في القَسْطَل القريبة من القدس ودفن في باب الحديد في القدس في يوم عيد ميلادك الحادي والاربعين .
وموسى الحُسيني كان يشغل رئيس بلدية القدس عندما احتل البريطانيون القدس في ٩ كانون اول ١٩١٧. وقبل ذلك عمل في منصب قائم مقام في صفد وعَجْلون ثم مُتصرفاً مَسؤولاً في الأناضول وشرقي الأُردن وكذلك في نجد وعسير .
يُعْتَبَر موسى الحسيني ، ابن القدس وفلسطين ، أحد القادة القوميين العرب في المَشْرِق العَرَبي خلال الثلث الأول من القرن الماضي .
بناءً على دعوة الجمعية الاسلامية المَسيحية الفلسطينية لزعماء ووجهاء فلسطين ، انعقد المؤتمر العربي الفلسطيني الاول في مبنى المتصرفية ( والذي أصبحَ فيما بعد مدرسة دار الايتام الاسلامية ) في القدس في ٢٧ كانون اول ١٩١٩برئاسة عارف الدجاني
واستمرت جلساته حتى يوم ١٠ شباط ٢٠٢١ بهدف تحديد مَطالب الشعب العربي الفلسطيني وانتخاب ممثلين عنه لعرض مَطالبه على مُؤتمر السلام في باريس .
انتخبه المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث الذي انعقد في مبنى المتصرفية في القدس في أوائل كانون الثاني من العام ١٩١٩ برئاسة عارف الدجاني رئيسا للجنة التنفيذية للمؤتمر .
في ٣١ آذار ١٩٢٠ ، وَصَلَت الى الحَرَم القدسي الشريف مواكب قُرىً القدس لبدء الاحتفال بموسم النبي موسى ، وتلاها في اليوم التالي وُصول موكب كبير لاهل نابلس الى حي الشيخ جراح في شمال القدس ، وقد استقبله موكب شباب القدس بالاناشيد ، ثم دَخَلَ الموكب الى المدينة القديمة تتقدمهم حلقة كبيرة من الطلاب .
وبعد صَلاة يوم الجمعة ، خرج الموكب من الحَرَم ، وكان بانتظارهم عند احد مداخل الحَرَم جمهور كبير من فلسطينيي القدس المسيحيين العرب يَحمِل شبابهم الاعلام ، واتجه الموكب الى مَنطقة راس العمود .
توجهت الحشود بعد ذلك الى مقام النبي موسى .
وفي يوم ٤ نيسان ، وصل موكب مَنطقة الخليل وانضم الى مواكب القدس ونابلس عِنْد ساحةباب الخليل ( باب يافا ) حيث مقر المجلس البلدي ، والنادي العربي ، وقام عدد من الشخصيات الفلسطينية بإلقاء الخطب ، وكان مِنهم وقيس البلدية موسى كاظم الحسيني .
وفي الوقت الذي كان الحاج امين الحسيني يلقي خطبته ، حَصَل هياج واضطراب عام في الساحة ،حيث اشتبك الشّباب الفلسطيني مع آخرين من اليهود .
استمرت الاشتباكات ما بين الفلسطينيين العَرب من جهة ، واليهود والجيش البريطاني من جهةٍ اخرى لمدة ثلاثة ايام جَرَت خِلالها محاولة اغتيال مفتي القدس كامل الحسيني من قبل عدد من الشباب اليهود .
في ٢٩ نيسان ١٩٢٠، اصدر الحاكم العسكري العام لفلسطين ( الجنرال بولز ) أمراً بتشكيل لجنة عسكرية للتحقيق في احداث موسم النبي موسى ، وتشكيل محكمة عسكرية .
وفي ذات اليوم ، استدعى الجنرال بولز أعيان القدس ومن ضمنهم رجال الدين ورُؤساء الطوائف الدينيةالى داره ، وتلى عليهم بيانا جاء فيه :
“قرر المجلس الأعلى ( لعصبة الامم ) إنتداب دولة فلسطين ( اي فَرْض الانتداب على دولة فِلسطين ) ، وأن يدمج تصريح بَلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين في مُعاهدة الصُّلح مع تركيا. وق عُرِضَ الانتداب على بريطانيا فقبلته، وهي تَحكم البِلاد لخير سُكّانها ، وأُعلن عليكموعد بَلفور، وأقول لكمأن إدماجه في صَك الانتداب يَعني عدم التعرض للعادات الدينية، والأماكن المقدسة ، وعدم تقييد شيءٌ في الحُرِّية الدينية بِشرط المحافظةعلى النظام والأمن العام ، ويُسمح للمهاجرين بدخول البلد قَدْر حاجتها الى النُّمُو والإرتقاء ، وتُسيطر حكومة بريطانيا على المهاجرة ، ولا يُخرَج أصحاب الأملاك الحاليون من املاكهم ولا تُنزَع منهم، ولا تُمنَح امتيازات اقتصاديةلأفراد أو جماعات إذاً كان في مَنحها ضَرر لغيرهم . فالحكم سيكون للحكومةًالبريطانية ولا يُسمح بأي حال من الأحوال لأقلية أن تُسيطر على الأكثرية من السُّكان ، ومتى حان الوقت لإنشاء شِكِلْ من أشكال الحكم النيابي ، فَفي هذهالحالة، تُعقَد الآمالالعظيمةعلى زيادة السَّير لجميع سكان البلاد ، وقد صدر هذا القرار بعد طول انتظار ، فيجب انهاء الخلافات السياسية والاضطرابات ، وعلى جميع الفلسطينيبن الحقيقيين أن يتباروا لخِدْمة فلسطين والاجيال القادمة “.
قامَتْ سلطات الاحتلال باعتقال موسى كاظم الحسيني ، رئيس البلدية ، وقَررت اقالته من منصبه كرئيس بلدية القدس ، واصدرت المحكمة العسكرية حكما غيابيا باعدام الحاج امين الحسيني وعارف العارف الذين تمكنا من الافلات من الملاحقة والاعتقال والالتجاء الى مدينة السلط -شَرْق الاردن.
