يَومية الجمعة الموافق ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٤
-( ٢ يوميات ما بعد السابع من أُكتوبر ٢٠٢٣)
في سياق إعدادي لليومية رقم (٢) من يوميات ما بعد السابع من تشرين الاول / أُكتوبر ٢٠٢٣ ، كنتُ أراجع مَخطوطة الجزء الثاني من يومياتي التي صَدَرتْ الطبعة الأولى منها في العام ٢٠٢٢ ، وقَدّم لها الاستاذ علاء الدين ابو زينة في ٢٧ آب ٢٠٢٢ تحت عنوان ” يوميات البيطار … تجوالات حُرّة في العالم “، وقد انهى مقدمته للكتاب بأَنْ أَقتبسَ مما كتبتُ في إحدى اليوميات النص التالي:
قال علاء :
” في نهاية هذا الجزء من يومياته، يَكتبُ البيطار :
‘ التمسك بالقرارين ١٨١ و ١٩٤، هو الذي سيُحَرِّرُ يهود فلسطين والعالم من الصهيونية العنصرية ، وسيفتح آفاق حل الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة ، دولة لكل مواطنيها على قاعدة إحقاق حقوق الفلسطينيين الوطنية، والعدالة ، والمساواة ، والمواطنة المتساوية لجميع مواطني دولة فلسطين الديمقراطية الرائعة.
المشروع الصهيوني في مأزق ، ومأزقه يتفاقم .
المشروع الوطني الفلسطيني في مأزق ، ويواجه تحديات كبرى .
والحل معروف للمأزقين .
ودونه سيتأبد الصراع ‘.
اثناء استعراضي لما كَتَبْتَه من يوميات ، وجدتُ على الصفحة رقم (٣٢٩) من الجزء المذكور ، وبعد أنْ أنهيتُ يَومية كتبتها في ٩ تشرين الثاني ٢٠١٨ في سياق تكملة لحوار بدأته مع الدكتور محمود يزبك حول مقالة له كتبها بعنوان “فلسطين بين صفقة القرن وقانون القومية العنصري ” .. أقول ،.. وجدتُ إضاءة كَتَبْتَها عن غَزَّة ، قلت فيها :
” غَزّة … في قاموس التّحرُّر الوطني
هي رمزُ العِناد الوطني الفلسطيني….
هي حامِلةُ الكبرياء الوطني الفلسطيني…
هي حامِلةُ برنامجه الـ وطني المُقاوِم ….
هي الرَّد الوطني على القيادة المُتخاذلة المُستكينة في رام الله التي مَرَّغَت الشَّرَف الوطني الفلسطيني والعربي بعار قُبولها التنسيق الأمني مع سلطات الإحتلال الصهيوني،
غَزّة تُسَطِّر ُ بالدم كل يوم اسطورة الصمود والمقاومة رغم سياسات الحصار والتجويع الصهيوني ، والإمبريالي ، والعربي والفلسطيني الرَّسمي .
غَزّة هي الرّافعة التي سَتَنْشُل العمل الوطني الفلسطيني والعربي من مًستنقَع القَوْقعة والإنكماش والتَّرَدّد والسِّلبية إلى فضاءات العمل الثوري الإنساني التّحرري التّقدمي ، وسترسم لشعوبنا طريق الخلاص الوطني والإقتصادي ، والإجتماعي .
غَزّة هي المَلْحَمة التي ستوقظ الضّمير الإنساني العالمي من سُباته، وسَتوقظ معه ضَمير اليهود من مواطني كل بلدان العالم ، وسَتُعَرّي أما الرأي العام العالمي ، واليهودي على وجه الخصوص بَشاعة الصهيونية وجرائمها التي لطَّخَت بها سُمْعة يهود العالم، وستكشف للجميع الجَوْهَر العُنصري المَقيت للصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية والصهيونية الإسلامية بلا تمييز …..
غَزّة تَدفع كل يوم ثَمَنَ تحرير الضّمير العالمي من الطُغيان ….
