—مع الاعتذار مسبقا من الاخ خالد لعدم استئذاني منه السماح لي بنشره —
من اتفاق أوسلو إلى وثيقة ترامب
قراءة شاملة لفنون التفاوض الفلسطيني بين وثيقتين زمنيتين
بقلم : خالد سعيد نزال
باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية
Hdd.qal@gmail.com
المشهدان المختلفان في سياقهما التاريخي
بينما كان العالم يشاهد الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وهو يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في حديقة البيت الأبيض عام 1993، كان مشهداً تاريخياً اعتبره البعض “قَفزة نحو السّلام” ورآه آخرون “قفزة في الظلام”. كانت وثيقة أوسلو تمثل ذروة مسار تفاوضي طويل، انطلقت فيه منظمة التحرير من واقع الضّعف والعُزْلة بعد حرب الخليج، فاختارت فلسفة “التفاوض من الداخل” عَبْر الاعتراف بإسرائيل مقابل شرعية دولية.
بعد ثلاثة عقود، جاء رد حركة حماس على خطة ترامب ليرسم مَشهداً مختلفاً تماماً. لم تكن هناك مُصافحات، بل مَكائد سياسية، ولم يكن هناك إستسلام، بل مُواجهة ذكية. انطلقت حماس من واقع القوة التفاوضية التي اكتسبتها من الصمود في الحرب، فاختارت فلسفة “التفاوض من موقع المواجهة”. لقد فهمت أن قوتها التفاوضية لا تأتي من الاعتراف بها، بل من عدم قدرة المجتمع الدولي على تجاهلها.
الفصل الأول: فلسفة التفاوض.. بين َمنطقين مختلفين في الخلفية والمسار
مَنطق أُوسلو: التفاوض من واقع الضّعف والضّرورة
في أوسلو، انطلقت منظمة التحرير من واقع الضّعف الاستراتيجي بعد حرب الخليج والعُزْلة العربية والوضع الاقتصادي المتدهور للاجئين في لبنان. كان المنطق الذي حكم المُفاوض الفلسطيني يقضي بأن “القبول بالحلول الوسطى سيؤدي بالتدريج إلى تحقيق المطالب الكبرى“. لكن هذه الفلسفة تحولت إلى فخٍ إستراتيجي، حيث تحوَّلَت منظمة التحرير من حركة تحرر إلى سلطة إدارة ذاتية محدودة.
لقد مَثَّل أوسلو ذروة مَسار تفاوضي طويل، بدأ بمؤتمر مدريد واستند إلى قرارات الأمم المتحدة. لكن المُحلل السياسي إدوار يقول: ” لقد نسجنا خيالاتنا حول سلام إسرائيلي، بينما كانت إسرائيل تنسج واقعاً استيطانياً جديداً “. كان الاعتقاد السائد أن الاعتراف المتبادل سيفتح أبواباً دولية مُغلقة، لكنه في الواقع أغلق أبواباً كانت مفتوحة للقضية الفلسطينية على مستوى القانون الدولي والشرعية العالمية.
مَنطق حَماس: التفاوض من واقع القُوّة والإختبار
أما حماس فانطلقت من واقع مختلف تماماً. لقد اكتسبت قوتها التفاوضية من صُمودها في ساحات القتال، ومن تحولها إلى لاعب لا يمكن تَجاوزه في المعادلة الفلسطينية. لم تَطلب الشرعية الدولية، بل فَرَضَتْ نفسها كطرف لا غِنى عنه. لقد فهمت حماس أن المفاوضات الناجحة لا تبدأ بالتنازلات، بل بالثبات على المبادئ.
يقول أحد المُحللين: ” لقد أدرَكَتْ الحركة أنَّ قوتها التفاوضية تَكمُن في عدم قدرة المجتمع الدولي على تَجاهُلها، وفي قدرتها على قلب الطاولة على من يحاول استغلال ضعفها “. هذه الرؤية الجريئة جاءت نُتاج تجربة تراكمية مع المسارات التفاوضية السابقة، ودراسة مُتأنية لمواطن القوة والضعف في المواقف التفاوضية التاريخية للقضية الفلسطينية.
