Menu Close

رسائل من غزة ،… بقلم أكرم الصوراني …! — كلمات لها تاريخ

هذا اليوم ؛ الاحد ٣١ آب ٢٠٢٥، وجدت على صفحة اكرم مُدَوَّنة يبدو انه كتبها بدموع العينين ،..مُدَوّنه لسان حالها يقول :

” ‘كل الشبابيك بتزكرني فيك، وأكتر شي بحبو بهالبيت هوّي الشبابيك..!’
الأغنية التي أدمَنَتها ‘ودانك ووداني’ يبدو ستصبح غصّة العمر يا أماني.!

من أسبوع وأماني بصمت تطوي البيت، كانت تطويه زاوية زاوية، غرفة غرفة، دُرج دُرج، وبذات الصمت كنتُ أَتأَمّل ما تَفعل، وأستغرب تماسكها وهي تَجرَح قطعه من روحها وجوارحها!
‘شكلها تعوّدت يا بَلَّدَت من كُتر ما نزحنا!’ بيني وبين حالي هيك حكيت خاصه وأن خبرتنا في مجال النزوح كفيله بمنحنا درجة الامتياز مع مرتبة الشّرف في التشرّد واعتياد القرف!
ظلّت تُدهشني طاقة أماني في ترتيب الطناجر والصواني وتصفيط الأواعي بمزاج عالي كما لو كانت في محل دراي كلين واستخدام لاصق أبيض صغير تكتب على هذه ‘حرامات’ وعلى هذا ‘قابل للكسر’ وهذا ‘قابل للأكل’ وسط حفلة غاب عنها كل المعازيم عدا اللاصق والكراتين!
ظللت مشدوهاً مما يحدث حتى سمعت صرخة خالد ‘بابا إلحق ماما!’ وقتها فقط أدركت أن أماني لم تكن كما تصوَّرت، وأنها لم تكن تُعزّل أصلاً للنزوح، لقد كانت تُعد مراسم تشييع البيت وإقامة عزاء مفتوح!
انهارت أماني، وبدأنا ندرك جميعاً أن كل شيء ينهار حتى طال روح الدّار!
صارحتني وهي تبلع دموعها، بنفع أطلب منك آخر طلب؟ بعد ما تنزِّل الأغراض خلّيني أضل شويّ حابه أمشي في البيت وأشبع منه لآخر مرّة!
ليلة وداع قاسية، للزّمان والمكان، لذاكرة الحارة، وأصوات الجيران، وشظايا هائلة من الذكريات تناثرت على الجدران!
ليلة الوداع نمت على البلاط الذي حَرِصَت أماني على أن يكون أبيض وأسود في المطبخ ‘شطرنج يا كرّوم’، وبيج فاتح للصالون، وستارة السُّفرة سكني، والكنب أبيض عارفه حيموتني بالتنضيف بس بموت عالأبيض، وبنسكِّر الحيطه هادي وبنعمل لكارمن غرفة، يا حبيبي مكتب خالد بيآخد مساحه وغرفتهم صغيرة، والحمام الصغير بنلغيه وبنفتح باب عالمطبخ، وطاولة السُّفرة بتفتح ضلفتين كبار وهيك بتوسعنا كلنا برمضان!
بعد ضجيج صاخب، صمت الآن في المكان، ثمّة رعشه، وعرق غزير، يبدو للأسف نوبة قلبيه مفاجئه، لأوّل مرّة في حياتي أشاهد قلب يتوقف في البِناء.. قلب بيت الدَّرَج لم يتحمَّل خبر الإخلاء، حتى جهاز ضغط أمّي أُصيب هو الآخر بالضّغط، وجهاز الأعصاب انفجر هكذا فجأة دون سابق أعراض!
أمام مكتبة والدي كان المشهد مهيب، فقد شَيَّعَت أُمّهات الكُتب روايات الحرب والسّلام ودروب المنفى وغزّة عبر التاريخ وقصة الحضارة وخروج العرب من التاريخ والقانون الدولي والفلسفة عبر العصور ورأس المال والأحزاب من الألف إلى الباء والموسوعة السياسية والكفاح المُسلّح والبحث عن الدولة الفلسطينية!
الأدوات الكهربائية لم نسمع لها صوت منذ وقت، الغسالة، التلاجه، التلفزيون، المكنسه، خلاط المولينكس، التكييف، السماعات وجهاز الصَّوت كأنّ على رؤوسهم الموت!
اسفنج الكنب قلبه قوي وكبير وتَحَمَّل ويتحمّل الكثير، أعتقد أنه سيعذرنا لأننا لن نتمكن من اصطحابه معنا لضيق مساحة ‘النُّص نقل’ مع أن ‘راقة من قفانا’ تعوّدت عليه كما تعوّد هُوَ على قفانا!
طاولة السُّفرة تنظر إلينا وتَتَنَهَّد، الكراسي هي الأخرى تَتنَهَّد، ستشتاق كل من جلسها من الأقارب والأصدقاء، ستشتاق كل من أحب سينابون أماني، وجاج محشي آنتي أماني، وستيك أمون، ومطبخ ام خالد!
غرفة الأولاد لم أجرؤ دخولها فعلى صغر مساحتها إلّا أنّها كانت دائماً ما تتسع للضّحك واللعب والرّسم، لأوّل مرَّة أرى الفرح حزين، ولأوّل مرّة أسمع ضحكه وهي تبكي، الألعاب كلها حزينه حتى الدبدوب يَبكينا!
الحمّام سيعذرني لأنّي لن آتي على سيرته حفاظاً على سمعة البانيو، لطالما كان يُحب صوتي وأنا أغنّي بلبوصاً، ‘كل اللّي معاك في الصورة غاب وَطَنك والأهل والصُّحاب كم واحد وَدَّع وساب من غير أسباب.. شايف في عينيك نظرة حنين بتحن لمين ولّا مين طول عمرها ماشيه السنين والنّاس رُكّاب!’
التَّخت يَشعر أن هناك شيء غريب يحدث في البيت لكن لا تهتز له خشبه، يبدو أنَّهُ يُكابر مثلي!
كلانا ينظر الى الخزانه ولا يتكلم، والخزانه تلتزم الصمت بينما نقوم بتشليحها قطعة قطعة، لقد أفرغنا محتوياتها بالكامل من الشباحات والبنطلونات والبلايز والجاكيتات والبوكسرات، شَلَحَت الخزانه عاريه وبدأت تَهتَز من البَرد في عزّ الحر، يبدو أنّها أعراض حُمّى النزوح التي ستلازمنا عمرنا القادم، ويبدو أن هذا الوقت هو آخرُ عهدنا بالبيت.. هِيَ إذاً قيامة النّزوح.. أو هُوَ إذاً نزوح الرّوح!

