يومية السبت الموافق ٩ كانون الثاني ٢٠٢١
هذه هي اليومية الثانية التي أكتبها في العام الجديد هذا ، وكنتُ في الأولى ، في اليوم الأول من هذا العام ٢٠٢١، قَدْ تناولتُ فيها مُقابلة “أُووِنْ جونز” مع المُفكر الأمريكي الأُمَمَي ” نعوم تشومسكي ” والتي عَبَّرَ فيها عن رُؤيته للمَآلات التي يتوقعها لقضية فلسطين ، ومَصيرها ومصير الفلسطينيين ، واليهود الصهيونيين فيها، في ضوء قِراءته لواقع الاوضاع القائمة في الوقت الراهن في فلسطين ، والتطورات المتوقعة على المدى القريب ، وربما المتوسط ، فيها وفِي اقليمنا ، وفِي الوِلايات المتحدة ، وباقي بلادِ العالَم .
وخلال هذا الأسبوع ، جاءني اتصال من الصّديق غازي الصوراني يُعَلّق فيه على اليومية ، ويقول لي انه ارسلها لمجلة “الهَدَف” ونشرها في عددها الصادر في هذا الاسبوع ، وقال لي ، انه يعتقد ان ما أُنادي به منذ سنتين حول ضَرورة مُراجعة استراتيجية النضال الوطني الفلسطيني ، واعادة صياغتها ، لا بل وبلورة استراتيجية جديدة ، هي في نظره قد اصبحت الآن ضَرورة حياتية ، لا مفر منها ، وأن علينا ان نعرف على وجه التحديد أين اخطئنا واين أصبنا خلال المائة عام الماضية ، وكيف علينا ان نتحرك خلال المَرْحلة المقبلة.
كما وأنّي وخلال ذاتِ الاسبوع ، هناك من ارسل لي مقابلة مصورة مع الدكتور عبد اللطيف عربيات ؛ رئيس البرلمان الاردني السابق ، والإسلامي المَعروف يتحدث فيها عن ” إسلامية ” القَضية الفِلسطينية ، وان تحويلها لقضية ” وطنية ” فلسطينية منذ العام ١٩٦٤ ، أي منذ انعقاد المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول في القدس في ٢٨ ايار ١٩٦٤، وإعلان تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ، قَدْ حَجّمَ القَضية ، وأضعفها ، وربما كان ذلك ، في رأيه ، لأجل تصفيتها لصالح المشروع الصهيوني.
كما وقرأتُ ايضا مقال الدكتور محمد علي الفرَّا الذي نَشَرَه يوم ٨ كانون الثاني ٢٠٢١ في ” رأي اليوم ” اللندنية ، تحت عنوان “كيف كان كيسنجر خلف قرار تمثيل المنظمة للفلسطينيين وما هي نصيحة الحسن الثاني التي قبلها السادات، والأخرى التي رفضها الملك حسين؟”، وفِيه ايضا ، تحدث الدكتور حول الطابع ” القومي ” العربي للقضية ، وان اختزالها الى قضية ” وطنية ” فلسطينية هو مؤامرة عليها ، وأنَّ ما مَفاده ؛ حصر التمثيل بـ” مُنظمة التّحرير ” ، استهدف أو أُستُغِلَّ لتصفية القضية ، وإنهائها لصالح المشروع الصّهيوني في فِلسطين .
ومع احترامي وتقديري لوجهات النظر المَذكورة ، الا أني أرى فيها تبسيطا مُفْرِطاً لا يُفيد القَضية ، لا بل ان التَّذَرُّع بها قد يُوَفر لكثيرين منفذاً للتهرب من المسؤولية الوطنية والقومية والإنسانية ، وكذلك الدينية ( إسلاماً ومَسيحية ويَهودية على قدم المساواة ) تِجاه هذه القضية ، الواضحة المعالم ، بأبعادها كلها : الوَطنية ، والقومية ، والانسانية ، والدينية .
