رحلة بحرية قصيرة في كتاب ألبرت حوراني – تاريخ الشعوب العربي ..!؟
على كرسي مريح في مول تجاري ، جلست ..! كنت قد انهيت الفحوص لدى عيادة العيون .
منذ بداية هذا العام ، عانيتُ من حالة فرط انهمار الدموع من عيني ،…
خلال الأُسبوع الثاني من شهر حزيران الفائت ، كنت في هايدلبيرغ لأجل إجراء مُراجعة روتينية في عيادة البروفسور بيتر دريچر – في مستشفى جامعة هايدلبيرغ والذي يُتابع حالتي بعد أن قام في تشرين الثاني من العام ٢٠١٧ بتنفيذ الإجراء الطبي المتمثل في زراعة خلايا جذعية أُخذت من شقيقتي سائدة وذلك لأجل معالجتي من سرطان الدم الحاد وذلك بعد اكتشاف ان المرض الذي داهمني في ذلك العام يعود لاسباب جينية .
وخلال لقائي بالبروفسور ، شرحت له ما اعاني منه فيما يتعلق بعيني وفرط انهمار دموعهما ، فقام مشكورا بترتيب موعد لي مع الأخصائي العلامة البروفسور جيرد أوفارث ( Jerd Auffarth )في عيادة العيون في مستشفى الجامعة ، وهناك خضعت لفحوص مستفيضة انتهت بإعلامي من قبل البروفسور بأن ما اعاني منه يعود لخلل في عمل الغدد الدهنية للعيون ، وان العلاج هو باستخدام تقنية العلاج المتكرر بالضوء النبضي المكثف لجلسات ثلاثة في فترات متباعدة بين واحدة واخرى نحو اربعة اسابيع ، وهي تقنية اعتبرت منذ العام ٢٠١٧ علاجا معترفاً به لعلاج جفاف العين .
ولكن ما هي العلاقة ما بين حالة فرط انهمار الدمع وجفاف العين .
كان هذا الامر مُحيِّراً لي ،… ولكني فهمته على انه علاقة تبدو أنها عكسية ، أي دموع كثيرة بدل جفاف ، ولكن الطريقة التي تعمل بها العين تفسر هذه العلاقة ، فإحدى وظائف الغدة الدهنية في الجفن ان تفرز دهنا يمنع تبخر الدمع بسرعة ، ففي حين تقوم الغدة الدمعية بافراز الدمع الذي يرطب العينين ويكسوهما بطبقة مائية ، فإذا كان هناك قصور في عمل الغدد الدهنية للعينين، فإن كمية الدهون في الدمع تقل وتتبخر بالتالي الطبقة المائية بسرعة مما يؤدي الى جفاف سطح العين ، ويتهيج نتيجة لذلك سطح العين ، ويُفسِّر الدماغ ذلك على انه نقص في الترطيب ، مما يؤدي الى أن يقوم بإرسال إشارات لإفراز دموع اكثر . لكن هذه الدموع تكون مائية فقط ، أي أنها ليست دموعًا “مستقرة”، فتسيل خارج العين بدل أن تُرطّبها.وهكذا تَظهر الحالة كـ “فرط انهمار دموع” رغم أن السبب الحقيقي وراء ذلك هو جفاف العين وضعف عمل الغدد الدهنية.
لذا ، فإن العلاج يكون بإعادة تنشيط الغدد الدهنية للعينين ، باستخدام تقنية العلاج بالقذف الضوئي للعينين .
هذا ما استطعت ان أفهمه فيما يتعلق بالحالة التي أُعاني منها .
لنعد الآن الى كتاب البرت حوراني الذي تحثت عنه في يومية الامس ( تاريخ الشعوب العربية ) ، فقد استوقفتني فيه تلك المعلومات التي اوردها ألبرت بأسلوبه الأخّاذ عن دور توريط حكومات البلدان في فخ الإستدانة كطريق مضمون يُفضي الى فقدان السيادة واستحضار الاستعمار ، أي تمهيد الطريق للمُسْتَعْمِر لتحقيق أهدافه التوسعية الاستعمارية . وسأقوم في هذه اليومية باقتباس فقرات من كتاب ألبرت عن الحالات التي أفضت الى فقدان الإمبرطورية العثمانية لسيادتها على المناطق التي كانت تخت سيطرتها ، والى استعمار مصر وتونس والمغرب .
١- حالة الإمبرطورية العثمانية :
في الفصل السابع عشر المُعَنْوَن ” الإمبراطوريات الأوروبية والنخبة المسيطرة ( ١٨٦٠- ١٩١٤) ” ، وعلى الصفحة ‘ ٢١٦ ‘ من البند الاول من بنود هذا الفصل تحت عنوان ” حدود الإستقلال ” ، كتب ألبرت حوراني يقول :
“… بالرغم من أن الحكومة العثمانية استطاعت أن تُحافظ على حُرِّيتها بالنسبة للعمل السياسي، فقد أصبح نوع آخر من التدخل الأُوروبي أكثر أهمية. منذ ١٨٥٠ وما بعد ، كانت الحكومة العثمانية في حاجة متزايدة الى مال لتدفع للجيش وللإدارة ولبعض الأشغال العامة، وكانت قد وجدت مورداً جديدا للمال في أوروبا، حيث كان تطور الصناعة ونجاح التجارة قد أدّيا الى تجميع رأسمال جرى تسييله، عبر نوع جديد من المؤسسات، وهي المصارف ، الى توظيفات في كل انحاء العالم” .