في يوم ٦ نيسان ، اعلنت سلطات الاحتلال البريطاني ( الادارة العسكرية البريطانية ) فَرْض الاحكام العسكرية في فلسطين واغلاق ابواب مدينة القدس القديمة، ومَنْع الخُروج او الدخول اليها الا بإذن من الحاكم العسكري البريطاني ، ومنع التجول في الاحياء الفلسطينية العَربية والبلدة القديمة ، وقامت السلطات العسكرية بحملة اعتقالات واسعة .
وقد قاد مظاهرات عام ١٩٢٠ في القدس المُنَدِّدَة ببريطانيا وفرنسا لقيامهما بفصل فلسطين عن نطاقها العربي السوري الجيوسياسي الطبيعي .
وبسبب مواقفه السياسية ونشاطاته الوطنية المُناهضة لسلطات الاحتلال البريطاني لفلسطين ، أقالته تلك السلطات في العام ١٩٢٠ .
وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته في ٢٧ آذار من العام ١٩٣٤ ، وقد تُوفي متأثرا بإصابة ألحقها به جنود الاحتلال البريطاني في المظاهرة التي انطلقت في يافا في ٢٧ تشرين اول من العام ١٩٣٣ ، وهي المظاهرة التي حددت التناقض الرئيسي هو مع بريطانيا بصفتها القوة التي احتلت فلسطين ، واصدرت وَعْد بَلفور والمعينة من قبل عُصْبة الامم كسلطة انتداب على فلسطين .
*******************
” سنبدأ في الساعة الثالثة والنصف الإحاطة بالقسطل والصعود اليها . ستحصل على التعليمات بخصوص ذلك . لكن تذكر ، يتعين تحقيق هذا الهَدَف على نحو قاطع ! هل لديكم اي أسئلة أخرى ؟ ”
أجابه أحد قادة الفرقة ، وقد كان يجلس بالقرب من عوزي ناركيز ، وهو قائد وِحْدة البالماخ المؤلفة مما يزيد عن مائة رجل، سائلاً :
” ومتى سنأخذ قِسْطاً من الراحة ؟ “
بصق ناركيز ، ثم أَخْذ يحك وَجْهه النحيف الملتحي . واطرق مفكراً ، وقال لنفسه ، هذا سؤال جيد . لقد كان قد أصر لديڤيد شالتيل ، وهو قائد الهاغاناه في القدس ، انه وبَعْد ان تَقوم طليعة قوات البالماخ باحتلال القَسْطَل ، فإنّها سيتم استبدالها فورا بقوات هاغانا نظامية من فِرقة عيتصيوني Etzioni Brigade المتمركزة في القدس . سَوفَ لا يُسمح بهدر قُدْرات قوة البالماخ عالية التدريب والمعنويات عبر تكليفها القيام بأعمال حراسة ودفاع ، وَهْم الأكثر احتياجا للقيام بأعمال هجومية في اماكن اخرى . لكنه لم يكن يرى انه من الضروري ان يشرح كل ذلك لرجاله في لحظة بالغة الحراجة كهذه .
اجاب : ” اسمحوا لي أن أقلق بشأن ذلك “.
وهكذا ، وفي الثالث من نيسان ، اي بعد يومين من اليوم الذي ووضع فيه بن غوريون خُطّة ناحشون مَوْضِع العَمل ، كان اليهود يهاجمون . كانت قوات ناركيز جزءا من الفرقة ؛ بالماخ هاريل ، والتي كُلفت بالهُجوم على القَسْطَل من جهة الشرق ، في حين كانت فرقة جيفاتي ، تحت قيادة شمعون أڤيدان ، والذي كان ايضا يَتولى مسؤلية قِيادة العَمَلية بأكملها ، قد هاجمت سفوح تلال اللطرون من جهة الغرب .
زحف قادة مجموعة ناركيز يزحفون عائدين الى رجالهم ، الذين كانوا يقفون وهم في حالة توتر على طول خندق الى جانب الطريق . واخيراً ، تم الهمس باشارة التّقدم :
” فالتقدم الرشاشات “.
تدافع الرجال من الخندق ، وتقدموا الى اعلى على طول مَمَر دائري صخري . كان ماركيز يراقب رجاله وهم يتقدمون منحدرا جبليا قاحلاً تحت ضوء القمر . حجب الظّلام الدامس القُدْرة على رؤية القَرْية الجاثمة على سطح التلة في ظل قلعة رومانية قديمة . لكن القَسْطَل ، وبَعد كل هذه القرون ، فَقَدَ بَقيت كالحارس الوحشي يسد الطريق المتجه نحو القدس ، ويهيمن على كامل المَنْطِقة لاميال مِنها . اما الممرات الحجرية ، فقد كانت تقود الطريق نحو ثوبا وقِمّتها المسطحة والتي تقع على بعد ميل تقريبا مِنها ، ولقُرى رام الله نحو الشمال .
كم سَقط من اليَهود من رصاص وقذائف رجال اطلقوها من خلف الصخور ، ومن خلال الشقوق فيها .
وكم تم تحطيم قوافل وحرقها على طول الطريق الملتف حول قَدمه …
” اتبعني !” ، همس ماركيز بأذن الرجل الذي يمشي خلفه ، وبدأ في التسلق الى اعلى التلة خَلَف فمجموعات الرشاشات .
وخلال ساعة ، وَجَدَ العرب المذهولين من المُفاجأة انفسهم يهرولون الىًاسفل المنحدر . واستولى اليهود على اول قرية عربية . ومن القَسْطَل ، اصبح الامكان الانطلاق بهجمات الى ان تم السيطرة على كامل المرتفعات المشرفة على طريق القدس – تل أبيب والتي سقطت بيد اليهود .
” دمر كل البيوت ، وتحصن ” ، خاطب ماركيز موردخاي چازيت ، والذي تسلق الى القَسْطَل مع (٣٥) رجلاً من فِرقة عيتصيوني الجديدة والتي جاءت لتحل محل ماركيز ووحدته بعد عدة ساعات من السيطرة على القَسْطَل . كانت مُهِمة القادمين الجدد الامساك بالتلة .
