تتعانق الروحان ؛ على أرض المعركة ، الاولى لعبد القادر الحسيني ، وقد سقطت على أرض القسطل في ضواحي القدس ، في نيسان من العام ١٩٤٨ ، والثانية ليحيى السنوار على أرض رفح من اراضي قطاع غزة ،…! في تشرين الاول من العام ٢٠٢٤ ، الإثنان سقطا على نحو متشابه .. وهما في لباسهما العسكري ، والبندقية في ايديهما …! ممسكين بالقضية الوطنية الفلسطينية ،.. قضية الاحرار في هذا الزمان ..! في قراءتها شفاء للروح ،.. وترسيخ للأمل والإيمان بأن النصر قادم لا محالة ..!
******************
الرجل الذي سأتحدث عنه هو عبد القادر الحسيني.
هناك روايات عديدة حول تاريخ ميلاده ، إحداها انه استشهد في نيسان من عام النكبة ٤٨ ، في ذات اليوم الذي وُلِدَ فيه ، أي في الثامن من نيسان .وقد خَطَفَت الأقدار روحه بعد أقرضتها للقدس وبلاده فلسطين مُدة واحدٍ واربعين عاماً .
يقول المُناضِل بهجت أبو غربية في مذكراته التي نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية في العام ١٩٩٣( الطبعة الاولى ) ان عبد القادر قد عاد من دِمَشق الى القدس في صباح يوم الاربعاء الواقِع في ٧ نيسان ١٩٤٨ وأنَّه سأل أخاه صبحي الذي كان يرافق عبد القادر :
هل أحضرتم معكم سلاحاً ؟.
فأجابه : لا أدري.
عَرِفَ بهجت أنَّ عبد القادر قد نزل في بَيتِ أخيه فريد في حي باب الساهرة ، فتوجه فورا الى هناك ، ووجد على الباب : ” عوض التِّرْمِسْعاوي ” ، الحارس الشّخصي لعبد القادر ، فسأله عن كميات وأنواع السِّلاح التي أحضروها من دِمشق ، فقال له :
” تقريباً ، لَمْ نُحْضِر شَيئاً”
سأله: أين أبو موسى ( أي عبد القادر )
أجابه:
“جُوّا ، نايم ، يستريح . إلْنا طول الليل بنمشي ، خَرِجنا من الشام متأخرين . وبِدّو ينام ساعتين “.
بعد ساعتين ، عاد بهجت الى بيت فريد ، وهناكَ إلتقى بعبد القادر ، وكان في أشد حالات الغضب ، وقال له فَوْراً :
” مطلوب مِنْكَ مأمورية لا يستطيع أن يقوم بها غيرك ، أُريدك أن تذهب الى كامل عريقات ، فَقَدَ عَلِمتُ أنَّ حصَّته من الغنائم العسكرية من معركة الدْهيشة كانت مُصَفَّحة ، وعِدّة رشاشات ، وأنا أعتبرها مَلِكاً للقيادة ،… أحضرها لي “.
ذهبتُ فورا الى بيت كامل عريقات في قَرْيِة أبو ديس ، فوجدته في السرير بِسَبَبِ جُرْحه الذي أُصيبَ به في “مَحْجَر الياشار” في اليوم السابق . كانت تَرْبِط “بَهجَتْ” بـ”كامل” أواصر نَشأت حديثاً من خلال علاقة كُلٍ منهما بالحزب العربي الفلسطيني ( وهو الحِزب الذي انتمى الى عضويته عبد القادر في العام ١٩٣٥ ، وأدار مَكتبه في القدس ) ومُنظمة الفُتُوَّة التابعة له .
يقول بهجت في مذكراته أن آدائه المُهِمّة قد استغرقت وقتا طويلا بما في ذلك تَناولَ طَعام الغداء ، وأنه نجح في أَخْذ المُصَفّحة اليهودية ، وكانَتْ في حالة جيدة جدا ، وحصل ايضا على سِتّة رشاشات من نوعيات مختلفة ” لم يكن لدينا مثلها ، وكانت جميعها غير صالحة، … غَيْر أن من الممكن إصلاحها “.
ويقول بهجت أيضاً ؛ ” تَوجّهتُ مع المُصَفّحة الى القدس ، الى حَي باب الساهرة حيث بيت فريد ” ، وهُناك ، “قيل لي ان عبد القادر قد غادر البيت الى القَطَمون “.
ويُِضيف ، “إتصلتُ تلفونياً بقيادة إبراهيم أبو ديّة (قائد الجِهاد المُقدس” في القَطَمون ، وسألتُ عن إبراهيم ، وعبد القادر ، فقيل لي أنهما غادرا القَطَمون الى ( قَرْية ) القَسْطَل عن طريق ( قَرْية ) عين كارم “.
ويَستطرِد قائلاً ؛ ” لَمْ أكُنْ أُقَدِّر أن عبد القادر سيشن هجوماً مُرَكّزا على القَسْطَل في تلك الليلة ٧— ٨ نيسان ١٩٤٨”.
تَقع قَرْية القسطل على بُعْد عشرة كيلومترات الى الغرب من القدس على قمة جبل استراتيجي يُسيطر على طريق القدس — يافا وعلى المنطقة المحيطة به ، ويرتفع (٧٥٠) مترا عن سطح البحر ، في حين أن ارتفاع الطَّريق العام قُرْب القَسطل (٥٠٠) متر فقط، أما عدد سكانها فكان بحدود (٣٠٠) نسمة .
وكانت القرية ،كما يقول بهجت في مذكراته، وعلى مدى التاريخ حِصٌناً عسكريا لا يُضاهيه في أهميته العسكرية في شمال القدس سوى قمة النبي صموئيل .
ويُضيف بهجت قائلا أنَّ بيت مختار القرية كان يقع في أعلى قِمّة القَسْطَل ، الى جانب مسجد صغير ومقبرة وبقايا قلعة . كما يقع في الجهة الغربية من مُنحدر التلّة حُرْج كثيف الشجر.
وتُحيط بالقسطل من ناحية الشَّرق مُستعمَرة موتسا التي تبعد نحو كيلومتر واحد ، و على ذات المسافة من ناحية الغَرْب مستعمرة العنب ( الدلب )، والى الجنوب على مسافة كيلومتر ونصف ، يَقع محجر الياشار اليهودي الكبير.