لِغَزّة قاموسها ،…. وهو الكتاب المقدس لكل ثوّار البشرية في الزمن الرّاهن من أجل التحرر بكل أشكاله وفي جميع ميادينه….!
ما أروعك يا غَزّة …. ما أروعك …!”
جاءت هذه الكلمات عندما كان شعب غَزّة من الفلسطينين من مواطنيها الأصليين ، وممن لجئوا إلى قطاع غزة الفلسطيني من الفلسطينيين في العام ١٩٤٨ ، بعد حَمْلات التطهير العرقي الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، والتي نفذتها الحركة الصهيونية في فلسطين بعد صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ تحت مرآى قوات الإنتداب البريطاني وبتوجيهات وتعليمات من الوكالة اليهودية لفلسطين لفصائل الإرهاب الصهيوني المُسلحة ، وهي حملات صهيونية يهودية اعتُبِرَتْ من أبشع عمليات التطهير العرقي التي تم تنفيذها بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية ، أقول ، كان شعب غَزّة مُنْخَرِطٌ في حينها في تنفيذ مَسيرات العودة على طول الخط الفاصل ما بين أراضي القطاع ، والأراضي الفلسطينية المحتلة في العام ١٩٤٨.
نعم ، جاءت هذه الكلمات من يومياتي عندما كنت مُنْخَرِطاً أيضا في نقاشات مع الصديق المفكر غازي الصوراني ، والذي يقاوم الآن مع ابناء شعبه في القطاع ويواجه التحديات وأبشع الجرائم التي ارتكبها الكيان الصهيوني الفاشي العنصري ولا زال يُمعن في ارتكابها منذ السابع من تشرين الاول ٢٠٢٣ بحق الفلسطينيين في غزة ، وفي الضفة الفلسطينية المحتلة،… أقول ، كنتُ مُنخرطاً في نقاشات معه حول الإنقسام الفلسطيني ، وكيف نَفهمه ، وأيضا كيف
نَخرج منه. وفي سياق ذلك ، استعرتُ تشبيهات من ظروف انقسام مَرَّتْ بها الحركة الصهيونية ،… حيث كتبتُ له في حينها أقول :
” شَهِدَت الوكالة اليهودية قبل العام ١٩٤٨ انقسامات واختلافات حادّة بين الفصائل اليهودية الصهيونية المسلحة( الهاغاناه، إيتسل/ ليهي ،، شتيرن ، أرغون) وَصَلتْ في بعض الأحيان إلى الإشتباك المسلح .
في عقد الأربعينيات من القرن الماضي ، اعتبرت فصائل صهيونية قوات الإنتداب البريطاني قوات احتلال لما اسماه ” أرض إسرائيل ” ، وشَنّت عليها حرب مُسَلَّحَة في حين نَأَتْ قوات الهاغاناه نفسها عن تلك الهجمات .
فَصائل صهيونية مسلحة اغتالت الكونت برنادوت في أيلول ١٩٤٨ في ظل إدانة بن غوريون (الذي كان حينئذٍ يقود الوكالة اليهودية لفلسطين والتي هي إطار يشبه في تكوينه إطار منظمة التحرير) لهذا العمل الإرهابي .
قوات الهاغاناه هي القوة المُسَلَّحة النِّظامية أوشيه النظامية للوكالة اليهودية .
الفصائل الصهيونية المُسَلَّحة الأخرى شاركتْ ولعبتْ دوراً اساسياً في تنفيذ خُطة الوكالة اليهودية ( الخطة دالت ) في الفترة السابقة ليوم ١٥ ايار ١٩٤٨ في تنفيذ حملة التطهير العرقي وفي ارتكاب المذابح بحق قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني وعلى راسها مذبحة دير ياسين .
الوكالة اليهودية لفلسطين أدارتْ التعارض والتناقض والتصارع والاقتتال اليهودي اليهودي او الصهيوني الصهيوني لصالح تحقيق الأهداف العليا للحركة الصهيونية .