أكرم الصوراني
٣١ أغسطس ٢٠٢٥
غزّة-الجحيم”

في يوم الجمعة ، وقد توافق مع يوم ٢٩ آب ٢٠٢٥، وجدته يكتب لي :

“نتجهز لترك بيتنا للأسف ومغادرة مدينة غزة التهديد بالاخلاء واقتراب ساعة الصفر لاجتياح غزة. غدا نحن الى دير البلح في محطة نزوح جديدة قاسيه علينا جدا ان نترك بيتنا مجددا هو النزوح السابع منذ بداية العدوان ولا ندري بعدها الى المجهول والى أي مكان. متأكد أنكم معنا.. تحياتي”

لم اجد الا كلمات عاهد حلس ارسلها اليه اواسيه او اواسي نفسي ،لا أدرِ تماما لماذا فعلت ذلك ،.. فقد بحثت عن الكلام والكلمات ولم أجد سوى كلمات عاهد :

قررت ان ارسل لك ما كتبه د عاهد حلس ،.. ولا اعرف إنْ كان ذلك يضيف شيئا على ما كتبته انت يا اكرم اعلاه ،… ام لا ..!
كتب د عاهد يقول :
“وقفَ على ركام بيتهِ
تأمَّلَ الفراغَ الذي كانَ سقفًا،
والأبوابَ التي غدت ريحًا،
ثمَّ نظرَ إلى السماءِ وابتهل:
شكرًا يا الله، قصفوا البيتَ ولم نكنْ هنا…

وعلى بعد خطوات من بيته الركام
حيثُ لا قبورَ إلا التي حفرتها القذائف،
دفنوا أخاهُ في شارعٍ أو في أرضٍ فارغة..
وقفَ يقرأُ لهُ الفاتحةَ ، مسح وجهه بكفيه وقال لنا:
عثرنا عليهِ بعدَ أسبوعٍ واحد فقط
ولم تأكلْ الكلابُ جثته
فقد خبَّأتهُ الأنقاضُ في حضنِها…
شكرًا يا الله ..شكراً لانك إلاهُنا.