قام چازيت بتحصين القَسْطَل ، لكِنّه تَوصل الى انه يستطيع فقط الدفاع بفعالية عن التلة عبر احتلال عدد من المرتفعات الموجودة بيد العرب والتي كانت تحيط بالقشطة. سيطر رجاله بعد ذلك على ثلاثة مرتفعات ، لكن العرب قاموا بهجوم معاكس ، وتمكنوا من دَحر اليهود من القَسْطَل والذين وجدوا انفسهم في نهاية المطاف محاصرين ، وقد نفذت مِنهم ذخائرهم والغذاء .
***********************
وفي هذه الاثناء ، وصلت الى دمشق انباء سُقوط القَسْطَل ، وهو حدثٌ كان عبد القادر قد جاء الى دمشق قبل ايام عديدة من وقوعه للتوسل لمسؤولي الجامعة العربية لتزويده بالسِّلاح لأجل مُواجهة هجوم يهودي كان يَعلم انه وشيك الوقوع . كانت جهود عبد القادر قد أصابها الإحباط بسبب استياء الجامعة العميق من المفتي — وهو الذي كان يُمَثل الروح وراء القوة الفلسطينية — وفي الحقيقة فإن عبد القادر كان يلتقي بقياديي الجامعة عندما هرع الى غرفة الاجتماعات مراسل يحمل بيده تقريراً سَلَّمه للجنرال اسماعيل صفوت باشا الذي صرخ مذهولاً : ” يا إلهي ! ، لقد سقطت القَسْطَل بيد اليهود”. لقد كان الجنرال صفوت يشغل رئيس اركان القوات العَرَبية في فلسطين .
سادت حالة من صمت صادم .ثم التفت الجنرال صفوت الى القائد الفلسطيني وقال له :
“عبد القادر ، ان رجوعك الى فلسطين هو أمر تقرره أَنْت . اذا لم تكن قادرا على ذلك ، اخبرنا ، عندها سنطلب من القاوقجي القيام بالمهمة “.
اما عبد القادر والذي كان مسؤولا عن مَنْطِقة القُدس ، فَقَدَ استشاط غضباً وقال بلهجة حاسمة :
” يا باشا، ان ‘القَسْطَل’ كلمة مشتقة من الكلمة الاجنبية (castle). ومعناها قلعة محصنة ضد البنادق الايطالية ، والقدر الزهيد من الذخيرة الذي نمتلكه . اعطني السلاح الذي طلبته منك ، وسأسترجع القَسْطَل . ان خطتي هي في ان أحاصر القديد، والمستعمرات اليهودية وباب الواد …..على اي حال ، ان اليهود يَمتلكون في الوقت الراهن المدافع والطائرات ، ولديهم رجال مدربين ، وانه من المستحل عليَّ ان استرجع القَسْطَل بدون مدافع . اعطيني ما طلبته منكم ، وانا أضمن لك ان احقق الانتصار “.
قاطعه الجنرال صفوت قائلاً : يا عبد القادر ، ألا تستطيع ان تفهم ؟ ليس لدي مدافع لأُعطيك اياها !”
وهنا ، انتفض عبد القادر من مقعده ، والتقط خارِطة فلسطين التي كانت مفروشة على الطاولة ورماها في وجه الجنرال صفوت ، وصاح قائلاً :
” يا خونة !” ” يا مجرمين ! ان التاريخ سوف يسجل انكم قد تخليتم عن فلسطين . اني عائد الى القَسْطَل — بسلاح او بدون سلاح . سأعيدها او أموت !”.
*******************
عاد عبد القادر الى القُدس في يوم ٦ نيسان ١٩٤٨ وتناول الفطور مع عدد من قادة مجموعاته ، وكان بهجت أبو غربية أحدهم . وبعد أن أصدر أوامره إلى بهجت لجمع ما يستطيع تجميعه من سلاح وذخيرة ، ذَهَبَ الى مركز قِيادة المجموعات والتي كان يقودها إبراهيم أبو دية وهو الذي كان قد قاد الهجوم على خط الخمسة والثلاثون بالقُرْب مجمع مُستعمرات كفار عتصيون ، وقال :
“تعال معي يا ابراهيم . سأقود الهجوم على القسطل.”
أما ابراهيم ، فقال له : “ولكننا نحتاج للتجهيز للهجوم …”.
أجابه عبد القادر : ” لا تَهتم . سنُهاجم في الليل”.
حَشَدَ عبد القادر قُوّة من مائة وخمسون رجلاً ، وحَمّلَ الحمير برزم الذخيرة . كان الوقتُ مُتأخراً عندما مَشى القائدان في ذلك اليوم نَحو تَلّة بالقرب من القَسْطَل ، وهناكَ وفي بيت حَجَري مَهجور ، أقام مركز قيادته وكان البيت يَبعُد عن مواقع اليهود نَحو ميلين . وهناك ، جَرى وضع خطة الهُجوم ، ومع بُلوغ مُنتصف الليل على وجه التقريب ، كان أبو دية قد جَهَّزَ رجاله للتقدم لمشاغلة اليهود والإشتباك مَعهم . أما عبد القادر ، فَقَدَ بقي في الخُطوط الخَلفية مع زمرة قَليلة من الرجال المَدَنِيين غير المسلحين .
” لا تَدَعْه يَتْبَعنا “،
وَجَّه أبودية كلامه هذا لعبداللة العُمَري ، وهو مساعد مَدَني ، وكان يَعرف عبد القادر وميوله المُنْدَفِعة . ثُمَّ قال :
” لا يُمكننا أخذ أي مجازفة في هذا الخُصوص. نَحنُ في أَمَسِّ الحاجة له”.
قاطَعَه عبد القادر قائلاً : ” لا تَقْلَقْ ، سأبقى هُنا ” .
كان عبد القادر مُسْتَغْرِقاً في دِراسة تفاصيل خارِطة كانَتْ على الطاولة .