في هذه اليَومِيّة ، سأتناول مسألة ” تغييب ” فِلسطين ، و الفلسطينيين ، وما جلبه ذلك من دمار ، وأضرار جَمّة ، على الفلسطينيين العَرَب بكل عقائدهم ؛ مسلمين ومسيحيين ويهود ، وغيرهم ، وعلى الشُّعوب العربية في سورية وباقي بلدان الوطن العربي ، وعلى شعوب إقليمنا بمن فيهم إي ان وتركيا ، وعلى المجتمع الإنساني ، ومنهم كذلك يهود فلسطين ، ويهود العالم ايضا.
ولأنها يومية ؛ الإطالة فيها غَير مُستساغة ، فَسأُسَلِّط الضُّوء فيها على ” “تغييب” فلسطين والفلسطينيين في أعوام النّكبة ١٩٤٨ و ١٩٤٩ و ١٩٥٠ ، والاعوام الذي تلته وصولا للعام ١٩٦٤.
إن التأسيس للنكبة الفِلسطينية بدأ مع الإحتلال البريطاني لفلسطين وسُقوط القدس في كانون الأول من العام ١٩١٧ في ايدي البريطانيين .
لقد امتدت عملية التأسيس للنكبة ما بين عامي ١٩١٨ وحتى أيار ١٩٤٨ ، وبدأت على نحوٍ رَسْمي بتفويض من عُصْبة الأُمم في تموز ١٩٢٢ ، وبموجب صَكّ إنتداب أَوْكلَتْ أحكامه لبريطانيا مُهِمّة تهيئة أحوال فلسطين لإقامة وطن قومي لـ” يهود أُوروبا والعالم ” فيها ، وشَهِدَت أيضاً نَقْل فلسطين في العام ١٩٤٦ من عُهْدة ” عُصْبة الأُمم” الى عُهْدِة ” مُنظّمة الأُمم المتحدة” والتي أصدرت قرارها رقم ١٨١ في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ بتقسيم فلسطين ، واقامة دولة يهودية ، ودولة عَرَبية فلسطينية فيها ، مع وَضع القدس تَحْتَ حُكْم دَولي، وشَهِدَت كذلك خِلالَ النِّصف الأول من عام ١٩٤٨ تنفيذ حَمْلة تطهير عِرْقي للفلسطينيين العَرَب وطَرْدهم من بلادِهم ، وهي الحَمْلة الأولى والأوسع التي تشهدها البشرية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وقد تم تنفيذها على مرآى من الدولة المُنْتَدَبة على فلسطين ( بَريطانيا ) وقواتها فيها ، ومُنظمة الأُمم المتحدة ، ومَجلس الأمن الدّولي ، وعلى يد الصهاينة اليهود ، أعضاء منظمات الإرهاب الصهيوني، وللمُفارَقة وسُخرية الأقدار ، قام باقترافها هذه المرة المُضْهَدُون اليهود في اوروبا ، ممن عانوا من الإضطهاد العُنصري والعرقي في اوروبا عبر القرون .
ان أهم ما في مَرْحلة التأسيس للنَّكبة من مظاهر يَتَمثل في استصدار قرار دولي من ” عُصْبِة الأُمم ” ، -وهي تمثل النظام الدولي الجديد الذي نشأ بعد الحرب العالمية الاولى ، وأنشأته الدول المنُتصرة في تلك الحرب – يُوكل لبريطانيا (بموجب صك انتداب صادر عن العُصْبة ) مُهِمّة تهيئة أحوال فِلسطين لإقامة وطن قومي ليهود العالَم فيها ، وتسهيل هِجرة يَهوده اليها ، والاعتراف لهذه الغاية من قِبَل العُصْبة بهيئة رسمية ممثلة ليهود العالَم ، هِيَ الوَكالة اليَهودية واقرار مَبدأ التنسيق معها لتحقيق المُهِمّة ، وقد اقتضى ذلك من الدولة المُنْتَدَبة على فِلسطين ، حِرمان سُكّان فِلسطين العَرَب ( مسلمين ومسيحيين ويهود ) من حق تأسيس سُلطة تشريعية منتخبة في فلسطين ، اي من حق تقرير مصيرهم بانفسهم على أرضهم ، لأن تأسيس مثل هذه السُّلطة ، كان سيُعرقل تَنفيذ المُهِمّة الموكولة لبريطانيا . لذلك ، فقد عارضت سُلطات الانتداب والحكومة البريطانية ، والوكالة اليَهودية في فِلسطين في الاعوام الاولى للانتداب تَشكيل مَجلس تشريعي منتخب في فِلسطين .