يقول بهجتْ أنه لَمْ يَكن في القرية سوى عدد قليل من أبناءها المُسلَّحين ببعض البنادق الخاصة ، عندما هاجمتها قوة كبيرة من رجال البالماخ في يوم السبت الموافق ٣ نيسان ١٩٤٨ ، وكانت القوة مُزَوّدة بالمصفحات ومدافع المورتر ، واحتلتها بعد معركة قصيرة مع سُكّانها . ويُضيف ، بأن الجيش البريطاني لم يتدخل ليمنع اليهود من احتلال القرية أو إجلاء سُكّانها مع أن تعليمات قائد الجيش البريطاني للعَرَب واليهود كانَتْ تَمْنع وجود مسلحين أو مَظاهر عَسكرية على طريق القدس — يافا، وهو الأمر الذي طُبِّق على العَرب مِراراً كما يقول بهجت.
ويُضيف بهجت قائلا أن عبد القادر كان قد ذَهَبَ الى دمشق (في أواخر آذار ١٩٤٨) في مُحاولة للحصول من اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية على سلاح وذخيرة للمُناضلين المُرابطين في مدينة القدس وقُراها ، لكِنّه تلقى أخبار احتلال القَسْطَل وهو في دمشق ، وكان مجتمعاً مع اعضاء اللجنة .
***************
كان عبد القادر الحسيني قد غادر القدس إلى دمشق في أواخر مارس / آذار عام ١٩٤٨ للاجتماع بقادة اللجنة العسكرية لفلسطين التابعة لجامعة الدول العربية، أملاً في الحصول على السلاح ليشد من عزم المقاومين على الاستمرار والاستبسال في القتال ، وأوضح أنه بمساعدتهم سيُنهي الوجود اليهودي فيها ، وأن الإنتظار حتى خروج الإنجليز من فلسطين يجعل اليهود يستولون على مساحات أكثر من الأرض ويحتاجون مجهود مضاعف لو تركوا حتى انسحاب الإنجليز .
*******************
ومن كتاب Genesis 1948- دان كيرزمان ( الحَرب العَربية الاسرائيلية الأولى ،… أقتبس المعلومات التالية :
” سنبدأ في الساعة الثالثة والنصف الإحاطة بالقسطل والصعود اليها . سَتَحصل على التعليمات بخصوص ذلك . لكن تَذَكّر ، يَتعين تحقيق هذا الهَدَف على نحو قاطع ! هل لديكم اي أسئلة أخرى ؟ ”
أجابه أحد قادة الفِرْقة ، وقد كان يجلس بالقرب من عوزي ناركيز ، وهو قائد وِحْدة البالماخ المؤلفة مما يزيد عن مائة رجل، سائلاً :
” ومتى سنأخذ قِسْطاً من الراحة ؟ “
بَصَقَ ناركيز ، ثم أَخْذ يَحُك وَجْهه النّحيف المُلتحي . وأَطْرَق مُفَكراً ، وقال لنفسه ، هذا سؤال جيد . لقد كان قد أبدى لديڤيد شالتيل ، وهو قائد الهاغاناه في القدس ، أنه وبَعْد أن تَقوم طليعة قوات البالماخ باحتلال القَسْطَل ، سيتم استبدالها فورا بقوات هاغانا نظامية من فِرقة عيتصيوني Etzioni Brigade المتمركزة في القدس . وسَوفَ لا يُسمح بهدر قُدْرات قوة البالماخ عالية التدريب والمعنويات عبر تكليفها بالقيام بأعمال حِراسة ودفاع ، وَهْم الأكثر احتياجا للقيام بأعمال هُجومية في أماكن أُخرى . لكنّه لم يكن يرى انه من الضروري ان يشرح كل ذلك لرجاله في لحظة بالغة الحراجة كهذه .
أجاب : ” اسمحوا لي أن أقلق بشأن ذلك “.
وهكذا ، وفي الثالث من نيسان ، أي بعد يومين من اليوم الذي وضع فيه بن غوريون ‘خُطّة ناحشون’ مَوْضِع العَمل ، كان اليهود يُهاجمون . كانت قوات ناركيز جُزءا من فرقة ؛ ‘بالماخ هاريل’ ، والتي كُلِّفَتْ بالهُجوم على القَسْطَل من جهة الشرق ، في حين كانت فرقة ‘جيفاتي’ ، تحت قيادة شمعون أڤيدان ، والذي كان ايضا يَتولى مسؤلية قِيادة العَمَلية بأكملها ، قد هاجمت سفوح تلال اللطرون من جهة الغرب .
زحف قادة مجموعة ناركيز يزحفون عائدين الى رجالهم ، الذين كانوا يقفون وهم في حالة توتر على طول خندق الى جانب الطريق . واخيراً ، تم الهمس باشارة التّقدم :
” فَالتَتَقدم الرَّشاشات “.
تَدافعَ الرِّجال من الخندق ، وتقدموا الى أعلى على طول مَمَرٍ دائريٍ صَخري . كان ماركيز يراقب رجاله وهم يتقدمون مُنْحدراً جبلياً قاحلاً تحت ضوء القمر . حجبَ الظّلام الدامس القُدْرة على رؤية القَرْية الجاثمة على سطح التلة في ظِلِّ قلعة رومانية قديمة . لكن القَسْطَل ، وبَعد كل هذه القرون ، فَقَدَ بَقيت كالحارس الوحشي يَسُدُّ الطريق المُتجه نحو القدس ، ويُهيمن على كامل المَنْطِقة لأميالٍ مِنها . اما الممرات الحجرية ، فقد كانت تقود الطريق نحو ‘ثوبا’ وقِمّتها المُسَطّحة والتي تقع على بُعْد ميلٍ تقريبا مِنها ، ولقُرى رام الله نحو الشمال .
كَمْ سَقط من اليَهود من رصاص وقذائف رجال أطلقوها من خَلْف الصخور ، ومن خِلال الشّقوق فيها .
وكم تم تحطيم قوافل وحَرٌقها على طول الطريق الملتف حول قَدَمِه …
” اتبعني !” ، همسَ ماركيز بأُذنِ الرّجل الذي يَمشي خلفه ، وبدأ في التَّسلق الى أعلى التَّلّة خَلَف مجموعات الرّشاشات .