تَعَرَّضَتْ القَسْطَل لهجوم عاصِف . بَقِيتْ عُيون عبد القادر مُسَلَّطَة على الخارطة . كان نَفَسَه يَتسارع ، ولكنه لم يَنْطُق ببنت شفة . ومع ارتفاع وتيرة المَعْرَكة ، ودُنُو أصواتها مِنْ مَسامِعه ، إرتدَّ عبد القادر إلى الوراء قليلاً ، وأخذَ يرتشف من كُوب الشاي القريب منه …
كانَ قد استلم رسالة من زوجته . كَتَبَتْ له تقول :
” أدعو الله أنْ يُؤازركَ بالنصر والسلام . يا عبد القادر، إنّي أكتب إليك والدموع لا تُفارق عَيناي . لقد ذَهَبَتَ وتَركتنا وراءك . لكنها هذه هي مَشيئة الله . تَرْكِكَ لنا كان وَقْعَه علينا صعبٌ جِدّاً ، لكننا نبتهل لله ونَدعو لك .”
وهو على هذه الحال ، باغته رسول جاءه يقول :
” يا عبد القادر ، لقد أرسلني إليكَ إبراهيم . هُو يقول لك أنّه في وَرْطة ، ويَحتاجُ لمزيدٍ من الدَّعم والمساندة “.
إسْتَلَّ عبد القادر رَشّاشَه ألـ ” ستِنْ ” وعَينيه السُّود تحترقان ، وأعلن :
” أنا ذاهبٌ للتَّمَشي قليلاً “.
لكنَّ العُمَري تضَرَّع إليه بالقول :
” مِنْ شان ألله ، لا تَذهَب “.
” لَنْ أذهب بَعيداً . أُريدُ أنْ أعرف مُجريات الأمور هناك “. قال عبد القادر.
رافق العُمَري ، وموسى شقيق عبد القادر ، ورَجُل آخر عبد القادر وهو يَتحرك إلى الخارِج . وما لَبِثَ أن انفجرت بالقُرْب مِنْهم على بُعْدِ ياردات قَليلة قذيفة مُورترْ تَسَبَّبتْ بإلحاق جروح طفيفة بعبد القادر والرّجل الآخر ، أمّا عبد الله العمري فَقَدَ نَجى من الإصابة .
صَرخَ العُمَري قائلاً : ” دَعونا نَعود الى داخل البيت ، وسأقومُ بتَضميدِ جِراحكما “.
ضَحِكَ عبد القادر . وكان في هذا في الوقت يَضْغَط بِيَدِه على الجرح الذي أصابه في وِرْكِه ، وعَلَّقَ على دعوة عبد الله العُمَري قائِلاً :
” أَلجُرْحٍ بَسيط مِثْل هذا ..؟ ، لقَدْ أُصِبْتُ بجُروحٍ أسوأ بكثير من هذا الجرح “.
إستمر عبد القادر في التقدم نحو جبهة القتال بمُرافقة شقيقه موسى، وكان يَعْرِج قليلاً بسبب الإصابة التي لَحِقَتْ به. وعندما مضوا في الطريق مُتسلقين لمسافة أُخرى، لاحَظَ عبد القادر أنَّ النيران الصادِرة من الجانب العربي من جبهة القتال أخَذَتْ في التضاءُل ، ثُمَ تَمتَمَ قائلا :
” لماذا أوقفنا إطلاق النيران عليهم ، إذهب يا موسى ، وتَحرّى عن الأمر “. أجابه موسى:
” وماذا عَنْك ؟ أنا لا أُريد أنْ أَتْرككَ وحيداً هُنا “.
وعلى ذلك جاءت كلمات عبد القادر :
” لا تَهْتَم ، سأكونُ بخير “.
عندها، تَحَرَّكَ موسى الى الأمام بسُرْعة .
ولكنْ ، وبعد مُرور ساعة من الزمن ، أي حوالي الخامِسة صباحاً ، هَرَع الى المَكان مقاتلٌ وهو يُصيحُ على عَجَل :
” إنَّ الوَضْع سَيّء ! .لقد أُصيبَ إبراهيم بجِراح ، والذخيرة تَنفذُ مِنّا “.
سأله العُمَري :
” هل رأيت عبد القادر ؟ “
أجاب بـ : ” لا ” .
إنتابَه قَلَقٌ عظيم ، كانَتْ تترجمه نَظراتٌ كان تحمل مزيجا من الخيبة والقنوط . بدا ذلك على قَسَمات وَجْهه ، إنهمكَ بَعدها العُمَري بكِتابة رسائل عَديدة ، أمرَ بتوزيعها إلى القُرى العربية المُحيطة . وفيها كَتَبَ يَقول :
” أرْسِلوا النّجدة . عبد القادر في خَطَر “.
**************
في هذا الوقت على وَجْه التقريب ، كان قائد الهاغاناه في القَسْطَل ، “مُوردخاي چازيت” ، يَدْخل مَقَرَّ قِيادَتِه والذي كان مَوْقِعَه في بَيتٍ حَجَرَي يَقَع على نُتوءٍ في سَفْح التَلَّة . لقد كان للتّو قد زار بَيْتَ مُختار القَرْية الذي احتله اليهود (قُوّات الهاغاناه المُسَلّحة)، وَهْوَ يَقع على مسافةٍ قريبة من أعلى التَّل بالقرب من وَسَط القَرْية . لقد تَمَكَّن المقاتلون العَرَب ( الفلسطينيون المدنيون المسلحون، أصحاب البِلاد) بجرأةٍ أَدْهَشَته ، من الوصول الى منطقة حَيوية من البيت وقاموا بمحاولة فاشلة لتفجيره . وفي نهاية المطاف ، فَقَدَ تَراجَعوا إلى أسفل التَلَّة تحت ضَغْط نيران يَهودية شَديدة ، ولكنهم كانوا أفضل تنظيماً ، وأكثر تأهيلًا للقتال الليلي ، وكان من المُحْتَمل أن يتمكنوا من اجتياح القَسْطَل . لا بل وكان في إمكانهم تحقيق ذلك لو كان بإمكانهم أنْ يَحصلوا على تعزيزات .
(تساءل چازيت)؛ لماذا لَمْ تَقُم القيادة اليهودية ( الهاغاناه ) بإرسال النّجدة التي كانوا قد طَلبوها بإلحاح طِيلِة الأيام الثلاثة الماضية ؟ .
لَمْ يَبْقَ لَدَيه إلا نحو سِتّون رَجُلاً – إنَّ ثُلْثَ قُوّاته قد سَقَطَتْ . إنَّ هُجوماً واحِداً آخر كان كفيلاً بأنْ يَجْعَلَ قُوَّاته بلا ذَخيرة ، ولا مَعنويات للمُقاومة أكثر .