الفصل الثاني: فن قراءة الخَصْم.. بين السذاجة والدًَهاء في تحليل النوايا
قراءة أوسلو للخَصْم الإسرائيلي: النظرة المثالية وخيبة الأمل
أظهر توقيع أوسلو سذاجة في قراءة الخَصْم الإسرائيلي. اعتقدَ المفاوض الفلسطيني أنَّ إسرائيل ستتنازل طوعاً عن الأرض التي احتلتها، وأنَّ الإعتراف المتبادل سيفتح عهداً جديداً من العلاقات. لكن الواقع أثبتَ أنَّ إسرائيل كانت تتعامل مع أوسلو كوسيلة لإعادة هيكلة سيطرتها على الأرض، وليس كخطوة نحو إنهاء الاحتلال.
لقد فشلَ المفاوض الفلسطيني في فهم العمق الإستراتيجي للتفكير الإسرائيلي. كما يقول الكاتب أحمد قعبور: ” كُنّا نَعتقد أننا ندخل من بوابة الدولة، فإذا بِنا نَدخل في مَتاهة الحُكم الذاتي المحدود “. هذه السّذاجة في قراءة الخصم جاءت نتيجة ضغوط اللحظة التاريخية ورهانات خاطئة على نوايا الطرف الآخر.
قراءة حماس للخَصْم الأمريكي: البراعة في تشريح الشّخصية والدَّوافع
أما حماس فأظهرت براعة في تشريح عقلية ترامب. عرفت أنَّ مُفتاحه هو الإطراء والظهور كصانع سلام. لقد لَعِبَتْ على وَتَر غُروره بشكل أذهلَ المُراقبين، حيث حوَّلت الرئيس الأمريكي من خَصْمٍ عنيد إلى وَسيط غير مباشر لخدمة أهدافها.
لقد فَهِمَتْ حماس أن ترامب يبحث عن إنجاز يُضيفه إلى سِجِلّه قبل الإنتخابات، فَقدَّمت له ما يريد – ولكن بشروطها. هذه البراعة في قراءة الخَصْم جعلت من رد الحركة ضَرْبة مُعَلِّم في الدبلوماسية الذكية. كما أدركت الحركة التحولات في السياسة الأمريكية واهتمام الإدارة الأمريكية بالصورة الإعلامية والمكاسب السياسية المؤقتة أكثر من إهتمامها بالحلول الإستراتيجية.
الفصل الثالث: إدارة الموقف الداخلي.. بين التشرذم والتوحيد في المعالجة
أُوسلو والإنقسام الداخلي: الصَّدمة والتداعيات
شَكَّلَ أُوسلو صَدْمة للوحدة الوطنية الفلسطينية. إنقسمَ الشارع الفلسطيني بين مُؤيد ومُعارض، وتحول الخلاف السياسي إلى صراع مسلح أحياناً. لقد خلقَ الإتفاق شَرْخاً عَميقاً في الجسم الفلسطيني، لا يزال تأثيره مستمراً حتى اليوم.
كانت المفاوضات سِرِّيّة في بدايتها، مما منعَ أي حوار وطني حول مضامينها. يقول أحد المراقبين: ” كان أوسلو السِّكّين التي قَطعَتْ أوصال الجسم الفلسطيني، حيث تَحوَّل الأخ ضد أخيه في صِراعٍ مَرير “. هذا الإنقسام لم يكن فقط على المستوى السياسي، بل امتدَّ إلى البُنى الاجتماعية والعائلية، مما خلقَ إرثاً ثقيلاً من الإحتقان الداخلي.