وخلال ساعة ، وَجَدَ العرب المذهولين من المُفاجأة أنفسهم يُهرولون الى أسفل المُنحدر . واستولى اليهود على أول قرية عربية . ومن القَسْطَل ، اصبح الامكان الانطلاق بهجمات الى ان تم السيطرة على كامل المرتفعات المشرفة على طريق القدس – تل أبيب والتي سقطت بيد اليهود .
” دَمِّر كل البيوت ، وتَحَصّن ” ، خاطب ماركيز موردخاي چازيت ، والذي تسلق الى القَسْطَل مع (٣٥) رجلاً من فِرقة ‘عيتصيوني’ الجديدة والتي جاءت لتحل محل ماركيز ووحدته بعد عدة ساعات من السيطرة على القَسْطَل . كانت مُهِمة القادمين الجدد الإمساك بالتّلة .
قام چازيت بتحصين القَسْطَل ، لكِنّه تَوصل الى انه يستطيع فقط الدفاع بفعالية عن التّلّة عبر احتلال عدد من المرتفعات الموجودة بيد العرب والتي كانت تحيط بالقسطل. سيطر رجاله بعد ذلك على ثلاثة مرتفعات ، لكن العرب قاموا بهجوم معاكس ، وتمكنوا من دَحر اليهود من القَسْطَل والذين وجدوا انفسهم في نهاية المطاف مُحاصرين ، وقد نفذت مِنهم ذخائرهم والغذاء .
***********************
وفي هذه الاثناء ، وصلت الى دمشق أنباء سُقوط القَسْطَل ، وهو حدثٌ كان عبد القادر قد جاء الى دمشق قبل ايام عديدة من وقوعه للتّوسل لمسؤولي الجامعة العربية لتزويده بالسِّلاح لأجل مُواجهة هجوم يهودي كان يَعلم انه وشيك الوقوع . كانت جهود عبد القادر قد أصابها الإحباط بسبب استياء الجامعة العميق من المُفتي — وهو الذي كان يُمَثل الروح وراء القوة الفلسطينية — وفي الحقيقة فإن عبد القادر كان يلتقي بقياديي الجامعة عندما هرعَ مراسلٌ الى غرفة الاجتماعات يحمل بيده تقريراً سَلَّمه للجنرال اسماعيل صفوت باشا الذي صَرخَ مذهولاً : ” يا إلهي ! ، لقد سقطت القَسْطَل بيد اليهود”.
لقد كان الجنرال صفوت يشغل رئيس اركان القوات العَرَبية في فلسطين .
سادت حالة من صمت صادم .ثم التفت الجنرال صفوت الى القائد الفلسطيني وقال له :
“عبد القادر ، إنّ رجوعك الى فلسطين هو أمر تُقرره أَنْت . اذا لم تكن قادرا على ذلك ، أخبرنا ، عندها سنطلب من القاوقجي القيام بالمُهِمّة “.
اما عبد القادر والذي كان مسؤولا عن مَنْطِقة القُدس ، فَقَدَ استشاط غضباً وقال بلهجة حاسمة :
” يا باشا، إنَّ ‘القَسْطَل’ كلمة مُشتقة من الكلمة الاجنبية (castle). ومعناها قلعة مُحصنة ضد البنادق الإيطالية ، والقدر الزهيد من الذخيرة الذي نمتلكه . أعطني السلاح الذي طلبته منك ، وسأسترجع القَسْطَل . إن خطتي هي في أن أُحاصر العديد من المستعمرات اليهودية وباب الواد …..على اي حال ، ان اليهود يَمتلكون في الوقت الراهن المَدافع والطائرات ، ولديهم رجال مدربين ، وأنه من المستحيل عَليَّ أن استرجع القَسْطَل بدون مَدافع . أعطيني ما طلبته منكم ، وانا أضمن لك أن أُحقق الإنتصار “.
قاطعه الجنرال صَفوت قائلاً : يا عبد القادر ، ألا تستطيع ان تفهم ؟ ليس لديَّ مَدافع لأُعطيك اياها !”
وهنا ، انتفض عبد القادر من مَقعده ، والتقط خارِطة فلسطين التي كانت مفروشة على الطاولة ورماها في وجه الجنرال صفوت ، وصاح قائلاً :
” يا خونة !” ” يا مجرمين ! ان التاريخ سوف يُسجل انكم قد تخليتم عن فلسطين . إني عائد الى القَسْطَل — بسلاح أو بدون سلاح . سأعيدها او أموت !”.
*******************
عاد عبد القادر الى القُدس في يوم ٦ نيسان ١٩٤٨ وتناول الفطور مع عدد من قادة مجموعاته ، وكان بهجت أبو غربية أحدهم . وبعد أن أصدر أوامره إلى بهجت لجمع ما يستطيع تجميعه من سلاح وذخيرة ، ذَهَبَ الى مركز قِيادة المجموعات والتي كان يقودها إبراهيم أبو دية وهو الذي كان قد قاد الهجوم على خط الخمسة والثلاثون بالقُرْب مجمع مُستعمرات كفار عتصيون ، وقال :
“تعال معي يا ابراهيم . سأقود الهجوم على القسطل.”
أما ابراهيم ، فقال له : “ولكننا نحتاج للتجهيز للهجوم …”.
أجابه عبد القادر : ” لا تَهتم . سنُهاجم في الليل”.
حَشَدَ عبد القادر قُوّة من مائة وخمسون رجلاً ، وحَمّلَ الحَمير برزم الذخيرة . كان الوقتُ مُتأخراً عندما مَشى القائدان في ذلك اليوم نَحو تَلّة بالقرب من القَسْطَل ، وهناكَ وفي بيت حَجَري مَهجور ، أقام مركز قيادته وكان البيت يَبعُد عن مواقع اليهود نَحو ميلين . وهناك أيضاً ، جَرى وضع خطة الهُجوم ، ومع بُلوغ مُنتصف الليل على وجه التقريب ، كان أبو دِيّة قد جَهَّزَ رجاله للتقدم لمشاغلةِ اليهود والإشتباك مَعهم . أما عبد القادر ، فَقَدَ بقي في الخُطوط الخَلفية مع زُمرة قَليلة من الرجال المَدَنِيين غير المسلحين .