أمّا “التغييب” ، فقد تلازم مع مرحلة تكريس الكِيانيّة الصهيونية في فلسطين، والتي امتدت ما بين عامي ١٩٤٨ و ١٩٦٧، وهي ذات الفترة التي تم فيها تكريس ” نَكْبِة ” الفلسطينيين ، بتعطيل تنفيذ القرار الأُممي (١٩٤) القاضي بإعَادة الفلسطينيين الى مدنهم وبَلداتهم وقُراهم التي طُرِدوا منها في فِلسطين ، واعادة مُمتلكاتهم لهم ، وتكريس إدامة ” مُخيمات / غيتوات اللجوء ” للفلسطينيين المطرودين من بلادِهم في بلدان اللجوء العربية المحيطة بفلسطين ، وحشرهم فيها ومنعهم و/ او عدم تمكينهم من العَوْدة الى دِيارهم في فِلسطين ، بذريعة ان هذه هي مُهِمّة قومية ، ستتولاها الدول العربية المُحيطة بفلسطين .
نعم، لقَد شَهِدت هذه المَرْحَلة ، التغييب التام للكِيانيّة الفلسطينية ، بتغييب فلسطين والفلسطينيين ، بقرارات وممارسات عربية ، من مَسْرَح الأحداث في فلسطين ذاتها ، وفِي بلدان المنطقة والإقليم ، وعلى الصعيد العالمي ، وذلِك للجزء الأكبر من مُدّة هذه المرحلة ، أيٍ حتى ٢٨ أيار ١٩٦٤ ، وهو تاريخ إنعقاد ” المؤتمر الفلسطيني الأول ” في القدس بحضور (٤٢٢) عُضواً ، والذي تم فيه إشهار ” مُنظّمة التحرير الفلسطينية، وإقرار الميثاق القومي الفلسطيني، والنظام الأساسي للمنظمة .
إن “تغييب” فلسطين والفلسطينيين ، أَخْذ مَظاهر مُتنوعة ، تَمَثّل أحدها في تَعطيل تنفيذ قرار التقسيم رقم (١٨١) ( على جُوره ) ، الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧.
وتَكَرَّس هذا “التغييب” من خلال مَظْهرٍ آخر ، تمثل في تَعطيل تنفيذ قرارات مؤتمر غزة والذي انعقد في ١ تشرين أول ١٩٤٨ – بعد أُسبوعين من قيام إرهابيين صهيونيين باغتيال الكونت فولك برنادوت ،في القُدْس في ١٧ ايلول من العام ١٩٤٨، والذي تم تعيينه في ٢٢ أيار ١٩٤٨ بمنصب “الوسيط الأُممي”المُكَلَّف بالاستناد على القرار (١٨٦) للجمعية العامة للأُمم المتحدة المُتَّخذ في ١٤ ايار ١٩٤٨ بالاضطلاع بُمهمة التوسط للعَمل على ايجاد تسوية بين الأطراف المتنازعة في فِلسطين- ، وكان مُؤتمر غزة الذي اعتَبَرَ نفسه مجلساً وطنياً فلسطينياً ، قد اعترف بـ “حُكومة عُموم فِلسطين “، التي أعلنت “الهيئة العربية العليا في فِلسطين” تَشكيلها في فِلسطين في ٢٣ ايلول ١٩٤٨ ، وأعلن المُؤتمر إستقلال فلسطين على كامل حُدودها الإنتدابية ، وإقامة دولة حُرّة ديمقراطية ذات سيادة يتمتع فيها مواطنوها ( جميع مواطنيها) بحرياتهم وحقوقهم ، وأصدر دستوراً مؤقتاً لفلسطين، ودعا الدُّوَل العَرَبية ودوّل العالَم لمساندته بكافة أشكال المساندة لإقامة دَوْلة ديمقراطية حُرَّة في فِلسطين لجميع سُكّانها .