(بينما كان مُطْرِقا في التّفكير ، وَرَدَ الى مَسامع چازيت كلمات يتبادلها شخصان )
< سَمِعَ كلمات بالعربية تقول :
يا جماعة ، تعالو “.
(ظَنَّ) أنَّ التعزيزات اليهودية قد وَصَلَتْ . كان اليهود يَعْمدون عادة الى استعمال عِباراتٍ عَرَبية عامِيّة . (اعتقد چازيت أنَّ تلك الكلمات كانت تصدر عن رقيبٍ عاملٍ في وِحْدَتِه)
لَكِنَّ صَوْتاً أجابه بالإنجليزية : “مَرْحباً ، يا أولاد “.
لا يَلْجَأ اليهود في أغلب الأحيان للتّخاطب مع بعضهم البعض بالإنجليزية .
[سَمِع چازيت رقيباً في وِحْدَته يَصْرُخ في الخارج بالعَرَبية :
” يا جماعة ، تعالوا “.
لكنَّ صوتاً أجابه بالإنجليزية : “مَرٍحباً ، يا أولاد “.
لا يلجأ اليهود في اغلب الاحيان للتخاطب مع بعضهم البعض بالإنجليزية .
إنَّ التعزيزات اليهودية قد وَصَلَتْ . كان اليهود يَعْمدون عادة الى استعمال عِباراتٍ عَرَبية عامِيّة .
لكنَّ صوتاً أجابه بالإنجليزية : “مَرٍحباً ، يا أولاد “.
لا يلجأ اليهود في اغلب الاحيان للتخاطب مع بعضهم البعض بالإنجليزية . ]
(لكن)ومع تقدم چازيت نَحو الباب ، مَزَّقَ سُكونُ الليل في تلك اللحظة صوتُ صَلْيَةٍ من رَشّاش . لقد وَصَلَ في ذات الوقت الذي توَقَّفَ فيه ( إطلاق النّار ) . كان الرَّقيب قد رَمى ثلاثةُ رجالٍ كانوا على بعد نحو عشرة ياردات منه بنيران رَشّاشه . أَحَدهم سَقَطَ صَريعاً على الأرض ؛ أمّا الإثنان الآخران فقد كان يَستطيع سَماع حَرَكَتهم وهم يَفِرُّون من المَكان في ظُلْمَة الليل.
” عِندما تكلموا بالإنجليزية ، عَرِفتُ أنّهم عَرَباً “، قال الرقيب وهو يَلهَث.
رأى چازيت أنَّ أُؤلئك الرِّجال كانوا يَعتقدون أنَّ تلك المَنطقة هِيَ في أيدي العَرَب( الفلسطينيين ) ، وأن التحية ( الرقيب ) بلهجة عربية قد أتت من بريطانيين أصدقاء ( للفلسطينيين العرب) هاربين من الجندية( ويقاتلون معهم ) .
بعد ذلك ، قام الرقيب وآخرون عديدون بفحص جِسْم الضحية العربي ذو الشَّارِب الكَثيف ، وأخرَجوا من سترته الجلدية قُرآن وبَعْض الأوراق والتي كانت تَدُل على أنّه ضابط عالي الرُّتْبة . كان إسمه : عبد القادر سليم مخطوطاً على رُخْصِة سِواقة مَصْرِيّة .
هاتفَ چازيت القِيادَة في القُدْس قائلاً : ” لقد قَتَلنا سَمَكَة دَسِمَة . الإسم هو عبد القادر سليم ، أُعيد سليم ….” ( كان يسعى للتأكيد أنَّ الرَّجُل ليس عبد القادر الحُسيني ).
وأرْدَفَ قائلاً:
“لقد هَزَمنا العَدُو، ولكنْ، عَلَيَّ أنْ أُشَدِّد أنَّ ذلك ليس إلا نَصْراً مُؤقتاً فقط . نحن نَحتاج للنَّجدة بسُرْعة “.
وفي السّاعة السّابعة والنِّصف صَباحاً ، وَصلَ “عوزي ناركيز” مع ثلاثة عَرَبات مُصَفَّحة مُحَمَّلة بـ(٦٠،٠٠) صَلْية من الذّخيرة .
” هذا ما تُريدَه ” ، خاطَبَ ناركيز چازيت وهو يَدْخُل الى مَقَر ِّقيادَته .
ثُمَّ خَرَجَا يَتمَشّيا خارج المَقَرِّ ، وأخذَ ناركيز يُحَدِّقُ بجُثمانِ العَرَبي (الفلسطيني)والذي كان مُسْتَلقِيّاً على وَجْهِه.
” هل يُمكنني الآن أن أَطَّلِع على الأوراق التي وَجَدْتها مع هذا العَرَبي ( الفلسطيني)؟ “، خاطب ناركيز چازيت.
رفض چازيت بادىء ذي بدء تَسليمَه الاوراق قائلا بأنه سَيقوم بتسليمها للقائد المسؤول عنه في القدس ، لكنّه وافقَ في نهاية المطاف على تسليمها لناركيز بعد مُجادلة حامية الوطيس بينهما.
أمر ناركيز رجاله سَحْب الجُثمان الى عَرَبَتِه المُصَفّحة ، لكن (وفي تلك اللحظة) عاد إطلاق النار الى الإندلاع من جديد . عندها ، قَرَّر ناركيز أن يَتْركها في مكانها . (ثُمَّ) قَطَعَ وَعْداً لچازيت بأنْ يُرْسِل تعزيزات له مع حلول وقت الظّهيرة . بَعدها إفترقا ، وأَخذَ يَخْلط الأوراق التي بين يديه والتي ظَهَرَ له أنّها تَشْتَمل على صُوَرٍ لأربعة أطفال ورسالة تَقولُ كلماتها :
” إنّي أبتَهِل إلى الله أنْ يُؤازِرك بالنّصر والسّلام ،…”.