” لا تَدَعْه يَتْبَعنا “،
وَجَّه أبو دِيّة كلامه هذا لعبداللة العُمَري ، وهو مساعد مَدَني ، وكان يَعرف عبد القادر وميوله المُنْدَفِعة . ثُمَّ قال :
” لا يُمكننا أخذ أي مجازفة في هذا الخُصوص. نَحنُ في أَمَسِّ الحاجة له”.
قاطَعَه عبد القادر قائلاً : ” لا تَقْلَقْ ، سأبقى هُنا ” .
كان عبد القادر مُسْتَغْرِقاً في دِراسة تفاصيل خارِطة كانَتْ على الطاولة .
تَعَرَّضَتْ القَسْطَل لهجوم عاصِف . بَقِيتْ عُيون عبد القادر مُسَلَّطَة على الخارطة . كان نَفَسَه يَتسارع ، ولكنه لم يَنْطُق ببنتِ شِفَة . ومع ارتفاع وتيرة المَعْرَكة ، ودُنُو أصواتها مِنْ مَسامِعه ، إرتدَّ عبد القادر إلى الوراء قليلاً ، وأخذَ يرتشف من كُوب الشاي القريب منه …
كانَ قد استلم رسالة من زوجته . كَتَبَتْ له تقول :
” أدعو الله أنْ يُؤازركَ بالنصر والسلام . يا عبد القادر، إنّي أكتب إليك والدموع لا تُفارق عَيناي . لقد ذَهَبَتَ وتَركتنا وراءك . لكنها هذه هي مَشيئة الله . تَرْكِكَ لنا كان وَقْعَه علينا صَعبٌ جِدّاً ، لكننا نَبتهل لله ونَدعو لك .”
وهو على هذه الحال ، باغَته رَسولـ جاءه يقول :
” يا عبد القادر ، لقد أرسلني إليكَ إبراهيم . هُو يقول لك أنّه في وَرْطة ، ويَحتاجُ لمزيدٍ من الدَّعم والمساندة “.
إسْتَلَّ عبد القادر رَشّاشَه ألـ ” ستِنْ ” وعَينيه السُّود تحترقان ، وأعلن :
” أنا ذاهبٌ للتَّمَشي قليلاً “.
لكنَّ العُمَري تضَرَّع إليه بالقول :
” مِنْ شانْ ألله ، لا تَذهَب “.
” لَنْ أذهب بَعيداً . أُريدُ أنْ أعرف مُجريات الأمور هناك “. قال عبد القادر.
رافق العُمَري ، وموسى (شقيق عبد القادر) ، ورَجُل آخر عبد القادر وهو يَتحرك إلى الخارِج . وما لَبِثَ أن انفجرت بالقُرْب مِنْهم على بُعْدِ ياردات قَليلة قذيفة مُورترْ تَسَبَّبتْ بإلحاق جروح طفيفة بعبد القادر والرّجل الآخر ، أمّا عبد الله العمري فَقَدَ نَجى من الإصابة .
صَرخَ العُمَري قائلاً : ” دَعونا نَعود الى داخل البيت ، وسأقومُ بتَضميدِ جِراحكما “.
ضَحِكَ عبد القادر . وكان في هذا في الوقت يَضْغَط بِيَدِه على الجرح الذي أصابه في وِرْكِه ، وعَلَّقَ على دعوة عبد الله العُمَري قائِلاً :
” أَلجُرْحٍ بَسيط مِثْل هذا ..؟ ، لقَدْ أُصِبْتُ بجُروحٍ أسوأ بكثير من هذا الجُرْح “.
إستمر عبد القادر في التقدم نحو جبهة القتال بمُرافقة شقيقه موسى، وكان يَعْرِج قليلاً بسبب الإصابة التي لَحِقَتْ به. وعندما مضوا في الطريق مُتَسَلِّقين لمسافة أُخرى، لاحَظَ عبد القادر أنَّ النيران الصادِرة من الجانب العربي من جبهة القتال أخَذَتْ في التضاءُل ، ثُمَ تَمتَمَ قائلا :
” لماذا أوقفنا إطلاق النيران عليهم ، إذهب يا موسى ، وتَحرّى عن الأمر “. أجابه موسى:
” وماذا عَنْك ؟ أنا لا أُريد أنْ أَتْرككَ وحيداً هُنا “.
وعلى ذلك جاءت كلمات عبد القادر :
” لا تَهْتَم ، سأكونُ بخير “.
عندها، تَحَرَّكَ موسى الى الأمام بسُرْعة .
ولكنْ ، وبعد مُرور ساعة من الزمن ، أي حوالي الخامِسة صباحاً ، هَرَع الى المَكان مقاتلٌ وهو يُصيحُ على عَجَل :
” إنَّ الوَضْع سَيّء ! .لقد أُصيبَ إبراهيم بجِراح ، والذخيرة تَنفذُ مِنّا “.
سأله العُمَري :
” هل رأيت عبد القادر ؟ “
أجاب بـ : ” لا ” .
إنتابَه قَلَقٌ عظيم ، كانَتْ تُتَرْجِمه نَظراتٌ كان تحمل مزيجا من الخيبة والقنوط . بدا ذلك على قَسَمات وَجْهه ، إنهمكَ بَعدها العُمَري بكِتابة رسائل عَديدة ، أمرَ بتوزيعها إلى القُرى العربية المُحيطة . وفيها كَتَبَ يَقول :
” أرْسِلوا النّجدة . عبد القادر في خَطَر “.
**************
في هذا الوقت على وَجْه التقريب ، كان قائد الهاغاناه في القَسْطَل ، “مُوردخاي چازيت” ، يَدْخل مَقَرَّ قِيادَتِه والذي كان مَوْقِعَه في بَيتٍ حَجَرَي يَقَع على نُتوءٍ في سَفْح التَلَّة . لقد كان للتّو قد زار بَيْتَ مُختار القَرْية الذي احتله اليهود (قُوّات الهاغاناه المُسَلّحة)، وَهْوَ يَقع على مسافةٍ قريبة من أعلى التَّل بالقرب من وَسَط القَرْية . لقد تَمَكَّن المقاتلون العَرَب ( الفلسطينيون المدنيون المسلحون، أصحاب البِلاد) بجرأةٍ أَدْهَشَته ، من الوصول الى منطقة حَيوية من البيت وقاموا بمحاولة فاشلة لتفجيره . وفي نهاية المطاف ، فَقَدَ تَراجَعوا إلى أسفل التَلَّة تحت ضَغْط نيران يَهودية شَديدة ، ولكنهم كانوا أفضل تنظيماً ، وأكثر تأهيلًا للقتال الليلي ، وكان من المُحْتَمل أن يتمكنوا من اجتياح القَسْطَل . لا بل وكان في إمكانهم تحقيق ذلك لو كان بإمكانهم أنْ يَحصلوا على تعزيزات .
