في عيادة الـ Pain Clinic ، شرحتُ للبروفسور كسلر Prof. Kessler تجربتي ومُعاناتي مع الحزام الناري Herpes Zoster الذي داهمَني منذ العشرين من ايلول ٢٠٢٥ ، ولا زِلتُ أُعاني من آلامه في منطقة الجذع الأيسر من جِسمي . الآلامُ خَفّتْ بصورة ملحوظة الآن ، لكنها لا زالت باقية بوتيرةٍ أهف ، وتأخذ شكلين :
الاول، على شكل وخزة في منتصف الصدر ، تضرب على نحو نبضي و
الثاني، على شكل آلالام تتفشى في مساحة محدودة اسفل إبط يدي اليسرى ، ويمتد نحو الظَّهْر .
خُلاصة اللقاء ، أنَّ هذا المرض الناتج عن هجوم ڤيروسي يضرب أطراف الأعصاب في منطقة ما من الجسم هو من الأمراض التي لم يُكتَشَف لها علاج حتى الآن ، وبالنتيجة ، فإنَّ عَليّ أن أتعايَش مع الألم لفترة أُخرى الى أن يزول ، وأن أبقى على الدواء الموصوف من قبل الطبيب ( د مطيع مهيار ) في عمّان : أي ثلاثة حَبّات ” چباتركس ٣٠٠ ” يونيا مع تخفيض الـ Dose الى ٢٠٠ ثم إلى ١٠٠ مع انخفاض منسوب الألم إلى أن يختفي ، هذا مع الإستمرار في تناول حَبّة نيڤرال ( مزيج من فيتامين B1 و B12 وغيره من المكونات ) ،
ووصف لي ايضا ” لَصْقة طِبّية خاصة ” بحيث يتم استعمالها فقط في حال اشتداد الألم ، عبر وضعها على منطقة الألم لمدة لا تزيد عن إثني ساعة فقط.
وأخبرني أنه كان عَليَّ الإستمرار في تناول حبات الأنتي ڤيرال ( المُضادة للڤيروسات ) التي كان قد وصفها البروفسور بيتر دريچر بعد تنفيذ إجراء زراعة الخلايا الجذعية والتي خَضعتُ له في العام ٢٠١٧.
كما قال ، أنَّ الاشخاص فوق الستين من العمر يمكن ان يتلقًوا لقاحاً تم تطويره مؤخراً ضد الحِزام الناري ، ولكنه لا ينفع ان اتلقاه أنا الآن بعد إصابتي به.
لا زِلتُ منخرطاً في قراءة كتاب ألبرت حوراني عن تاريخ الشعوب العربية . وفي واقع الامر ، أنا لا أقرأ الكتاب ، بل أدرسه ،… !
يَستوقفني في الكتاب الكثير من المعلومات ، وقد لفتَ نظري ما كتبه عن الجزائر في الفترة الممتدة ما بين عامي ١٨٦٠ و ١٩١٤. فخلال هذه الفترة ، وبعد الهزيمة التي لحقت في الإمبرطورية الفرنسية الثانية وسقوط نابليون الثالث إثر الحرب الفرنسية البروسية ( الألمانية ) في العام ١٨٧٠ والتي انتهت بانتصار ألماني حاسم، وتأسيس الإمبراطورية الألمانية الموحدة، واقتطاع مقاطعتي الألزاس واللورين من فرنسا لصالح ألمانيا بموجب معاهدة فرانكفورت عام ١٨٧١، وأدت كذلك إلى تأسيس الجمهورية الفرنسية الثالثة في فرنسا وازدياد نفوذ المستوطنين الفرنسيين في الجزائر ، فقد اندلعت في الجزائر في تلك الفترة بالتحديد ثورة الجزائريين العرب والبربر ضد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي للجزائر ، الأمر الذي استدعى ارسال قوات فرنسية اكبر الى مناطق الثورة في شرق الجزائر لقمعا وآخمادها .