جاء التعطيل هذه المَرّة بانقسام الدُّوَل العربية ( الأعضاء في جامعة الدُّوَل العَرَبية ، وكان عددها سبعة ) بين مُؤَيِّد ومُعارِض لمؤتمر غزة ، ولإعلان تشكيل “حكومة عُموم فلسطين” ، واستتبع الإنقسام العربي ، تقسيم الفلسطينين، عبر رعاية عَقْد مؤتمرات مُوازية لمؤتمر غزة ، مِمّا أدى الى إضعاف مكانته ، وتقليص دوره ، ومن ثمَّ الى إماتته سريرياً ،.. وبالتالي ، فقد ساهم الإنقسام العربي ، وما استتبعه من تقسيم الفِلسطينيين ، في تعزيز “تغييب” فلسطين والفلسطينيين من ساحات العمل الفلسطيني والعربي والدولي في العام ١٩٤٨ والمرحلة التي تلته ، وحتى انعقاد مؤتمر القمة العربي الأول في القاهرة في كانون الثاني من العام ١٩٦٤، الذي أقر ضَرورة وقف “التغييب” العَرَبي الرَّسمي لفلسطين والفلسطينيين ، والعمل على إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة إبراز فِلسطين والفلسطينيين وممثلهم على الصُّعُد الفلسطينية والعربية والاقليمية والدولية .
يُضاف الى ذلك ، الآداء السيء لجيوش الدُّوَل العربية أو أغلبها -التي دخلت وِحدات مِنها الى فِلسطين في النِّصف الثاني من ايار من العام ١٩٤٨ – وذلك في ساحات القتال ، او في أكثرها . وفِي هذا ، يَتعين أن ننتبه ، الى أن توقيت (السّماح) بدُخول تِلكَ الوحدات جاء فَقَط مربوطاً بانتهاء الإنتداب البريطاني في فِلسطين ، وانسحاب آخر جندي بريطاني مِنها في صبيحة يوم ١٥ ايار ١٩٤٨ ، بمَعنى أن بريطانيا التي كانت تُكَبِّل أربعة بلدان عربية ( من أصل السبعة الاعضاء في جامعة الدول العربية ) بمُعاهدات وبمساعدات مالية هي مصر والعراق والأُردن والسعودية ، لَمْ تَسمح لقوات تلك البلدان بالدخول والمشاركة الفعلية في القتال إلا بعد خروج قواتها المسلحة وسلطات انتدابها من فلسطين ، أي بعد ان كانت مُنظمات الإرهاب الصهيوني المُسلحة قد (نجحت) في تنفيذ الجزء الأكبر والأهم من حَملة التطهير العِرْقي للفلسطينيين ، وطَرْدهم من دِيارهم ، وتحويلهم الى لاجئين في البلدان المحيطة بفلسطين ، وبعد الإنتهاء من الإستيلاء على اهم المدن الساحلية في قلب فلسطين ، وغيرها ، وهي الحَمْلة التي تَمَّت أمام مرآى قُوّات الانتداب البريطاني ، لا بل أنَّ عَرَباتها قَدْ شارَكَتْ في تَفريغ ونقل فلسطينيين من بلداتهم ( طبريا ، صَفَد ، ..) وقُراهم ( بيسان ، ..) الى شرق الاردن . ويُضاف الى ذلك ، ان دُخول تِلكَ القوات ( العَرَبية) كان مشروطا بأن لا تتعدى مسرح عملياتها الاراضي التي كانَتْ مخصصة للدولة الفلسطينية في قَرار التّقسيم، وهو أيضاً هدف لَمْ تنجح تِلكَ القوات بتحقيقه.