(تساءل چازيت)؛ لماذا لَمْ تَقُم القيادة اليهودية ( الهاغاناه ) بإرسال النّجدة التي كانوا قد طَلبوها بإلحاح طِيلِة الأيام الثلاثة الماضية ؟ .
لَمْ يَبْقَ لَدَيه إلا نحو سِتّون رَجُلاً – إنَّ ثُلْثَ قُوّاته قد سَقَطَتْ . إنَّ هُجوماً واحِداً آخر كان كفيلاً بأنْ يَجْعَلَ قُوَّاته بلا ذَخيرة ، ولا مَعنويات للمُقاومة أكثر .
(بينما كان مُطْرِقا في التّفكير ، وَرَدَ الى مَسامع چازيت كلمات يتبادلها شخصان )
< سَمِعَ كلمات بالعربية تقول :
يا جماعة ، تعالو “.
(ظَنَّ) أنَّ التعزيزات اليهودية قد وَصَلَتْ . كان اليهود يَعْمدون عادة الى استعمال عِباراتٍ عَرَبية عامِيّة . (اعتقد چازيت أنَّ تلك الكلمات كانت تصدر عن رقيبٍ عاملٍ في وِحْدَتِه)
لَكِنَّ صَوْتاً أجابه بالإنجليزية : “مَرْحباً ، يا أولاد “.
لا يَلْجَأ اليهود في أغلب الأحيان للتّخاطب مع بعضهم البعض بالإنجليزية .
[سَمِع چازيت رقيباً في وِحْدَته يَصْرُخ في الخارج بالعَرَبية :
” يا جماعة ، تعالوا “.
لكنَّ صوتاً أجابه بالإنجليزية : “مَرٍحباً ، يا أولاد “.
لا يلجأ اليهود في اغلب الاحيان للتخاطب مع بعضهم البعض بالإنجليزية .
إنَّ التعزيزات اليهودية قد وَصَلَتْ . كان اليهود يَعْمدون عادة الى استعمال عِباراتٍ عَرَبية عامِيّة . ]
(لكن)ومع تقدم چازيت نَحو الباب ، مَزَّقَ سُكونُ الليل في تلك اللحظة صوتُ صَلْيَةٍ من رَشّاش . لقد وَصَلَ في ذات الوقت الذي توَقَّفَ فيه ( إطلاق النّار ) . كان الرَّقيب قد رَمى ثلاثةُ رجالٍ كانوا على بعد نحو عشرة ياردات منه بنيران رَشّاشه . أَحَدهم سَقَطَ صَريعاً على الأرض ؛ أمّا الإثنان الآخران فقد كان يَستطيع سَماع حَرَكَتهم وهم يَفِرُّون من المَكان في ظُلْمَة الليل.
” عِندما تكلموا بالإنجليزية ، عَرِفتُ أنّهم عَرَباً “، قال الرقيب وهو يَلهَث.
رأى چازيت أنَّ أُؤلئك الرِّجال كانوا يَعتقدون أنَّ تلك المَنطقة هِيَ في أيدي العَرَب( الفلسطينيين ) ، وأن التحية بلهجة عربية قد أتت من بريطانيين أصدقاء ( للفلسطينيين العرب) هاربين من الجندية( ويقاتلون معهم ) .
بعد ذلك ، قام الرقيب وآخرون عديدون بفحص جِسْم الضحية العربي ذو الشَّارِب الكَثيف ، وأخرَجوا من سترته الجلدية قُرآن وبَعْض الأوراق والتي كانت تَدُل على أنّه ضابط عالي الرُّتْبة . كان إسمه : ‘عبد القادر سليم’ مخطوطاً على رُخْصِة سِواقة مَصْرِيّة .
هاتفَ چازيت القِيادَة في القُدْس قائلاً : ” لقد قَتَلنا سَمَكَة دَسِمَة . الإسم هو عبد القادر سليم ، أُعيد سليم ….” ( كان يسعى للتأكيد أنَّ الرَّجُل ليس عبد القادر الحُسيني ).
وأرْدَفَ قائلاً:
“لقد هَزَمنا العَدُو، ولكنْ، عَلَيَّ أنْ أُشَدِّد أنَّ ذلك ليس إلا نَصْراً مُؤقتاً فقط . نحن نَحتاج للنَّجدة بسُرْعة “.
وفي السّاعة السّابعة والنِّصف صَباحاً ، وَصلَ “عوزي ناركيز” مع ثلاثة عَرَبات مُصَفَّحة مُحَمَّلة بـ(٦،٠٠٠) صَلْية من الذّخيرة .
” هذا ما تُريدَه ” ، خاطَبَ ناركيز چازيت وهو يَدْخُل الى مَقَر ِّقيادَته .
ثُمَّ خَرَجَا يَتمَشّيا خارج المَقَرِّ ، وأخذَ ناركيز يُحَدِّقُ بجُثمانِ العَرَبي (الفلسطيني)والذي كان مُسْتَلقِيّاً على وَجْهِه.
” هل يُمكنني الآن أن أَطَّلِع على الأوراق التي وَجَدْتها مع هذا العَرَبي ( الفلسطيني)؟ “، خاطب ناركيز چازيت.
رفض چازيت بادىء ذي بدء تَسليمَه الأوراق قائلا بأنه سَيقوم بتسليمها للقائد المسؤول عنه في القدس ، لكنّه وافقَ في نهاية المطاف على تسليمها لناركيز بعد مُجادلة حامية الوطيس بينهما.
أمر ناركيز رجاله سَحْب الجُثمان الى عَرَبَتِه المُصَفّحة ، لكن (وفي تلك اللحظة) عاد إطلاق النار الى الإندلاع من جديد . عندها ، قَرَّر ناركيز أن يَتْركها في مكانها . (ثُمَّ) قَطَعَ وَعْداً لچازيت بأنْ يُرْسِل تعزيزات له مع حلول وقت الظّهيرة . بَعدها إفترقا ، وأَخذَ يَخْلط الأوراق التي بين يديه والتي ظَهَرَ له أنّها تَشْتَمل على صُوَرٍ لأربعة أطفال ورسالة تَقولُ كلماتها :
” إنّي أبتَهِل إلى الله أنْ يُؤازِرك بالنّصر والسّلام ،…”.