ثم عادَ إلى خيمتهِ،
احتضن طفلهُ الصغير
قَبَّلَه على جبينه
ثم قال لنا :
سيأخذُ من الريحِ حريتَه،
ومن الغيمِ شرابَه،
سيكبرُ غدا ،
ويعيدُ بناءَ المدرسة.

وحينَ وصلَ إلى بهوِ المشفى،
كانَ المكانُ مكتظاً بالموت،
صفوفٌ من الأكفانِ تنتظرُ منْ يودِّعها،
ارتعشتْ شفتاهُ من هول ما رأى
و تمتم بصوت لم نكد نسمعه :
كلُّ هؤلاءِ أهلي…كلهم اهلي
وظل صامتا
لم ينطق بحكمة
ولا موعظة..
وصفرت ريحٌ
ودارت على العًشبِ اورق شجر يابسة..
هو ليس بقديس
ولا نبي
هو حبة قمحٍ تتشقق الان في اعماقها..
هو يرى الله
ويصير في نفسه
حقل سنابل كاملة

“أ.د.عاهد حلس”

في ٣ شباط ٢٠٢٥، وكان قد تم الاعلان عن وقفٍ لاطلاق النار ،.. استثمرته الناس في العودة الى الاحياء التي كانت قد اضطرت على النزوح منها قبل اشهر ، كتب لي اكرم يقول :

“صباح الخير حبيبي.. وصلنا غزة.. وصلنا غزة.. وصلنا بيتنا.. البيت موجود وبخير لا نصدق وسط أهوال القيامة أن نجده على هذه الصورة المفرحة سأرسل لكم لحظات الوصول لتشاركونا الفرحة حبايبي عمي عبد خالتي منى والعائلة العزيزة.. بنحبكم❤️

ارسل لي بعدها بقليل ثلاثة ڤيديوهات تصور رحلتهم وهم يقتربون من البيت ، ثم وهم يصعدون الدرج الى البيت ،… ثم وهم يَلِجونَ فضاء البيت ،… ويكتشفون رحلته في غيابهم …، ثم كتب لي يقول :

“معجزة والله.. مش مصدقين مشدوهين.. وبيت أبوي حبيبي بخير ومكتبته وكتبه وكل التفاصيل.. مش مصدقين.. وكأننا نكتشف البيت لأول مرة.. ولا ننسى وقوفكم الى جنبنا ومواقفكم العظيمة ودعمكم وتعزيز صمودنا.. دائما كنتم معنا ولازلتم أنتم وكل الأوفياء كنتم وستبقون أحد أسباب الوقوف والصلابة والتماسك والتوازن.. لاشك هنا خشونة في العيش في المدينة بشكل عام وكأنك تشاهد فيلم نهاية العالم.. على الصعيد العام المشهد قاسي ومؤلم ولا يستوعبه عقل.. على الصعيد الخاص ورغم الصعوبة في توفير الماء والانارة والطاقة والانترنت وباقي التفاصيل لكن مش مهم.. بتعدي.. وبنتحدى.. بحكي لأماني وخالد وكارمن بنتعب شوي معلش وبرجع كلشي زي أول ويرجع أبوي وامي ان شالله لبيتهم.. ويرجعوا خواتي واخوتي.. عارف أول ما دخلت بيت الوالد.. وقعت عيني على صورة عائلية حميميه أيام ما كنا سوا نفضت عنها الغبار.. وصمتت.. سأرسلها لك.. دمتم بخير وصحه وقوة.. بنحبكم❤️

وعُدتُ أسأل نفسي ،… لِمَ أسترجع كل ذلك ،…وتذكرت ما قلته لفلاح ودرويش في بيت العزاء مساء هذا اليوم :

… كل ما يحصل في فضاءنا العربي منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ غير مفهوم وغير معقول وغير مقبول …! لكن قوانين الطبيعة لا احد يستطيع دَحْضَها أو نَفْيَها أو إلغاءها … هذي القوانين تقول:

… الضغط والقهر والكبت يولد الطوفان والإنفجار وسَيُوَلِّده حتماً ،.. ! وما علينا سوى الإنتظار ..! ولعله يحمل معه الفَرَجَ والإنفراج …!

عبد الرحمن البيطار

عمان ٣١ آب ٢٠٢٥