في الفصل السابع عشر من كتاب ” تاريخ الشعوب العربية ” المُعَنْوَن ” الإمبراطوريات الأوروبية والنُّخْبة المُسيطرة ( ١٨٦٠-١٩١٤) ” وتحت عنوان ” السيطرة على الأرض ” وهو بند من بنود هذا الفصل ، وعلى الصفحتين ٢٢١ و ٢٢٢ من هذا البند ، كتب ألبرت حوراني يصف عملية السيطرة على الأراضي من قبل المُستوطِنين المُستعمِرين الفرنسيين والأُوروبيين في الجزائر وعن ثورة الجزائريين العرب والبربر في تلك الفترة ، وفي ذلك كتب ألبرت حوراني يقول :
“في العام 1914 بلغت السياسة الغريية في تونس مرحلة شيبة بتلك في الجزائر سنة 1860 وما بعد، ولكن الأمور في الجزائر تغيرت في هذه الأثناء.
هزيمة فرنسا فى الحرب الفرنسية البروسية سنة 1870-71 وسقوط نابليون الثالث أضعف نفوذ الحكومة في الجزائر. واستولى المُستَعمِرون على السلطة لفترة، ولكن حدث شيء مختلف في شرقي البلاد، ثورة واسعة النطاق , بين العرب والبربر، لعدّة أسباب:
من ناحية النبلاء الرغبة في استعادة مركزهم السياسى والاجتماعي الذي ضَعف بتوسَع الإدارة المباشرة؛
من ناحية القرويين ، المعارضة لفقدان أرضهم ولقوة المستعمرين المتزايدة، والحرمان بعد فترة من الأوبئة والمواسم الرديئة؛
وبين السكان عمومًا، الرغبة في الإستقلال، التي لم تكن تعبّر عنها بتعابير قومية، بل تعابير دينية، وأُعطِيَت قيادة وتوجّهًا من أحد أعضاء الطرق الصوفية.
وقد قُمِعَت الثّورة، وكانت نتائجها خطيرة على الجزائريين المسلمين. ففُرِضَت غرامات جماعية وصُودِرَت أراض بمثابة قصاص؛ وقُدِّرَ أن تلك المناطق التي تورّطت في الثورة خَسِرَت سبعين في المئة من رأس مالها.”
بداية الإقتباس :
“أمّا النتائج على المدى الطويل فكانت أكثر خطورة. تحطيم الزعامة المحلية وتغيير نظام الحكم في باريس أزال العقبات ضدّ انتشار امتلاك الأوروبيين للأراضي. بواسطة البيع أو المِنَح لأراضي الدولة والأملاك المُصادَرة، وبوضع اليد على الأراضي المشاع وغير ذلك من الذرائع القانونية، انتقلتْ قِطَع شاسعة من الأراضي إلى أيدي المُستَعمِرين. وبحلول العام 1914 كان الأوروبيونِ يملكون ثلث الأراضي المزروعة، وكانت الأكثر خصبًا، تنتج القمح كالسابق، أو الكرمة، إذ إنّ الخمر الجزائري وَجَدَ له سوقًا رَحْبًا في فرنسا. مُعظم الزراعة على الأراضي المنتجة للكرمة كان يقوم بها مُهاجِرون أوروبيون، من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، ولكنها كانت على العموم ملكًا لأفراد أغنياء نسبيًّا يستطيعون الحصول على قروض. أمّا صِغار الملّاكين الجزائريين، المُقَيَّدين ضمن قِطَع أصغر من الأرض الفقيرة نوعًا، دون رأس مال، وبموارد مُتناقِصة من المواشي، فكان مَصير مُعظمهم المُحاصَصة أو أن يُصبحوا عُمّالًا في أطيان الأوروبيين، مع أنّه في بعض الأمكنة بدأت طَبقة جديدة من أصحاب الأراضي المسلمين في البروز إلى حيّز الوجود.”
“وبسبب الفُرَص الجديدة على الأرض إلى حد ما، زاد سُكّان الجزائر الأوروبيون بسرعة من 200,000 سنة 1860 إلى حوالي 750,000 سنة 1911؛ هذا الرَّقم الأخير يَشمل اليهود الجزائريين الذين مُنِحوا الجنسية الفرنسية بأجمعهم. وبَلغَ عدد السكان الأصليين في هذا الوقت 4,740,000؛ وهكذا شَكّل الأوروبيون 13 بالمنة من السُكّان. وكانوا عُنصرًا أكبر في المدن الكبيرة، ففي عام 1914 كان ثلاثة أرباع سكان الجزائر أوروبيين.”