****************
ومَع مُرور ساعات الصَّباح ببُطىء ، كان چازيت ، برَأسِه المُضَمَّد ( نتيجة إصابته برصاصة طائِشة )، يَتَمَدّد على الأرض في مَقَرِّ قيادَته مع عَدَدٍ مِنْ رِجالِه ، ويَتَمزَّق من الألم . كان مُنْهَكُ القُوى لا يَقْوَ على الحركة ،وكان يَعُدُّ الدّقائق لوُصولِ التّعزيزات التي طلبها . كانوا في غاية التَّعَب الى دَرْجة أنَّ جنوده كانوا قد عَمدوا على توزيع الذخائر التي وَصَلتْ عَبّر وَضْعها في أكياس من الخَيْش ، (ورشقها ليتلاقفها جندي من آخر) . (وفجأة ، وهُم في ذلك الحال)، حَصَلتْ هَمْهَمة وأصوات غَيْر واضِحة وكأنها صَريرُ جَرادٍ قادِمٍ عن بُعْد ، ثُمَّ صَرَخات وصياح وأزيز رصاص .ثُمَّ صاح أحد أفراد مجموعات الرقابة بأعلى صوته قائلاً : ” إنّهُم يُهاجِمون ! هناك آلافٌ مِنهُم ، إنّهم يَأتونَ مِنْ كُلِّ صَوْب !”.
إنتفضَ چازيتْ من مكانه، وخَفَّ نحو جِهاز الإتصال ، وهاتفَ “قِيادة هاريل” الكائنة في القَرْية( المُستوطنة / المُسْتَعْمَرة ) القريبة “كريات آناڤيم” قائلاً : ” لقد قُلْتَ بأنّكَ قادِمٌ عِنْدَ الظُّهْر ، لكنَّ وَضْعَنا يائِس ! حاوِل أنْ تأتِ أبْكر “.
وجاءه الجَواب : ” إنّهم في الطّريق إليك “.
بَعْدَ نِصْفِ ساعَة ، كان العَرب( الفلسطينيون ) قد اقتربوا أكثر . هاتفَ چازيت (القِيادة) مَرّة أُخرى قائلاً :
” أينَ هِيَ التعزيزات ؟” .
وجاء الجواب : ” لدينا مُشْكِلَة مع العَرَبة المُصَفَّحة . إنّها في الطريق “.
ومع صَرَخاتْ الإنتقام التي كانت تُدَوّي عَبْر التّلال والصادرة عن نحو الفين من القرويين العرب (الفلاحين الفلسطينيين) والتي كانت تَصُمُّ أُذُنَي چازيتْ ، إعتَقَدَ أَنَّ( مَصير )الوِحْدة التي يقودها قد تَقَرَّر ومآله الإنتهاء.
كان رِجاله يُقاتلون مَعْرَكة الرَّمَق الأخير وذلك عندما تمكن ضابط من البالماخ من الزَّحف الى البيت المَقَر بعد تَسَلُّقٍ خَطِر للتَلّة .
قال “ناحوم أرئيلي”، قائد قوة التعزيزات ، (وكان في غاية الإجهاد) : ” لقد وَصَلنا للتَّو “.
” ما عددٌ الرِّجال الذين مَعَك ؟” ، سأل چازيت .
” إثنان آخران . الباقي أسفل التَلّة . لَمْ يَتمكنوا من الصُّعود . كان إطلاق النّار كثيفاً “.
” إنَّ على رِجالِك أنْ يُرْغِموا العَدُو على التّراجع “. قال چازيت .
” لا نَستطيع. ليس لدينا عدد كاف من الرجال “. أجاب أرئيلي.
وفي هذه اللحظة ، إنْدَفَعَ جُنْدِيٌ من جنود أرئيلي إلى داخل المَقَر وهو يَصرُخ : ” إنَّ العَرب( الفلسطينيين ) قد وَصَلوا هنا . إنّهم يُسيْطِرونَ على بيت المُختار “.
” ماذا تقترح الآن ؟” ، سأل أرئيلي چازيت ، وهو يُحاول إلتقاط نَفَسِه .
” أقترِح أنْ نَخرُج كُلّنا جَميعا مِنْ هُنا !، دَعونا نَبْدأ الكَرّ نحو أسْفَل التَلّة باتجاه عزرا “.
تَحَرّكَ اليهود( رجال الهاغاناه) بجسارة وسُرْعة يَحْمِلون جَرْحاهم ، واندفعوا الى خارج ( القَسْطَل ) باتجاه عزرا ، وهي مُسْتوطنة تَقَع أسْفَل التَلّة ، حيث كان عَدَدٌ من أعضاء قُوَّة البالماخ يَنْتظرون . ولكن ، ولدى تيقن أرئيلي أنَّ عَدَداً قليلاً (من أفراد تلك القُوّة) كان في حُكٍم المفقودين ، — لَمْ يَكُنْ يَدُرْ في خُلْدِه أنهم كانوا قد فَرّوا باتجاه جنوب شرق القسطل ، بمُحاذاة طريق آمنٍ للهُروبِ . — لقد خَرجَ يُحاول أنْ يَجِدَ أماكنهم ، ويَصيح أنّه سَيُقْفِل عائِداً .
إنتظرَ چازيت والآخرون أرئيلي أنْ يَعود .كان ذلك في الوقت الذي كانت النيران فيه تَشتدُّ أكثر وأكثر . لكن أرئيلي لَمْ يتمكن من العودة . وبَعْد عِدّة دَقائِق ، قال قائد الهاغاناه : ” لا نَسْتطيع الإنتظار أكثر ! تراجعوا الى عزرا “.
عِنْدها ، وَجَّه مُلازِمٌ مِن البالماخ مُسدَّسَه صَوْب رأس چازيت ، مُحَذِّرا : ” سأقتلكَ إذا لَمْ تَنْتَظِر “.
لكنَّ چازيت، وكان على يقين بأن قوة التعزيزات لم تكن تُدْرِك مدى خطورة الوضع، قال : ” إذهب للجحيم “. وأمَرَ رِجالَه باللحاق به.