“بين عامي ١٨٥٤ و ١٨٧٩ اقترضت الحكومة العثمانية على نطاق واسع ، وبشروط غير ملائمة؛ فمن مبلغ إسمي قدره ٢٥٦ مليون ليرة تركية ( كانت اللبرة التركية توازي 0.9 من الإسترلينية ) حصلت على١٣٩ مليوناً ، والباقي حُسِم . وبحلول ١٨٧٥ ، لم تعد تستطيع حمل عبء الفائدة والتسديد ، وفي عام ١٨٨١ أُنشئت << إدارة الديون العامة >> تمثل الدائنين الأجانب ؛ وأُعطيت هذه الإدارة حق الرقابة على جزء كبير من الواردات العثمانية، وبالتالي السيطرة الى حد كبير على اعمال الحكومة المتعلقة بالشؤون المالية ”
٢- حالة تونس :
وعلى ‘ ص ٢١٦ ‘ من بند من بنود الفصل المشار البه اعلاه وتحت عنوان ” تقسيم إفريقيا : مصر والمغرب ” ، كتب ألبرت حوراني يقول
” في تونس ، تعاظم الدَّيٌن لمصارف أوروبية كان له النتيجة ذاتها التي حصلت في الإمبرطورية : تشكيل لجنة مالية دولية سنة ١٨٦٩ . تلا ذلك محاولة أُخرى لإصلاح الشؤون المالية ، وإعادة تنظيم العدلية وتعميم التعليم الحديث . الا أنه كلما انفتحت البلاد على المشاريع الأجنبية ، زاد اهتمام اهتمام الحكومات الاجنبية بها ، وعلى الأخص اهتمام فرنسا ، التي كانت قد استوطنت عبر الحدود الغربية ، في الجزائر. عام ١٨٨١ ، احتل جيش فرنسي تونس ، لأسباب ماليه إلى حد ما ، ولِتستَبِق تعاظم نفوذ دولة مُنافسة ، هي ايطاليا ، ومن جهة أخرى لتضمن أمن الحدود الجزائرية . بعد ذلك بسنتين عُقِدَ اتفاق مع << الباي >> مُنِحَت فرنسا به الحماية الرسمية وأُعطيت مسؤولية الإدارة والمالية “
٣- حالة مصر :
وعلى الصفحة ‘ ٢١٧ ‘ من الفصل الآنف الذكر من كتابه المذكور كتب ألبرت حوراني عن مصر يقول :
“… وكان تصدير القطن ومعالجته مُرْبِحاً لرجال المال الاوروبيين ، كذلك كانت القناة [قناة السويس التي افتُتِحَت سنة ١٨٦٩ ] وغيرها من الأشغال العامة. “
” ببن ١٨٦٢ و ١٨٧٣ استدانت مصر ٦٨ مليون ليرة استرلينية ، ولكنها لم تَحصل الا على الثُلثين ، وكان الباقي محسوما ً وبالرغم من جهودها لزيادة مواردها ، بما في ذلك بيع أسهمها في قناة السويس الى الحكومة البريطانية ، لم يعد باستطاعتها ، بحلول العام ١٨٧٦ ، تسديد مًتَوَجِّباتها ، وبعد ذلك بسنوات قليلة ، فُرِضَت عليها سيطرة مالية إنكليزية فرنسية “.