كما كان لقبول الدول العربية الإلتزام بأحكام الهُدنة الأولى في ١١ حِزيران ١٩٤٨ ، ثم فشلها في الدفاع عن المَناطق في فِلسطين التي كانت في أيديها وذلِك خِلالَ العَشْرة أيام التي تلت إنتهاء العمل بهذه الهُدنة ، أي في ما بين ٩ تموز و ١٨ تموز ١٩٤٨ ، والتي شَهِدت خِلالها سقوط مدينة النّاصرة ، وأجزاء من الجليل الغربي ، والجليل الأدنى ، ومدينتي اللد والرملة ، وعدد كبير من قرى منطقة القدس ، بيد المنظمات الصهيونية المسلحة، والضغوط العسكرية التي مارَستها تلك المُنظمات على عددٍ من وِحدات الجيشين المصري والسوري التي كانت قد دخلت الى
أراضي فِلسطين خلال هذه الفترة الوجيزة ، واضطرارها إثْرَ ذلك على الموافقة على الإلتزام بأحكام هُدنة ثانية إبتداءً من ١٨ تموز ١٩٤٨ ، أقول ، لقد أدّى هذا الوضع، بالإضافة الى تحجيم دور كتائب الجهاد المقدس الفِلسطينية التي كانت عاملة في فِلسطين قبل دخول الجيوش العربية اليها ، اي قبل ١٥ ايار ١٩٤٨ ، وحرمانها من الإمدادات العسكرية ، وعدم التنسيق معها ، الى إختزال دَورها ، من جهة وأيضا تهميش دور ” الهيئة العربية العليا ” بصفتها الهيئة السياسية المُعترف بِها من قبل جامعة الدول العربية ممثلا للفلسطينيين ( وهي التي تم تشكيلها والاعتراف بها من قبل بلدان جامعة الدول العربية السبعة في مؤتمر بلودان العَرَبي في ١١ حزيران ١٩٤٦) ، مما ساهم َفي ابراز دورٍ الكِيان الصَّهيوني الناشىء ، وممثليه ، سياسياً وعسكرياً داخِل فِلسطين وفِي ساحات العَمل الدّولي ، على حساب دورٍ فِلسطين والفلسطينيين المُهَمَّش عربياً .
ومِمّا يسترعي الإنتباه أيضاً ، وربما الإستنكار ، فهو يتعلق بالموقف الذي اتخذته البلدان العربية الأعضاء في الأُمم المتحدة في ذلك الوقت ( مِصر ، اليمن ، السعودية ، سورية ، لبنان ، العراق)-(لم تكن الاردن عضوا في المنظمة الدولية في ذلك الوقت ، وقد فازت بالعضوية في ١٥ كانون اول من العام ١٩٥٥ فقط) من مشروع القرار الذي أحالته اللجنة السياسية للأُمم المتحدة على الجمعية العامة للأُمم المتحدة ، والذي انتهى في ١١ كانون أول ١٩٤٨ بموافقة الجمعية على ذلك المشروع والى إصدار قرارها بخصوصه تحت رقم 194(د-3)، وهو القرار الذي قضى بتشكيل لجنة توفيق، وتحديد القدس ووضعها تحت إشراف الأمم المتحدة، وأقر حق عودة اللاجئين الفلسطينيين ، والسماح بعودة اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم فيها والعيش بسلام مع جيرانهم، والتعويض على من لا يرغب في العودة ، أقول ، كان لغياب الاستراتيجية والرؤية الكُلّية والقصور في استشراف مَجرى الأحداث والذي أفضى الى إعلان موقف عربي رَّسمي مُعارِض للقرار ، والتصويت ضده ، دورٌ أساسيٌ في تعطيل العمل في وضع قَرار إعادة اللاجئين الفلسطينيين مَوْضِع التطبيق ، فقد عارَضَتْ الدول العربية السته ( مصر ، سورية ، لبنان، العراق، السعودية ، واليمن) بالاضافة الى دول اخرى مثل أفغانستان، بلوروسيا (روسيا البيضاء)، كوبا، تشيكوسلوفاكيا، باكستان، بولندا،أوكرانيا، الاتحاد السوفييتي، يوغسلافيا القَرار ، وبالرُّغم من مُعارضة هذه الدول (وعددها ١٥) ، وامتناع ثمانية دَولة عن التصويت بينها ايران والهند ، فَقَد أجازت الجمعية العامة هذا القرار باغلبية (٣٥) دَولة .