مع فَرارهم ، وَجَّه ملازم البالماخ مُسَدَّسَه إلى الأسفل ، وأخذ يتمتم باللعنات .
وبعدَ دقائق قليلة ، وعلى أثر فَرار عدد آخر من المُدافعين ، قَرَّرتُ قُوِّة البالماخ التّراجع ايضاً ، هذا على الرغم مِنْ أنَّ أرئيلي لَمْ يَكُنْ قد عاد بعد .
أمّا قائد القُوّة شمعون الفاسي ، فقد أصْدَرَ الأمر بـ : “على جميع أفرادَ القوّة من الجنود التّراجع . وعلى جميع الضباط أنْ يَحموا ظُهورهم أثناء الإنسحاب “.
مع حلول الوقت الذي انسحبَ فيه الضباط ، كان العَرب ( الفلسطينيون ) عمليا قد أجهزوا عليهم . تَمكنَ قائدٌ واحدٌ من الإفلات بِنَفْسه عبر الإختباء بغابة في أسفل المُنْحَدَر. أمّا باقي الضباط العَشْرة من قادة الفصائل ، فَقَدَ قُتِلوا جميعاً . لقد انتظروا ناحوم أرئيلي طويلاً — والذي كان قد انتهى أمره بعد وقت قصير من الوقت الذي قضاه في البحث عن رجاله المفقودين .
****************
كان بهجت ابو غَرْبِيّة يُكافح جاهداً في أعلى المُنْحَدَر الشمالي للقَسْطَل مع فرقة قليلة العدد من الرِّجال من أجل الإنضمام لرفاقه الذين كانوا قد نَجحوا في الاستيلاء على القرية ذاتها وذلك عندما لاحَظَ عِنْد الجناح الذي يتولى المسؤولية عنه، اليهود يُهَروِلون إلى أسفل التَلّة باتجاه حُرْش الأشجار . أمرَ أبو غربية رجاله بإطلاق النار ، وعَلَتْ على وَجْهه إبتسامة وهو يُراقب سُقوطهم ككُرات البولينچ ، وعلى الأخص أُؤلئك ممن كانوا في المَجموعة الأخيرة المُتراجعة . لو كان من الممكن أن يبلغوا الغابة / الحُرْش ، لكان من المؤكد أن يتمكنوا من الفرار .
تسلق أبو غَرْبِيّة هو ومُقاتليه التَلّة مُتّجهين الى (القَسْطَل) القَرْية ، والإنضمام الى جَمْع من رفاقهم الذين تَدفقوا إليها مِن كل الجهات . كان الرجال مُنتشين
ويهزجون ، يَحتضنوا بعضهم بعضاً ، ومنغمسين في جدال حول من قَتَلَ عدد أكبر من اليهود ( رجال الهاغاناه ) ، لَمّا ، صَرخَ أحدهم عالياً : ” لقد وجدناه ! عبد القادر ! …. إنه قتيل (إنّه شهيد) “.
تَوَقفَ (فجأة) جُنون ( نشوة النصر وتحرير القَسْطَل ). وانتشرت صَرْخة لسانُ حالها يقول : ” أينَ هُوَ ؟ أين هُوَ ؟ ، واندفع الرِّجال نحو البيت الذي كانت تشغله قِيادة الهاغاناه مَقَرّا لها . وهناك أمامه ، كان يَرْقد جُثمانُ رَجُلٍ بِسُتْرَةٍ من الجِِلْد . وأطبقَ صَمْتٌ رهيب على القَسْطَل في وَقتٍ انفجرَ فيه رجالُ القِتال الأشداء في بُكاءٍ حميم .
رَفعَ عَددٌ من الرِّجال الجُثمان ، وشَرَعوا في نَقْلِه الى أسْفَل المُنْحَدَر باتجاه الطريق الرئيس ، وتَبِعَتهم الجُموع.
تَمَلّكَ الذُّعْر بهجت أبو غَرْبيّة . تَوَسّلَ هو وقِلّة من القادة الآخرين إلى المُقاتلين للبقاء في أماكنهم .
جادلهم هو ورفاقه قائلين ؛ ” بَعْدَ كل هذا الدَّم الذي هُرِقَ ، لا نَستطيع أنْ نترك المَكان الآن !”.
لكن تَوَسُّلاتهم ذَهَبتُ أدراج الرياح ووقعت على آذان صم . لقد قاتل العرب ( الفلسطينيون ) مَعركة شَخصية شَرِسة — بهدف إدخال الحُبور لعبد القادر وحِمايَته . أما الآن ، فإنَّ بَطَلَهم قَتيل . (عدد كبير) قَرَّر مُرافقة الجُثمان إلى القُدْس والمُكوث هناك حتى انتهاء مَراسم الدَّفن . آخرون ، هاموا على رؤوسهم في كل اتجاه عائدين إلى قُراهم بعْدَ أن لَمْ يَعُدْ في أجوافهم جوع للمعركة .
أَقْلعَ بهجت عن مُحاولة أُخرى (لثني المقاتلين عن قرارهم مرافقة جثمان قائدهم الى القُدس) . جَلسَ على صَخرة ، مُسْتَنْفَد القُوى ، وأخذ يُراقبُ شيئاً يذوي في مِئات الرِّجال — رجالٌ كانوا مثال الشجاعة والبأس عندما يقاتلون في سبيل الله ، لكِنّهم لا مُبالون عندما يقاتلون لاستعادة تَلّة. لقد كان مَذهولا ومصعوقاً كأي رجل آخر لرحيل عبد القادر ، ولكن أَلَم تَكُنْ هذه التَلّة هي التي استشهد عبد القادر لأجل استردادها والحفاظ عليها ؟
بَقي بهجت في مكانه للدفاع عن القَسْطَل مع مجموعةٍ من نحو خمسين مقاتلا .
***************
لمّا عَلِمَ بأنَّ مُرْتفع القَسْطَل قد سَقَطَ بيد العرب ( الفلسطينيبن ) ، وَجّه رئيس أركان الهاغاناه ييچال يادين الأمر وبفظاظة، لوِحْداته عبر الهاتف من مَقَرِّ قيادته في تل أبيب قائلاً : ” يجب القيام بهُجوم مُعاكس حالاً لاسترداد القَسْطَل”.