حماس والوحدة الوطنية: النَّظرة الشاملة والتحالفات الإستراتيجية
بالمُقابل، إستطاعتْ حماس تحويل ردَّها إلى إطار جامع. سارَعتْ إلى تشكيل جبهة فلسطينية عَريضة تَضُم مختلف الفصائل، مُحققة ما لم تحققه سنوات من الحوارات الوطنية. لقد جَعلتْ من أزمتها فرصة لتكريس شرعيتها كقائد وطني.
لقد أدركتْ حماس أنَّ قُوّتها التفاوضية تكمن في وحدتها الداخلية، فسَعَتْ إلى بناء تحالفات فَوْرِيّة مع كافة الفصائل. هذا التوجه أكسبها غِطاءً وطنياً وسياسياً، جَعلَ من موقفها مُمثلاً للإرادة الوطنية وليس لحَرَكة بعَيْنها. كما استفادت من دروس المرحلة السابقة في إدراك أهمية التوافق الداخلي كرافعة للقوة التفاوضية الخارجية.
الفصل الرابع: البُعد الإقليمي والدولي.. تفاعلات مُتباينة ومواقف مختلفة.
المشهد الإقليمي المُحيط بأوسلو: الآمال والمُعطيات
جاء توقيع أوسلو في سياق إقليمي ودولي مميز. كان العالم يشهد مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وتَفَرُّد الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة. على المستوى الإقليمي، كانت العديد من الدول العربية تُعاني من آثار حرب الخليج والانقسامات العربية-العربية.
الدول العربية وَجدتْ نفسها في موقف مُتباين تجاه أُوسلو. بينما رَحَّبتْ بعض الدول بالإتفاق، تَحفَّظَتْ أُخرى، بينما عارَضَته دول ثالثة. هذا الإنقسام العربي أفقدَ القضية الفلسطينية جُزءاً مهماً من ظَهْرها الإقليمي، وجعلَ المفاوض الفلسطيني أكثر اعتماداً على الدعم الأمريكي والأوروبي.
المشهد الإقليمي المُحيط برد حماس: تحولات كبرى واستراتيجيات جديدة
أما رد حماس فجاء في سياق إقليمي مُختلف تماماً. فبعد ثلاثة عقود من أُوسلو، شَهِدَتْ المنطقة تحولات جيوسياسية كبرى، منها صعود قوى إقليمية جديدة، وبروز تحالفات غير تقليدية، وتراجع الدور المركزي للقضية الفلسطينية في السياسات العربية في بعض المراحل.
لكن حماس استطاعتْ أنْ تَنْسُجَ تحالفاتها الإقليمية بذكاء، مُستفيدة من التنافسات الإقليمية، ومُحَوِّلَة نفسها إلى لاعبٍ في المعادلات الإقليمية وليس مجرد مَتَلَقٍ للقرارات. كما استفادت من تغير موازين القوى الدولية وتعدد المراكز الفاعلة في النظام العالمي، مِمّا وَفَّرَ لها مساحات للمُناورة لم تكن متاحة في زمن أُوسلو.
الفصل الخامس: التعامل مع الثوابت.. بين التّفريط والتّمَسُّك في المبادئ
ثوابت أُوسلو المَهدورة: من التّنازل إلى التّلاشي
في أوسلو، تم تأجيل الثوابت إلى مُفاوضات الحل النهائي التي لم تأتِ أبداً. القدس، اللاجئون، المستوطنات – كلها أصبحتْ رَهينة لآلية تَفاوضية مُعَطَّلة. كان الثَّمَن هو التخلي عن 78% من فلسطين التاريخية والإعتراف بما تبقى كموضوع تفاوض.
لقد قَبِلَ مفاوضو أُوسلو بما وَصفه البعض ” بأكبر عملية تنازل في التاريخ الفلسطيني “. فبدلاً من الحصول على دولة، حَصَلوا على سُلطة حُكم ذاتي مَحدود الصلاحيات. التنازلات لم تكن فقط سياسية، بل كانت أيضاً تاريخية وحُقوقية، حيث تم تجاوز حقوق أساسية للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حق العودة.