ومما يجدر ذكره أن هذا القرار الأُممي هو القَرار الاساس الذي يتمسك به الفلسطينيون وغيرهم بعد صُدوره – رغم المعارضة العربية له في جلسة الجمعية العامة التي اقرته – وذلِك في المطالبة بإلزام دَولة الكِيان الصَّهيوني ، بإعادة اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم ، واعادة مُمتلكاتهم لهم ، وهذا المِثال الصارخ ، يفضح عجز و قصور و خواء الدبلوماسية العربية ، منذ تأسيس منظمة الامم المتحدة ، وجامعة الدول العربية في العام ١٩٤٥. وهنا أيضا ، يَنبغي ان أَذكر ، بأنْ الانقسام العربي الذي طغى الى السطح بعد انعقاد مؤتمر غزة في ١ تشرين اول ١٩٤٨ ، والانقسام الفلسطيني الذي تم رعايته من بعض الدول العربية ، قد ساهمت مساهمة اساسية في “تغييب” فلسطين والفلسطينيين ، وفِي الموقف العربي المعارض للقرار الذي تم تبنيه في اجتماعات الجمعية العامة المنعقدة في كانون اول من العام ١٩٤٨، اي بعد نحو شهرين ونصف من انعقاد مؤتمر غزّة في مطلع تشرين اول من العام ١٩٤٨.
وأخيراً ، فقد كان للتّطورات المُشار اليها أعلاه والتي أفْضَتْ الى أن تقوم كل من مصر ولبنان والأُردن بالتوقيع على اتفاقات الهدنة في رودوس وذلِك في ٢٤ شباط ، و ٢٣ آذار و ٣ نيسان من العام ١٩٤٩ بالتوالي ، أقول ، أن كل ذلك ، مَصحوباً بالتغييب الرَّسمي العربي لفِلسطين ، والفلسطينيين ، خلال هذه الفترة ، ( أيٍ حتى ٣ نيسان ١٩٤٩) قد أدَّى الى توليد الفُرْصة المؤاتية أمام دَولة الكِيان الصهيوني لاستكمال شُروط طَلَبَ العُضوية في الأُمم المتحدة ، حيث اعتَبَرَتْ دولة الكِيان أن توقيعها على اتفاقية الهُدنة مع مصر، يُلبي شَرْط العُضوية المُتعلق بأن تكون الدولة صاحبة الطّلب ” دَولة مُحِبّة للسّلام ” ،.. وبالتّالي ، فَقَد أهَّلَتْ إتفاقية الهُدنة مع مصر ، دَولة الكِيان الصَّهيوني ، إسرائيل ، لإعادة التقدم بطلب العُضوية الى مجلس الامن في ٤ آذار ١٩٤٩، والى صُدور القَرار رقم (٦٩) عن المجلس ، الذي أحال فيه الطلب الى الجمعية العامة للأمم المتحدة لِلنَّظر فيه ، بعد إشعارها بقبوله الطّلب .