التزمَ يوسف تابنكين ، قائد كتيبة البالماخ المُكَلَّفة بتنفيذ عملية ناحشون الصّمت . كانت عَينَيه تَرْقُبُ أؤلئك مِمَّن بَقِوا أحياء من هزيمة القَسْطَل وهم في حالة يُرثى لها ؛ بَعْضهم كان يَعْرُج ، وجميعهم مُنْهَك القُوى ، ومَدْمِيّون بعد أن لحئوا الى مقر قيادة فرقة هارِلْ بالقرب من ( مُستوطنة ) كريات آناڤيم.
جادل يوسف يادين قائلاً : ” لكن ، يا ييچال ، يَتوفر لدي فقط مَفْرزَة واحدة . الباقون قد تَبعثروا . كيف لرجال عَطْشى لَمْ يذوقوا منذ ثمان واربعين ساعة طَعْم النوم أن يهاجموا كل هؤلاء العرب( الفلسطينيبن في القَسْطَل ) في وَضْح النهار ؟. لقد أحصينا ألفا وستمائة منهم ، وربما يكون هناك عددٌ أكبر . يتعين علينا الإنتظار !”.
جاء رد ييچال حاسماً : ” هذا أَمْرٌ . عليكم إستعادة القَسْطَل فوراً !”
صَرخَ تابنكين : ” أنا لست ذاهِباً! “
لَمْ يتبادل أي منهما الكلام لثوانٍ . لكن صوتاً ثالثاً مَزَّقَ الصّمت : ” يوسفيل ، ماذا تُخطط القيام به ؟ “.
ميَّزَ تابنكين ، وهو رجل عَنيف مُنفعِل لا يَستسيغ أن يَتلقى أوامر من أيٍ كان ، حتى ولو من رُؤسائه ، صَوْت صديقه الحميم مُساعد يادين ، مونداك باسترناك . إعتبرَ َتابنكين أنه الآن قد اسْتُشير ، أي أنّه لَمْ يُؤمر . مع ذلك ، بدأ يُحاضِر على باسترناك حول الحُمْق في سِياسات الهاغاناه السابقة ، والتي كما قال ، سَمَحَت للعَرَب ( الفلسطينيبن ) لضرب اليهود متمتعين بالحَصانة / الإفلات من العِقاب.
لقد استيقظَ بن غوريون وحاشيته الآن فقط على الخطر المُحيق. وأنه ومِن سُخرية الأقدار أن يَرى البالماخ نفسه وهو الذي كان دَوماً المُحَبّذ لاتخاذ مواقف (صلبة وعنيفة) ،أن هناك من يخبره الآن كَيف عليه أنْ يُهاجم .
أجاب باسترناك : ” لُطفاً ، يوسيفيل ، إترِك السِّياسة لوالدك !”. لقد كان والد يوسف ؛ إسحق تابنكين ، قد قطع علاقاته ببن غوريون منذ سنوات عديدة سابقة بعد نزاعٍ سياسيٍ مَرير.
” حَسَناً، ما هي خُطّتك ؟”، عاد باسترناك ليسأل .
أجاب يوسف تابنكين :
“سأنتظر صديقنا الليل . عندها ، سأقوم باسترداد القَسْطَل “.
تلك الليلة ، أخبرَ تابنكين ، والذي كانت تُحَفِّزه العواقب المُحتمَلة للإمتثال ، مَجموعة من رجاله المُتعَبين الذين تمكن من حَشدهم : ” ليس مطلوبا مِنكُم أنْ تقوموا بما لا تستطيعون ” .
تحركت القوة المهاجمة باتجاه القَسْطَل ، وبدأوا بتسلق التلّة ، تحت ستارٍ كثيفٍ من قَصْفٍ بقذائف المورتر. ….
***************
كان بهجت أبو غَربِيّة يعلم أنَّ رجاله الخَمسون ، الذين كانوا بدون ماء أو طعام وبقدر محدود من الذخائر ، لا يَقوون على الصّمود طويلا. صَحيح أنَّ فوزي القاوقجي ، والذي كان يَعتقد أنه تمكن من إلحاق الهزيمة باليهود في ( مُستوطنة ) ميشمار هاميك ، قد أرسلَ بعض مدافع من عيار ٧٥ملم الى مَنطقة كانَتْ تحت الضغط من قبل الجيش العربي — بعد أن كان قد رفض تلبية طلب وَجَّهَه له عبد القادر بالراديو قَبْلَ مقتلة بوقت قصير ، لتزويده بالرجال والسلاح . كانت هذه المدافع تَصُبُّ الآن نيرانها على التجمعات اليهودية ، لكن تلك الإستجابة جاءت متأخرة كثيراً. كما أنَّ مفرزة من (٧٥) رجلاً أرسلها القاوقجي ” للإستعراض ” كانَتْ متوقفة في قرية عين كارم القريبة ، تَنتظر سُقوط القَسْطَل من جديد بيد اليهود. خونة !.
في صباح يوم ١٠ نيسان ، إنسحبَ بهجتْ ورجاله في نهاية المطاف من القَسْطَل الدامية ، متأملين أن يأتِ العون من الله .
أمّا بقية القوات العربية ( الفلسطينية ) في المنطقة ، فقد أُخْرِجَتْ من جَيْبٍ احتلته من المُستعمرة اليهودية موتزا ، ومن القُرى العربية الرئيسية ؛ قالونيا ، باب الواد، بيت محسير ، و ساريس .
في اليوم التالي لسقوط القَسْطَل ، كتب سَير هنري چيرني ، نائب المَندوب السّامي البريطاني في يومياته : ” لقد احتل اليهود الآن القَسْطَل ، وهم يُزَوِّدون قُوّات الهاچاناه فيها من خلال الجَو . طالما هم فيها ، فإنَّ هناك حظا قليلا للتّوصل الى اتفاق مع العرب يتعلق بالمرور الحر على الطريق . انها حركة يهودية نموذجية …. إنَّ عَليهم الآن أن يخرجوا من القَسْطَل قبل أن يكون بمُستطاعهم القيام بأي عمل آخر ، وسَيكون هناك كالمعتاد ذلك الضجيج والصُّراخ حول ذلك “.
لكن الضّجيج والصراخ الوحيدين جاء صداه في القدس عندما رحب يهود المدينة بشغف بثلاثة قوافل من المؤن نَجَحت بالمرور عبر الحَواجز المُتبقية وكَسْر الحِصار — وإنٌ كان إلى حين.