****************
ومَع مُرور ساعات الصَّباح ببُطىء ، كان چازيت ، برَأسِه المُضَمَّد ( نتيجة إصابته برصاصة طائِشة )، يَتَمَدّد على الأرض في مَقَرِّ قيادَته مع عَدَدٍ مِنْ رِجالِه ، ويَتَمزَّق من الالم . كان مُنْهَكُ القُوى لا يَقْوَ على الحركة ،وكان يَعُدُّ الدّقائق لوُصولِ التّعزيزات التي طلبها . كانوا في غاية التَّعَب الى دَرْجة أنَّ جنوده كانوا قد عَمدوا على توزيع الذخائر التي وَصَلتْ عَبّر وَضْعها في أكياس من الخَيْش ، (ورشقها ليتلاقفها جندي من آخر) . (وفجأة ، وهُم في ذلك الحال)، حَصَلتْ هَمْهَمة وأصوات غَيْر واضِحة وكأنها صَريرُ جَرادٍ قادِمٍ عن بُعْد ، ثُمَّ صَرَخات وصياح وأزيز رصاص .ثُمَّ صاح أحد أفراد مجموعات الرقابة بأعلى صوته قائلاً : ” إنّهُم يُهاجِمون ! هناك آلافٌ مِنهُم ، إنّهم يَأتونَ مِنْ كُلِّ صَوْب !”.
إنتفضَ چازيتْ من مكانه، وخَفَّ نحو جِهاز الإتصال ، وهاتفَ “قِيادة هاريل” الكائنة في القَرْية( المُستوطنة / المُسْتَعْمَرة ) القريبة “كريات آناڤيم” قائلاً : ” لقد قُلْتَ بأنّكَ قادِمٌ عِنْدَ الظُّهْر ، لكنَّ وَضْعَنا يائِس ! حاوِل أنْ تأتِ أبْكر “.
وجاءه الجَواب : ” إنّهم في الطّريق آليك “.
بَعْدَ نِصْفِ ساعَة ، كان العَرب( الفلسطينيون ) قد اقتربوا أكثر . هاتفَ چازيت (القِيادة) مَرّة أُخرى قائلاً :
” أينَ هِيَ التعزيزات ؟” .
وجاء الجواب : ” لدينا مُشْكِلَة مع العَرَبة المُصَفَّحة . إنّها في الطريق “.
ومع صَرَخاتْ الإنتقام التي كانت تُدَوّي عَبْر التّلال والصادرة عن نحو الفين من القرويين العرب (الفلاحين الفلسطينيين) والتي كانت تَصُمُّ أُذُنَي چازيتْ ، إعتَقَدَ أَنَّ( مَصير )الوِحْدة التي يقودها قد تَقَرَّر ومآله الإنتهاء.
كان رِجاله يُقاتلون مَعْرَكة الرَّمَق الأخير وذلك عندما تمكن ضابط من البالماخ من الزَّحف الى البيت المَقَر بعد تَسَلُّقٍ خَطِر للتَلّة .
قال “ناحوم أرئيلي”، قائد قوة التعزيزات ، (وكان في غاية الإجهاد) : ” لقد وَصَلنا للتَّو “.
” ما عددٌ الرِّجال الذين مَعَك ؟” ، سأل چازيت .
” إثنان آخران . الباقي أسفل التَلّة . لَمْ يَتمكنوا من الصُّعود . كان إطلاق النّار كثيفاً “.
” إنَّ على رِجالِك أنْ يُرْغِموا العَدُو على التّراجع “. قال چازيت .
” لا نَستطيع. ليس لدينا عدد كاف من الرجال “. أجاب أرئيلي.
وفي هذه اللحظة ، إنْدَفَعَ جُنْدِيٌ من جنود أرئيلي إلى داخل المَقَر وهو يَصرُخ : ” إنَّ العَرب( الفلسطينيين ) قد وَصَلوا هنا . إنّهم يُسيْطِرونَ على بيت المُختار “.
” ماذا تقترح الآن ؟” ، سأل أرئيلي چازيت ، وهو يُحاول إلتقاط نَفَسِه .
” أقترِح أنْ نَخرُج كُلّنا جَميعا مِنْ هُنا !، دَعونا نَبْدأ الكَرّ نحو أسْفَل التَلّة باتجاه عزرا “.
تَحَرّكَ اليهود( رجال الهاغاناه) بجسارة وسُرْعة يَحْمِلون جَرْحاهم ، واندفعوا الى خارج ( القَسْطَل ) باتجاه عزرا ، وهي مُسْتوطنة تَقَع أسْفَل التَلّة ، حيث كان عَدَدٌ من أعضاء قُوَّة البالماخ يَنْتظرون . ولكن ، ولدى تيقن أرئيلي أنَّ عَدَداً قليلاً (من أفراد تلك القُوّة) كان في حُكٍم المفقودين ، — لَمْ يَكُنْ يَدُرْ في خُلْدِه أنهم كانوا قد فَرّوا باتجاه جنوب شرق القسطل ، بمُحاذاة طريق آمنٍ للهُروبِ . — لقد خَرجَ يُحاول أنْ يَجِدَ أماكنهم ، ويَصيح أنّه سَيُقْفِل عائِداً .
إنتظرَ چازيت والآخرون أرئيلي أنْ يَعود .كان ذلك في الوقت الذي كانت النيران فيه تَشتدُّ أكثر وأكثر . لكن أرئيلي لَمْ يتمكن من العودة . وبَعْد عِدّة دَقائِق ، قال قائد الهاغاناه : ” لا نَسْتطيع الإنتظار أكثر ! تراجعوا الى عزرا “.
عِنْدها ، وَجَّه مُلازِمٌ مِن البالماخ مُسدَّسَه صَوْب رأس چازيت ، مُحَذِّرا : ” سأقتلكَ إذا لَمْ تَنْتَظِر “.
لكنَّ چازيت، وكان على يقين بأن قوة التعزيزات لم تكن تُدْرِك مدى خطورة الوضع، قال : ” إذهب للجحيم “. وأمَرَ رِجالَه باللحاق به.
مع فَرارهم ، وَجَّه ملازم البالماخ مُسَدَّسَه إلى الأسفل ، وأخذ يتمتم باللعنات .
وبعدَ دقائق قليلة ، وعلى أثر فَرار عدد آخر من المُدافعين ، قَرَّرتُ قُوِّة البالماخ التّراجع ايضاً ، هذا على الرغم مِنْ أنَّ أرئيلي لَمْ يَكُنْ قد عاد بعد .