“كان هؤلاء السُكّان الأوروبيون المُتزايدون يُسيطرون تقريبًا على الحكومة المحلية عام 1914.ففي هذا الوقت كان لهم ممثلون في مَجلس النُّواب الفرنسي وأسسوا هيئة ضغط (لوبي) سياسية هامة فى باريس. وبالتدريج، إذ كَبِرَ وتَرَعْرَع جيل جديد مَولود في الجزائر، ومُهاجرون من بلدان أُخرى اكتسبوا الجنسية الفرنسية، طَوّروا هوية مُنفصِلة ومصالح مُنفَصِلة، التي يمكن لهيئة الضغط (اللوبى) أن تُنادي بها: جَعْل الجزائر تُستوعَب ضمن فرنسا بقدر الإمكان، ولكن مع بقاء الإدارة الفرنسية المحلية تحت سيطرتهم. وقد نَجحوا في ذلك على العموم. الأكثرية الساحقة من الموظّفين المحليين كانوا فرنسيين، أيضًا جميع أهل الرُّتَب العالية تقريبًا. تَوَسّعَت المناطق التي كانت تديرها مجالس بلدية بأكثرية فرنسية وازْدَهَرَت، والمسلمون فى هدّه المناطق لم يكن لهم أي نُفوذ فِعلي.وكانوا يدفعون ضَرائب مُباشرة أعلى بكثير من تلك التي يدفعها << المُستَعمِرين >> ، ولكن العائِدات كانت تُصرَف في معظمها لمصلحة الأوروبيين ؛ كانوا خاضعين لقوانين جَزائية خاصّة يُديرها قضاة فرنسيون؛ لم يكن يُنفَق إلا القليل على تعليمهم. وفي نهاية القرن كانت الحكومة في باريس قد اخذت ثُدرك «المُشكلة العربية»: أهمية التأكد من أنّ الإدارة تظل مُستقِلّة عن ضغوط المستعمرين، وأنّ بإمكانها استخدام سلطتها لـ«ضمان كرامة المَغلوبين» 2. وبدأوا عند ذاك ببعض النشاط لتعليم المسلمين على المستوى الإبتدائي، ولكن بحلول العام 1914 كان عدد الجزائريين الحائزين على تعليم ثانوي أو أعلى يُعّدُّ بالعشرات أو بالمئات فقط، وليس بالألاف. ”
انتهى الإقتباس .
استعير هذه الفقرات من كتاب ألبرت عن التجربة التي مرَّ فيها الشعب الجزائري في مقاومته للاستعمار الفرنسي الإستيطاني ، واستذكرها في ضوء ما يتعرض له شعبنا الفلسطيني الآن ومنذ اكثر من قرن من الزمان من حملات إبادة ، وتطهير عرقي ، وتمييز عنصري ، وتجويع واضطهاد وقمع بالغ الشدة ، بغرض تحقيق سيطرة اكبر على الارض الفلسطينية ، وتحقيق طرد لاكبر عدد من الفلسطينيين من ديارهم يمكن للاحتلال الصهيوني الاستيطاني المدعوم من حكومات الدول الغربية الاوروبية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية أن ينجزه ،…
نعم استذكرها وأقول ، ان الاستعمار الاستيطاني الفرنسي للجزائر استمر من العام ١٨٣٠ وحتى العام ١٩٦٣ ، وانتهى بزوال الاحتلال وفرار المستوطنين الفرنسيين ..!
لا اقول هنا أنَّ هناك تطابق كامل في المُشابهة بين الحالتين الجزائرية والفلسطينية ، فلكل من الحالتين شروطه المختلفة .
فالاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين نجح في اقامة دولته بعد ان توفرت للحركة الصهيونية الدولية ظروف مؤاتية تمثلت :
- في انهيار الدولة العثمانية إثر الحرب العالمية الاولى واحتلال بلاد الشام وتقسيمها وفق احكام اتفاقية سايكس بيكو ، ومن ضمنها الاحتلال البريطاني لفلسطين في كانون الاول من العام ١٩١٧، و
- موافقة عُصبة الامم التي تشكلت إثر تلك الحرب العالمية ، على وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وتضمين صك الانتداب شرط ان تقوم الدولة المنتّدَبَة على فلسطين ( أي بريطانيا العظمى أي الدولة الاقوى في عالم ذلك الوقت) بتهيئة احوال فلسطين لأن تُصبِحَ وطناً قومياً لليهود ، عبر فتح ابواب هجرة المواطنين اليهود من رعايا البلدان الاوروبية أساساً وغيرها من البلدان الى فلسطين ، وعبر انتهاج سياسات تؤدي الى تسهيل نقل ملكية الاراضي الى المهاجرين اليهود المستوطنين فيها ، اقول ، و
- بعد استصدار قرار تقسيم فلسطين في تشرين الثاني من العام ١٩٤٧ ( القرار رقم ١٨١) ، والذي قضى بتشكيل دولتين قي فلسطين واحدة يهودية على ٥٥٪ من مساحة فلسطبن واخرى فلسطينية عربية على ٤٤٪ من مساحة فلسطين ، ومع وضع القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية ( ١٪ من مساحة فلسطين ) ،
- والذي استثمرته ( أي القرار ١٨١) الحركة الصهيونية (والمستوطنين اليهود في فلسطين والذين بلغ عددهم في العام ١٩٤٨ ليصل الى نحو ثلث سكان فلسطين) ، ومنظمات الارهاب الصهيونية المسلحة- التي تشكلت في فلسطين تحت رعاية سلطات الانتداب البريطاني- ، في تنفيذ أوّل وأكبر عملية تطهير عرقي لنحو ثلثي سكان فلسطين الاصليين ( أي لنحو ٨٠٠،٠٠٠ فلسطيني عربي) وطردهم من ديارهم في فلسطين ، وايداعهم في (٥٢) غيتو أُقيمَت لهم في مناطق الضفة الغربية من فلسطين ، وقطاع غزة الفلسطيني ( اي في المناطق الفلسطينية التي لم تتمكن منظمات الارهاب الصهيوني المسلحة من احتلالها في العام ١٩٤٨)، وكذلك في شرق الاردن وسورية ولبنان أُقيمَت لهم تحت مُسَمّى ” مُخيمات لُجوء ” بعد الحرب العالمية الثانية
- كل هذا الظلم التاريخي الذي لَحِقَ بفلسطين وبالشعب الفلسطيني – والذي مارسه النظام الدولي الذي تأسس بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية تحت انتدابه بحق الشعب الفلسطيني – أقول ، كل هذا الظلم وَقَعَ تحت سَمْع ونظر قوات الانتداب البريطاني على فلسطين ،وسَمَحتْ به كذلك الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ، وتم تمريره من قِبَلِها في الحرب وبنفوذها بقرار صدر عن منظمة الامم المتحدة التي أقرت على نحو مخالف لكل الشرائع الدولية مبدأ تقسيم دولة وُضعت تحت انتدابِ دولة مُعيَّنَةٍ من قبلها ، لا بل تَمادَت وسَمَحَت بتطبيق جانب من قرار التقسيم وتَعامَت عن تطبيق الجانب الآخر منه ( أي إقامة الدولة الفلسطينية العربية في الجزء المُخصص لها في فلسطين ) ، وتعامت كذلك عن تطبيق قرارها رقم ١٩٤ القاضي بمنح اللاجئين المطرودين من فلسطين في العامين ١٩٤٧ و ١٩٤٨ بالعودة الى ديارهم في الدولتين التي قضى قرار التقسيم اقامتهما في فلسطين واستعادة ممتلكاتهم المسلوبة منهم .
للتاريخ قوانينه ، وكما انتصر الجزائريون واستعادوا بلادهم ، وحقوقهم في بلادهم ، من براثن استعمارٍ استيطانيٍ فرنسيٍ طويلٍ وبشع ،.. سينتصر الفلسطينيون ، بمقاومتهم ، وبمساندة أحرار العالم ، والأحرار من يهود العالم وفلسطين ( أي المُتحررين من الصهيونية وافكارها وسياساتها الفاشية والعنصرية ، والمستعدين للنضال المشترك ضدها لأجل فلسطين عربية ديمقراطية حُرّة من الصهيونية والصهيونيين ) الذين ألحقت بهم الصهيونية العالمية ودولة الكيان الصهوني الارهابي ( إسرائيل ) الذي نجحت في زراعته في فلسطين أبشع الاضرار بعدما ارتكبته باسمهم من جرائم إبادة بالتقتيل والتجويع والتدمير والتطهير العرقي وبالتمييز العنصري وعلى نحو لم يشهد له التاريخ مثالا ..
عبدالرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ١٤ تشرين الثاتي ٢٠٢٥