وفِي هذا الخصوص ، ينبغي أن ننتبه الى ان اتفاقيات الهدنة المَعقودة فيما بين دَولة الكِيان الصَّهيوني والدول العربية المحيطة بفلسطين ، قد ألزَمَتْ الدول العربية بوقف اطلاق النّار ، والحفاظ على السلام عَبَّر خُطوط الهُدنة ، ومنع انتهاكها ، وبالتالي ، فقد نجحت دَولة الكِيان الصَّهيوني بتحويل الجيوش العربية الى حارس يَمنع كل لاجىء فلسطيني يَرغب أو يحاول العودة الى أرضه أو قريته أو مدينته ، من اجتياز تلك الخُطوط ، تَحْتَ طائلة إطلاق النّار عليه ،أو إعتقاله وتقديمه للمحاكمة ، هذا في الوقت الذي لم تكن تَتَوَفر فيه لدَولة الكِيان الصَّهيوني الناشىء خلال السنوات الاولى من انشاءها القُدْرة على السَّيطرة على الأراضي التي احتلتها ، وحِماية خُطوط الهُدنة مع البلدان العربية المُحيطة ، ويشهد على ذلك نجاح نحو خمسون الفاً من اللاجئين الفلسطينيين الى الدول العربية بإرادتهم ومبادرتهم الفردية المحفوفة بالمخاطرة، من اجتياز خطوط الهدنة بعد توقيع اتفاقيات الهُدنة ، والعودة الى دِيارهم وذلك على الرغم من القيود التي فرضتها تلك الاتفاقيات عليهم .
اما من التزم مِنَ اللاجئين باحترام اتفاقيات الهدنة ، فقد كان ذلك مبنياً طيلة فترة التّغييب ، أي حتى العام ١٩٦٤ ، على الأمل الذي عقدوه على الدول العربية ، وعلى إعلاناتها ، وتصريحات المسؤولين فيها ، بأنها هي من سيُعيد لهم حُقوقهم ، انطلاقا من اعتبارات الانتماء والالتزام القومي العربي ، أو من منطلقات دينية ..وأن المَسألة هِيَ في تَحَيُّن الوَقت المُناسب لأجل تحقيق ذلك ، وبالتالي ، فما عليهم سِوى الإنتظار .
كما أن قِراءة خُلاصات لمحاضر اجتماعات جلسات الجمعية العامة التي انعقدت للنظر بطلب عُضوية اسرائيل في المنظمة الدولية والتي امتدت من بداية الاسبوع الرابع من نيسان وحتى ١١ ايار من العام ١٩٤٩ ، والتعرُّف على المواقف التي عبرت عنها الدول التي شاركت في مناقشة طَلَبَ العُضوية ، ثمَّ التوضيحات التي قدمها ممثل دولة الكِيان الصَّهيوني في تلك الجلسات ، وبغياب التمثيل الفلسطيني ، لا بل وبغياب طَلَبَ فلسطيني أو عربي لقبول عضوية فلسطين في المنظمة الدولية ، مُوازٍ للطلب الذي تقدمت به دولة الكِيان ، يُشير بوُضوح الى حَجْم الفراغ ، و الخواء ، وقِصَر النّظر ، والتقصير ، (و… ) الدبلوماسي والسياسي العربي والفلسطيني ، والذي سمح للجمعية العامة لِلنَّظر وقبول طّلب العُضوية الذي تقدمت به دولة الكِيان الصهيوني ، في ظل تغييب فلسطين والفلسطينيين من المشهد الدّولي.
وجدير بالذكر ان دولة الكيان الصهيوني قد تقدمت بطلب قبول عضويتها في الامم المتحدة ثلاثة مرات ، الاولى في ايلول ٤٨ ، والثانية في كانون اول ٤٨ ، والثالثة في اذار ٤٩ ، وجميعها قُدِّمَت بالاستناد الى قرار التقسيم رقم ١٨١، والقاضي باقامة دولة يهودية على ٥٥٪ من مساحة فلسطين لسكانها العرب الفلسطينيين ( حوالي ٤٣٠ ألفا) واليهود ( حوالي ٤٨٥ ألفا) ، واليهود المُهاجرين اليها ، ودولة فلسطينية على مساحة ٤٥٪ ، للعَرَب الفلسطينيين ، واليهود المقيمين فيها ( ١٢ ألفاً) . وبالتالي ، فإن الاعتراف بها من قبل المنظمة الدولية ، والدول الاعضاء فيها استند على مُعطيات قَرار التّقسيم رقم ١٨١.
إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العصر الحديث التي أقيمت بقرار أُمَمي ، وفي رأيي انه لم يكن بوسع الجمعية العامة أن لا تقبل النّظر بطلب عُضوية دولة فلسطينية لو تم التّقدم بِهِ في ذلك الوقت بالاستناد الى قرار التقسيم نفسه ووفق احكامه ، وما كان يمكن للجمعية العامة ان ترفض هذا الطلب . ولو تم ذلك ، لمّا كان بمقدور دَوْلة الكِيان الصّهيوني رفض تفعيل القرار ١٩٤ القاضي بعودة اللاجئين وإعادة مُمتلكاتهم لهم .
إن “التغييب” العربي لفِلسطين والفلسطينيين في ذلك الوَقت ، كان سببا جوهريا لإدامة النّكبة التي حَصَلَت ، طول هذا الوَقت ، والتي لا زلنا نُعاني من آثارها حتى الآن .
بعد صُدور القَرار ٢٧٣ عن الجمعية العامة للامم المتحدة وقبول عُضوية اسرائيل فيها ، ذَكَرَ القَرار بأن القبول يجيء على قاعدة التزام اسرائيل بميثاق الامم الانتخاب وبقراراتها بما فيها القرارين ١٨١ و ١٩٤ .
لقد تَذَرَّعَت اسرائيل اثناء مناقشة طلب عضويتها في الامم المتحدة ، بأن تطبيقها للقرارين مَشْروط بأنْ تُقيم الدول العربية التي أدخلت وِحدات من جيوشها الى فِلسطين في العام ١٩٤٨ ( اي لبنان، وسورية ، والاردن ، والعراق ، ومصر ) سلاماً مَعها وأن تعترف بوجودها وفق القرار الأُممي ١٨١ ، وتمسكت إسرائيل بهذه الذريعة ، لكسب الوقت حتى تتمكن من التهام الاراضي التي احتلتها من فلسطين في ذلك الوقت ، وتكريس نَتائج حَملة التطهير العرقي في العام ١٩٤٨ بحَق الجزء الاكبر من الشعب العربي الفلسطيني .
ولتوفير الشروط اللازمة لدولة الكيان الصَّهيوني كي تتمكن وتقوى ، اكثر واكثر .
وعليه، وبتوقيع اتفاقيات الهُدنة ، وقبول عُضوية اسرائيل في الامم المتحدة ، ووضع القرارين ١٨١ و ١٩٤ في ثلاجة النّكبة ، وبتكريس “تغييب” فِلسطين والفلسطينيين ، وحشرهم في غيتوات أسموها “مُخيمات إعاشة وتشغيل” ( خارج فِلسطين ) ، يَكون قد أُسدل الستار في ايار ١٩٤٩ على مشهد فِلسطين والفلسطينيين ، وهي حال بَقِيَت مستمرة حتى العام ١٩٦٤، وبقيت آثار ” التّغييب” وغياب ” استراتيجية ” نضال وطني فلسطيني صحيحة قائِمة حتى تاريخه.
كان “تغييب” فلسطين والفلسطينيين شرطا لنجاح المشروع الصهيوني في فلسطين لتكريس نفسه على الارض ، وفِي المَسرح الدّولي .
يبقى إنهاء “التّغييب” ، وامتلاك استراتيجية سليمة ، وتمكين الفلسطينيين من النضال من اجل إحقاق حُقوقهم على ارضهم ، هو المدخل لانهاء المشروع الصهيوني العُنصري في فلسطين ، واقامة الدولة الديمقراطية الحرة على كامل ارض فلسطين ، ولجميع مواطني فلسطين ، بمن فيهم اليهود اللاصهيونيين اللاعنصريين .
وللحديث اكثر من بقية .
عبد الرحمن البيطار
عَمّان – السبت ٩ كانون الثاني ٢٠٢١