أمّا قائد القُوّة شمعون الفاسي ، فقد أصْدَرَ الأمر بـ : “على جميع أفرادَ القوّة من الجنود التّراجع . وعلى جميع الضباط أنْ يَحموا ظُهورهم أثناء الإنسحاب “.
مع حلول الوقت الذي انسحبَ فيه الضباط ، كان العَرب ( الفلسطينيون ) عمليا قد أجهزوا عليهم . تَمكنَ قائدٌ واحدٌ من الإفلات بِنَفْسه عبر الإختباء بغابة في أسفل المُنْحَدَر. أمّا باقي الضباط العَشْرة من قادة الفصائل ، فَقَدَ قُتِلوا جميعاً . لقد انتظروا ناحوم أرئيلي طويلاً — والذي كان قد انتهى أمره بعد وقت قصير من الوقت الذي قضاه في البحث عن رجاله المفقودين .
****************
كان بهجت ابو غَرْبِيّة يُكافح جاهداً في أعلى المُنْحَدَر الشمالي للقَسْطَل مع فرقة قليلة العدد من الرِّجال من أجل الإنضمام لرفاقه الذين كانوا قد نَجحوا في الاستيلاء على القرية ذاتها وذلك عندما لاحَظَ عِنْد الجناح الذي يتولى المسؤولية عنه، اليهود يُهَروِلون إلى أسفل التَلّة باتجاه حُرْش الأشجار . أمرَ أبو غربية رجاله بإطلاق النار ، وعَلَتْ على وَجْهه إبتسامة وهو يُراقب سُقوطهم ككُرات البولينچ ، وعلى الأخص أُؤلئك ممن كانوا في المَجموعة الأخيرة المُتراجعة . لو كان من الممكن أن يبلغوا الغابة / الحُرْش ، لكان من المؤكد أن يتمكنوا من الفرار .
تسلق أبو غَرْبِيّة هو ومُقاتليه التَلّة مُتّجهين الى (القَسْطَل) القَرْية ، والإنضمام الى جَمْع من رفاقهم الذين تَدفقوا إليها مِن كل الجهات . كان الرجال مُنتشين
ويهزجون ، يَحتضنوا بعضهم بعضاً ، ومنغمسين في جدال حول من قَتَلَ عدد أكبر من اليهود ( رجال الهاغاناه ) ، لَمّا ، صَرخَ أحدهم عالياً : ” لقد وجدناه ! عبد القادر ! …. إنه قتيل (إنّه شهيد) “.
تَوَقفَ (فجأة) جُنون ( نشوة النصر وتحرير القَسْطَل ). وانتشرت صَرْخة لسانُ حالها يقول : ” أينَ هُوَ ؟ أين هُوَ ؟ ، واندفع الرِّجال نحو البيت الذي كانت تشغله قِيادة الهاغاناه مَقَرّا لها . وهناك أمامه ، كان يَرْقد جُثمانُ رَجُلٍ بِسُتْرَةٍ من الجِِلْد . وأطبقَ صَمْتٌ رهيب على القَسْطَل في وَقتٍ انفجرَ فيه رجالُ القِتال الأشداء في بُكاءٍ حميم .
رَفعَ عَددٌ من الرِّجال الجُثمان ، وشَرَعوا في نَقْلِه الى أسْفَل المُنْحَدَر باتجاه الطريق الرئيس ، وتَبِعَتهم الجُموع.
تَمَلّكَ الذُّعْر بهجت أبو غَرْبيّة . تَوَسّلَ هو وقِلّة من القادة الآخرين إلى المُقاتلين للبقاء في أماكنهم .
جادلهم هو ورفاقه قائلين ؛ ” بَعْدَ كل هذا الدَّم الذي هُرِقَ ، لا نَستطيع أنْ نترك المَكان الآن !”.
لكن تَوَسُّلاتهم ذَهَبتُ أدراج الرياح ووقعت على آذان صم . لقد قاتل العرب ( الفلسطينيون ) مَعركة شَخصية شَرِسة — بهدف إدخال الحُبور لعبد القادر وحِمايَته . أما الآن ، فإنَّ بَطَلَهم قَتيل . (عدد كبير) قَرَّر مُرافقة الجُثمان إلى القُدْس والمُكوث هناك حتى انتهاء مَراسم الدَّفن . آخرون ، هاموا على رؤوسهم في كل اتجاه عائدين إلى قُراهم بعْدَ أن لَمْ يَعُدْ في أجوافهم جوع للمعركة .
أَقْلعَ بهجت عن مُحاولة أُخرى (لثني المقاتلين عن قرارهم مرافقة جثمان قائدهم الى القُدس) . جَلسَ على صَخرة ، مُسْتَنْفَد القُوى ، وأخذ يُراقبُ شيئاً يذوي في مِئات الرِّجال — رجالٌ كانوا مثال الشجاعة والبأس عندما يقاتلون في سبيل الله ، لكِنّهم لا مُبالون عندما يقاتلون لاستعادة تَلّة. لقد كان مَذهولا ومصعوقاً كأي رجل آخر لرحيل عبد القادر ، ولكن أَلَم تَكُنْ هذه التَلّة هي التي استشهد عبد القادر لأجل استردادها والحفاظ عليها ؟
بَقي بهجت في مكانه للدفاع عن القَسْطَل مع مجموعةٍ من نحو خمسين مقاتلا .
***************
لمّا عَلِمَ بأنَّ مُرْتفع القَسْطَل قد سَقَطَ بيد العرب ( الفلسطينيبن ) ، وَجّه رئيس أركان الهاغاناه ييچال يادين الأمر وبفظاظة، لوِحْداته عبر الهاتف من مَقَرِّ قيادته في تل أبيب قائلاً : ” يجب القيام بهُجوم مُعاكس حالاً لاسترداد القَسْطَل”.