ثوابت حماس الراسخة: المرونة التكتيكية والثبات الإستراتيجي
أمّا حماس فرفضت تأجيل أي من ثوابتها، بل رَبَطتْ التفاوض بتحقيق شروط مُسبقة واضحة: وَقْف الحَرْب والإنسحاب الكامل. لم تَتنازل عن سِلاحها، ولم تَقبل باستبعادها من المشهد السياسي، مُحقِّقَة بذلك ما فشل فيه مُفاوضو أُوسلو.
لقد أظهرتْ الحركة مُرونة تكتيكية في الوسائل، لكنها تمسكت بثبات إستراتيجي في الغايات. كما يقول أحد المُحللين: ” عَرفتْ حماس متى تقدم التنازلات التكتيكية، دون أنْ تُفَرِّطَ في ثوابتها الإستراتيجية”. هذه المرونة الذكية مَكّنتها من الحفاظ على مكاسبها التفاوضية دون التنازل عن الثوابت الوطنية.
الفصل السادس: البُعد الإقتصادي والمالي.. بين الوعود والحقائق
الإقتصاد في ظِلِّ أُوسلو: من الحُلْم إلى الواقع المُر
جاء أوسلو مُحَمَّلاً بوعود إقتصادية كبيرة. وعدَ المجتمع الدولي بإنشاء صندوق خاص لدعم الإقتصاد الفلسطيني، وتَحدَّثتْ الأوساط السياسية عن “سَلام إزدهار إقتصادي”. لكنَّ هذه الوعود تبخَّرَتْ سريعاً، حيث تحولت السُّلطة الفلسطينية إلى شِبْه وكيل لتحصيل ضرائب لإسرائيل، وأصبحَ الإقتصاد الفلسطيني رَهينة للتصريحات الأمنية والإغلاقات الإسرائيلية.
الأموال الدولية التي تَدفقتْ بعد أُوسلو لم تُؤَدِّ إلى تنمية حقيقية، بل خلقت اقتصاداً مُشوَّهاً يعتمد على المساعدات والوظائف الحكومية. كما أدَّتْ إتفاقيات باريس الإقتصادية إلى إخضاع الإقتصاد الفلسطيني للإقتصاد الإسرائيلي بشكل كامل.
الاقتصاد في معادلة حماس: من الحِصار إلى خَلق البدائل
أما حماس فتعاملت مع المُعادلة الإقتصادية من منظور مختلف. فمن داخل الحِصار الإقتصادي المُشَدَّد، استطاعت أن تخلق اقتصاداً موازياً يعتمد على الأنفاق والبدائل المحلية والعلاقات مع دول خارج الإطار التقليدي.
رغم الصعوبات الإقتصادية الهائلة، استطاعت حماس أن تُثْبِتَ أنَّ الحِصار لم يَعُدْ سلاحاً فعالاً كما كان في السابق. كما أن تمويل المُقاومة من خلال آليات مُبتَكَرة وغير تقليدية كَسَرَ احتكار التمويل التقليدي الذي كان أحد أدوات الضغط على منظمة التحرير.
الفصل السابع: البُعد القانوني والدولي.. تطور الآليات والمواقف
الإطار القانوني لأوسلو: القَفْز فوق الحقوق
اعتمد أوسلو على قرارات الأمم المتحدة، لكنه في الوقت نفسه تجاوز الكثير من الثوابت القانونية للقضية الفلسطينية. تم التعامل مع القضية كخِلاف سياسي يمكن حَلُّه عبر التفاوض، وليس كقضية حقوقية تتعلق بحقوق شعب وانتزاع أرض واحتلال.