حَلَّتْ جميع الفصائل الصهيونية المسلحة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار قوات تشكيلاتها المسلحة بعد ١٥ ايار ١٩٤٨ وتَوَحَّدَت تحت إسم جيش الدفاع الاسرائيلي ، وحَوَّلَت تكويناتها إلى تكوينات حزبية سياسية .
في ظل انقسام فلسطيني على استراتيجيات العمل ، لا مَناص من العمل وفق استراتيجية إدارة الإختلاف في إطار تنظيمي واحد هو منظمة التحرير الفلسطينية التي يجب أن تكون الوعاء التنظيمي الجامِع لكل قوى الشعب الفلسطيني .
تفعيل منظمة التحرير هو المطلب، وهو الهدف الذي يجب أن يتم العمل لتحقيقه ، فهو الوعاء الذي يمكن من خلاله توحيد الاستراتيجيات او إدارة الاختلافات لمصلحة تحقيق الاهداف الوطنية العليا للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة الصعبة. “
وأخيراً ، وقبل أن أختتم يوميتي هذه ، أود أن أقول ، أن النَّهج الذي اتّبعه الكيان الصهيوني بعد السابع من تشرين الاول ٢٠٢٣، هو إعادة انتاج خُطة التطهير العرقي التي نفذتها الوكالة اليهودية لفلسطين في الفترة التالية للأول من نيسان ١٩٤٨ والمعروفة با “الخطة دالت ” ، وحَوّلتها إلى خطة إبادة جماعية وتدمير شامل لكل مُقومات الحياة في قطاع غزة بهدف توليد الظروف المؤاتية لتنفيذ عملية تطهير عِرْقي جارف لفلسطينيي القِطاع إلى خارج فلسطين ، كبروڤة لما تقوم وتنوي تنفيذه بحق فلسطينيي الضِّفّة الفلسطينية المحتلة في قادم الايام . ( وهو موضوع سأتطرق له بالتفصيل في اليومية القادمة )
يحاول الكيان الصهيوني تحت قيادته الرّاهنة اجتثاث أي إمكانيات للتعايش وأية مقومات لإنشاء الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين ، وهو الحل المُمكن تحقيقه فقط عندما يتحرر يهود فلسطين والعالم من الصهيونية العنصرية الفاشية ،وهو الحل الجذري للصراع في فلسطين .
أما القيادة الراهنة للكيان الصهيوني فهي قيادة تسعى بكل ما أُوتيت من قوة إلى تكريس اندفاع قطاعات واسعة من يهود فلسطين نحو الإمعان في تبني صهيونية عنصرية فاشية قاتلة ، وتعميق هذه التوجهات في أوساط يهود فلسطين ، وذلك عبر إنكار الوجود الفلسطيني بِرُمَّته ، وإنكار حقوقه الوطنية ، ورفض الإعتراف بها ورفض الإعتراف بالمسؤولية عما ارتكبته الصهيونية المجرمة والكيان الذي انشأته في فلسطين بالجرائم الصهيونية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني منذ العام ١٩٤٨ وحتى تاريخه.
السابع من تشرين الأول نقلَ القضية الوطنية الفلسطينية إلى مرحلة مُتقدمة من الصراع ، وعلى كل الأصعدة وفي كل الميادين والساحات ، وهي عملية فتحت الطريق امام تحول عِمْلاق في كل الأوساط ذات العلاقة بفلسطين وفي كل مكان يعود الفضل فيها إلى شعبنا في غَزّة المُدمّاة ، وفي الضِّفّة الفلسطينية المُقاتلة ، وكذلك الى المقاومه الباسلة ..! ليس فقط في فلسطين وإنما ايضا في سوريه ولبنان واليمن والعراق ،.. المساندين بالدم لشعبنا في مقاومته ، ولأحرار العالم في كل مكان ..!
تلك هي يوميتي لهذا اليوم
عبد الرحمن البيطار
عمان – ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٤