التزمَ يوسف تابنكين ، قائد كتيبة البالماخ المُكَلَّفة بتنفيذ عملية ناحشون الصّمت . كانت عَينَيه تَرْقُبُ أؤلئك مِمَّن بَقِوا أحياء من هزيمة القَسْطَل وهم في حالة يُرثى لها ؛ بَعْضهم كان يَعْرُج ، وجميعهم مُنْهَك القُوى ، ومَدْمِيّون بعد أن لحئوا الى مقر قيادة فرقة هارِلْ بالقرب من ( مُستوطنة ) كريات آناڤيم.
جادل يوسف يادين قائلاً : ” لكن ، يا ييچال ، يَتوفر لدي فقط مَفْرزَة واحدة . الباقون قد تَبعثروا . كيف لرجال عَطْشى لَمْ يذوقوا منذ ثمان واربعين ساعة طَعْم النوم أن يهاجموا كل هؤلاء العرب( الفلسطينيبن في القَسْطَل ) في وَضْح النهار ؟. لقد أحصينا ألفا وستمائة منهم ، وربما يكون هناك عددٌ أكبر . يتعين علينا الإنتظار !”.
جاء رد ييچال حاسماً : ” هذا أَمْرٌ . عليكم إستعادة القَسْطَل فوراً !”
صَرخَ تابنكين : ” أنا لست ذاهِباً! “
لَمْ يتبادل أي منهما الكلام لثوانٍ . لكن صوتاً ثالثاً مَزَّقَ الصّمت : ” يوسفيل ، ماذا تُخطط القيام به ؟ “.
ميَّزَ تابنكين ، وهو رجل عَنيف مُنفعِل لا يَستسيغ أن يَتلقى أوامر من أيٍ كان ، حتى ولو من رُؤسائه ، صَوْت صديقه الحميم مُساعد يادين ، مونداك باسترناك . إعتبرَ َتابنكين أنه الآن قد اسْتُشير ، أي أنّه لَمْ يُؤمر . مع ذلك ، بدأ يُحاضِر على باسترناك حول الحُمْق في سِياسات الهاغاناه السابقة ، والتي كما قال ، سَمَحَت للعَرَب ( الفلسطينيبن ) لضرب اليهود متمتعين بالحَصانة / الإفلات من العِقاب.
لقد استيقظَ بن غوريون وحاشيته الآن فقط على الخطر المُحيق. وأنه ومِن سُخرية الأقدار أن يَرى البالماخ نفسه وهو الذي كان دَوماً المُحَبّذ لاتخاذ مواقف (صلبة وعنيفة) ،أن هناك من يخبره الآن كَيف عليه أنْ يُهاجم .
أجاب باسترناك : ” لُطفاً ، يوسيفيل ، إترِك السِّياسة لوالدك !”. لقد كان والد يوسف ؛ إسحق تابنكين ، قد قطع علاقاته ببن غوريون منذ سنوات عديدة سابقة بعد نزاعٍ سياسيٍ مَرير.
” حَسَناً، ما هي خُطّتك ؟”، عاد باسترناك ليسأل .
أجاب يوسف تابنكين :
“سأنتظر صديقنا الليل . عندها ، سأقوم باسترداد القَسْطَل “.
تلك الليلة ، أخبرَ تابنكين ، والذي كانت تُحَفِّزه العواقب المُحتمَلة للإمتثال ، مَجموعة من رجاله المُتعَبين الذين تمكن من حَشدهم : ” ليس مطلوبا مِنكُم أنْ تقوموا بما لا تستطيعون ” .
تحركت القوة المهاجمة باتجاه القَسْطَل ، وبدأوا بتسلق التلّة ، تحت ستارٍ كثيفٍ من قَصْفٍ بقذائف المورتر. ….
***************
كان بهجت أبو غَربِيّة يعلم أنَّ رجاله الخَمسون ، الذين كانوا بدون ماء أو طعام وبقدر محدود من الذخائر ، لا يَقوون على الصّمود طويلا. صَحيح أنَّ فوزي القاوقجي ، والذي كان يَعتقد أنه تمكن من إلحاق الهزيمة باليهود في ( مُستوطنة ) ميشمار هاميك ، قد أرسلَ بعض مدافع من عيار ٧٥ملم الى مَنطقة كانَتْ تحت الضغط من قبل الجيش العربي — بعد أن كان قد رفض تلبية طلب وَجَّهَه له عبد القادر بالراديو قَبْلَ مقتلة بوقت قصير ، لتزويده بالرجال والسلاح . كانت هذه المدافع تَصُبُّ الآن نيرانها على التجمعات اليهودية ، لكن تلك الإستجابة جاءت متأخرة كثيراً. كما أنَّ مفرزة من (٧٥) رجلاً أرسلها القاوقجي ” للإستعراض ” كانَتْ متوقفة في قرية عين كارم القريبة ، تَنتظر سُقوط القَسْطَل من جديد بيد اليهود. خونة !.
في صباح يوم ١٠ نيسان ، إنسحبَ بهجتْ ورجاله في نهاية المطاف من القَسْطَل الدامية ، متأملين أن يأتِ العون من الله .
أمّا بقية القوات العربية ( الفلسطينية ) في المنطقة ، فقد أُخْرِجَتْ من جَيْبٍ احتلته من المُستعمرة اليهودية موتزا ، ومن القُرى العربية الرئيسية ؛ قالونيا ، باب الواد، بيت محسير ، و ساريس .
في اليوم التالي لسقوط القَسْطَل ، كتب سَير هنري چيرني ، نائب المَندوب السّامي البريطاني في يومياته : ” لقد احتل اليهود الآن القَسْطَل ، وهم يُزَوِّدون قُوّات الهاچاناه فيها من خلال الجَو . طالما هم فيها ، فإنَّ هناك حظا قليلا للتّوصل الى اتفاق مع العرب يتعلق بالمرور الحر على الطريق . انها حركة يهودية نموذجية …. إنَّ عَليهم الآن أن يخرجوا من القَسْطَل قبل أن يكون بمُستطاعهم القيام بأي عمل آخر ، وسَيكون هناك كالمعتاد ذلك الضجيج والصُّراخ حول ذلك “.
لكن الضّجيج والصراخ الوحيدين جاء صداه في القدس عندما رحب يهود المدينة بشغف بثلاثة قوافل من المؤن نَجَحت بالمرور عبر الحَواجز المُتبقية وكَسْر الحِصار — وإنٌ كان إلى حين.