غِياب البُعد القانوني الجِدِّي في مفاوضات أُوسلو جعل الحقوق الفلسطينية رَهينة للتوازنات السياسية والتسويات التفاوضية. كما أن عدم اللجوء إلى المحاكم الدولية والمُنظمات الحقوقية في تلك المرحلة أفقدَ الفلسطينيين ورقة قانونية مهمة.
الإطار القانوني في رَدِّ حماس: توظيف المُنظمات الدولية
أما حماس فقد استفادت من التطور الكبير في المنظومة القانونية الدولية. فبعد تأسيس المحكمة الجِنائية الدولية وتَطور قَضاء حقوق الإنسان الدولي، أصبحتْ هناك آليات قانونية لم تكنْ مُتاحة أثناء أوسلو.
حماس، وإنْ لم تكن طَرَفاً رسمياً في الكثير من هذه المنظمات، إلا أنها استطاعتْ توظيف التقاضي الدولي والتحقيقات الأممية كأدوات ضَغط على إسرائيل. كما أن لُجوء الفلسطينيين إلى المحكمة الجنائية الدولية شَكَّلَ سَنَداً قانونياً للموقف التفاوضي لحماس.
الفصل الثامن:
التحليل الإستراتيجي العسكري والأمني الموازين العسكرية أثناء أُوسلو : ضَعْف وقِلِّة خَيارات
جاء توقيع أُوسلو في وقت كانت فيه القوة العسكرية الفلسطينية مَحدودة جِدّاً. لم تكن منظمة التحرير تملك إلا قوات خفيفة في المَنفى، بينما في الداخل كانت الإنتفاضة الأولى تعتمد على الوسائل الشَّعبية والمُقاومة مَحدودة القُدْرات.
هذا الضَّعف العَسكري جَعلَ المُفاوض الفلسطيني في وضع لا يُحسد عليه، حيث افتقدَ إلى أوراق الضّغط العسكري التي تُمَكِّنَه من تحسين شروط التفاوض. كما أنَّ حَلِّ الأجهزة العسكرية للمُنَظمة في المَنفى أفْقَدَها أدوات مُهِمّة في مَسار التفاوض.
الموازين العسكرية في مرحلة حماس: تَغَيُّر المُعادلات
أما في مرحلة حماس، فقد اختلفتْ المُعادلة العسكرية تماماً. فبعد تَطَوُّر قُدْرات المقاومة العسكرية، وظُهور صواريخ بعيدة المدى، وتَطَوُّر أساليب القتال، أصبحتْ حماس تملك قوة ردع حقيقية.
هذه القوة العسكرية لم تكن مُجَرَّد أداة قتالية، بل كانت وَرَقة تَفاوضية مُهمة. فالقدرة على إطلاق الصواريخ على تل أبيب، وتطوير أنظمة دفاع مُتطَوِّرة، كلها عوامل مَنَحتْ حماس قُوّة تفاوضية لم تكن مُتاحة للمفاوض الفلسطيني في زمن أُوسلو.
الفصل التاسع: البُعد الإعلامي والخَطابي.. تَطَوُّر الوسائل والرسائل
الخِطاب الإعلامي أثناء أُوسلو: لُغة دبلوماسية تقليدية
إعتمدَ إعلام منظمة التحرير أثناء أُوسلو على الخِطاب الدبلوماسي التّقليدي. كان التوجه نحو الإعلام الدولي أكثر من الإعلام المحلي، واللغة المًستخدَمة كانت لُغة سياسية مُحافظة تُحاول إسترضاء المجتمع الدولي.
وسائل الإعلام التي كانت مُتاحة وقت أُوسلو كانت تقليدية ومحدودة التأثير. الصحف والمجلات والإذاعات كانت الوسائل الأساسية، مع بداية ظهور القنوات التلفزيونية التي كانت مَحكومة بالرقابة والتبعية للأنظمة.
الخِطاب الإعلامي في عصر حماس: ثورة الإتصالات والفضاء المَفتوح
أما حماس فقد وظَّفت ثورة الإتصالات بشكلٍ مُذهِل. من مَنَصّات التواصل الإجتماعي إلى القنوات الفضائية إلى التطبيقات الرقمية، كلها أصبحت أدوات في المعركة الإعلامية.