” تعاظُم النفوذ الأجنبي والعِبء المتزايد في الضرائب لتسديد مطالب الدائنين الأجانب وغير ذلك من الأسباب أدّت الى نشوء حركة للحد من سلطة الخديوي ، وكانت مَقرونة بدوافع قومية ، ولها ناطق باسمها كان ضابطاً في الجيش ، أحمد عُرابي ( ١٨٣٩– ١٩١١) ؛ وصدر قانون بتشكيل مجلس نُوّاب عام ١٨٨١ ، وعندما اجتمع المجلس حاول أن يُثبت استقلاله في التَّصَرُّف . ولكن احتمال وجود حكومة أقل انصياعاً للمصالح الأجنبية أدّى بدوره الى التّدخل الاوروبي الدبلوماسي أوّلاً من قِبَل بريطانيا وفرنسا مشتركتين ، ثُمَّ عسكرياً من قِبَل بريطانيا بمُفردها سنة ١٨٨٢ . وكانت الذريعة للغزو البريطاني الإدعاء أن الحكومة الموجودة قد ثارت على السلطة الشرعية ، وأنَّ الأمن والنظام قد تعطّلا ؛ معظم الشاهدين المعاصرين يُخالفون هذا الإدعاء. السبب الحقيقي كان تلك الغريزة للسيطرة التي تُحّرِّك الدول في فترات التّوسُّع ، يدعمها الناطقون باسم المصالح المالية الاوروبية . ضَرْب الإسكندرية بالمدافع البريطانية ، الذي تَبِعَه إنزال جيوش في منطقة القناة أثار المشاعر الدينية أكثر من المشاعر القومية . ولكن الرأي العام المصري كان مُسْتَقطَباً ما بين الخديوي والحكومة ، ولم يكن باستطاعة الجيش المصري تنظيم أي دفاع فعّال . فاحتل الجيش البريطاني البلاد ، ومنذ ذاك الحين وما بعد ، حَكَمَتْ بريطانيا مصر فعلياً ، بالرغم من أنَّ السيطرة البريطانية لم يكن يعبّر عنها رسميّاً بسبب تعقيدات المصالح الأجنبية في مصر ، ولم تعترف فرنسا بسيادة بريطانيا عليهاً حصراً الا عام ١٩٠٤ “.
٤- حالة المملكة المغربية :
تناول ألبرت حوراني حالة المملكة المَغرِبية على الصفحة ‘ ٢١٨ ‘ من الفصل الآنف الذكر في كتابه ، فكتب يقول :
” ….محاولات السلطان [ السلطان حسن ] لإبقاء بلاده خالية من التدخل الاجنبي انتهت عام ١٨٦٠، عندما اجتاحت إسبانيا البلاد ، من ناحية لمَدِّ نفوذها أبعد من مرفأي << سَبْتَه >>و << مليلة >> اللذين كانا في حوزتها لعدِّة قرون ، ومن ناحية أُخرى لمقاومة انتشار النفوذ البريطاني . وانتهى الغزو بمعاهدة اضطرَّ المغرب بموجبها الى دفع تعويض يفوق إمكانياته .الجهود لدفع التعويض ، والاتفاقات التجارية المعقودة مع الدول الاوروبية ، أدّت الى زيادة سريعة للنشاط الاوروبي “.
“تحت حكم السلطان حسن ( ١٨٧٣– ١٨٩٤ ) ، حاولت الحكومة إجراء إصلاحات مماثلة لتلك التي جُرِّبَت في بلدان أُخرى ، لأجل توفير إطار يمكن ضمنه إحتواء التغلغل الاوروبي : جيش جديد ، إدارة مُصَلَّحة، أساليب أكثر فعالية في زيادة الدخل واستعماله . ولم تُلاقِ هذه السياسة إلا نجاحاً محدوداً إذ لم يكن للحكومة السيطرة الكافية على البلاد لتحقيق ذلك . زعماء الريف ، بمواقفهم المتأصِّلة ضمن تضامنات دينية أو قَبَلِيّة ، كانوا تقريبا مستقلين ، وفي الجنوب كان نفوذهم يتزايد ؛ في المدن ، أَضعفَت التدابير الجديدة للضرائب والإدارة سلطة الحاكم المعنوية . وأقام الزعماء المحليون علائق مباشرة مع ممثِّلين أجانب ، ووَضَعَ التجار الأجانب أنفسهم تحت حمايتهم . لكي تستطيع الاستمرار، بدأت الحكومة بأخذ قروض من المصارف الأوروبية ، وزاد هذا من الاهتمام الأجنبي ، وحصلت النتيجة المنطقية سنة ١٩٠٤ عندما اعترفت إنكلترا وإسبانبا ، الدولتان من الثلاث المتورطة بالعمق ، بالنفوذ الغالب للدولة الثالثة، أي لفرنسا ( بريطانيا مقابل اطلاق يدها في مصر ، وإسبانيا ، للحصول على حصة من السيطرة النهائية )”.
“سنة ١٩٠٧، اتفقت الدول الاوروبية الرئيسية على السيادة الفعلية الفرنسية الإسبانية على الادارة والمالية . احتلت الدولتان أجزاء من البلاد ، إسبانيا في الشمال ، وفرنسا على الشاطىء الأطلسي وحدود الجزائر . وقامت ثورة ضد السلطان ، الذي وضع نفسه تحت الحماية الفرنسية ، ولكنَّ توسُّع النفوذ الفرنسي استمرّ، وعام ١٩١٢ وقّع سلطان جديد على معاهدة اتفاقية قَبِلَ فيها بالحماية الفرنسية ؛ وقَبِلَها كذلك إهم زعماء القبائل الجنوبية “.
“بالإتفاق الفرنسي الإسباني ، وُضِعَ جزء من الشمال تحت إدارة آسبانيا، وطنجة ، مركز المصالح الاجنبية ، ظَلّت تحتَ حُكٌم دَولي خاص”.
ولكي لا تطول هذه اليومية اكثر ، سأتوقف عند هذا الحد .
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ١٠ تشرين الثاني ٢٠٢٥