اللغة الإعلامية لحماس كانت مُباشرة وجَريئة، تُخاطب الجمهور العالمي بلُغة العَصْر، وتَستفيد من دروس العولمة الإعلامية. كما أن سُرْعة إنتشار المَعلومة ووصولها مباشرة للجمهور العالمي الواسع مَنحتْ حماس قُدرة على كسب المعارك الإعلامية التي كانت مُستحيلة في زمن أُوسلو.
الفصل العاشر: الرؤية المستقبلية واستشراف الآفاق
إرث أُوسلو: دُروس من الماضي لاستشراف المستقبل
أُوسلو تَركتْ إرثاً ثقيلاً على القضية الفلسطينية. فبينما كان المقصد تحقيق الدولة، كانت النتيجة سُلطة حُكْم ذاتي مُقَيّدة. وبينما كان الهدف إنهاء الاحتلال، كانت النتيجة استمراره بصيغ جديدة.
الدروس المُستقبلية من أُوسلو تُؤكد أنَّ التّفاوض من موقع الضعف لا يُنْتِج إلا مزيداً من التنازلات، وأنَّ الإعتماد على الضمانات الدولية دُون قُوّة ذاتية يُعَدُّ مُغامرة مَحفوفة بالمخاطر.
آفاق المستقبل في ضوء تجربة حماس: مُعادلات جديدة وإمكانيات متجددة
أما تجربة حماس ففتحت آفاقاً جديدة للمَسار الفلسطيني. فقد أثبتت أنَّ امتلاك أدوات القوة يُغَيِّر من مُعادلات التفاوض، وأنَّ الإبتكار في الوسائل والأدوات يُمكن أن يُعوِّض التفوق التقليدي للخصم.
المستقبل الذي تفتحه تجربة حماس هو مُستقبل يُعيدُ الإعتبار لخَيار المُقاومة، ويُثبت أن الإرادة السياسية المدعومة بقوة ميدانية يمكن أنٌ تُحْدِثَ تغييرات استراتيجية في المسارات التفاوضية.
الخاتمة: دروس التاريخ وسيناريوهات المُستقبل
تَبْقى المُقارنة بين النموذجين ليسَتْ مُجرَّد استعادة للماضي، بل هي خارطة طريق للمستقبل. فكما يقول المثل العربي: ” مَنْ لم يَتعلَّم مِنْ دُروس الماضي، سَيَظل يَرْتَكِب أخطاءه “.
أُوسلو عَلَّمتنا أنَّ التفاوض من موقع الضَّعف لا يُولِّد إلا شُروط الإستسلام، بينما علَّمَنا رَدُّ حماس أنَّ القوة التفاوضية الحقيقية تأتي من قوة المُواجهة والصّمود. لكن الدرس الأهم يكمن في فهم أنَّ الظروف الدولية والإقليمية تَتحوَّل، وأنَّ أدوات التفاوض تَتطوَّر، وأن النجاح يكمن في القدرة على التكيف مع هذه المتغيرات دون التخلي عن الثوابت.
في النهاية، التاريخ لا يُعيد نفسه، لكن دُروسه تظل حيّة. والفلسطينيون اليوم، بعد هذه الرِّحلة من التجارب، أصبحوا أكثر حِكْمة في فهم أنَّ المُفاوضات ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة يجب أنْ تُدار بذكاء واستراتيجية واضحة، وأنَّ القوة الحقيقية ليسَتْ في التَّمَسُّك بالشّكل، بل في المُرونة الذَّكِيّة التي تحقق الأهداف.
انتهى ،،،
Follow this link to join my WhatsApp groupc
: https://chat.whatsapp.com
H9Hm3jHJWMF3pSmlf6ldf7?mode=ww