Menu Close

يومية الأحد الموافق ١٦ تشرين الثاني ٢٠٢٥

أكتبُ هذه اليومية من مَقهى يحمل إسم Food Society في مطار فرانكفورت . 

صورة تبين حاوية تحتوي على ٤،٥ مليون خلية جذعية أُخِذَت من أُختي سائدة في ١٦ تشرين الثاني ٢٠١٧ وتم زراعتها في جسمي صباح يوم ١٧ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، أي قبل ثمانية سنوات

كانت رُوى قد غادرت الفندق في السابعة إلا رُبع من صباح هذا اليوم في طريقها من مطار فرانكفورت الى أبو ظبي ، حيث أمضت معنا اسبوعا كاملا . 

في الحادية عشر صباحاً ، نَقَلَنا السائق “حَاجّي بابا” ( حسن) من فندق الماريوت في هايدلبيرغ الى Terminal 2 في مطار فرانكفورت في سيارته الڤولكس ڤاچن الأنيقة والنظيفة . هذا الرجل من أفغانستان ، وهو طَيِّبٌ جِدّاً واجتماعي ، وذو مثُل وأخلاق عاليه ..! 

عندما عَلِمَ أننا من اصل فلسطيني ، أخبرنا ان ابنته الطالبة الجامعية قد صامت لمدة عام كامل من أجل فلسطين ،  وأمْضَتْ العام الدراسي السابق تعمل مع زميلاتها على جمع التبرعات لمساعدة سكان غزة . 

لم يتركنا “حاجي بابا” إلا بعد أنْ أنجزنا تسليم الحقائب لكاونتر الملكية الأُردنية ، ثم قادنا بعد ذلك الى منطقة تدقيق جوازات السفر في المطار ،… وعندما اطمئنَ أننا قد أنهينا إجراءات الدخول وَدَّعَنا عن بُعْد ، وعاد الى سيارته التي كان قد أركنها في كراج مبنى التيرمنال . 

قلتُ لنفسي ،… يلتقي المرء بين حين وحين مع بشر من نوع إنساني لا مثيل له ..! 

لا شك أن حاجي بابا قد ترك لدينا انطباعا لا يُنسى ..! 

تركتني منى مع موبايلي على شاشته أكتب يوميتي ، وذَهَبَتْ تبحثُ عن موقع صالة التدخين في المطار . يبدو أنها قد حَنّتْ على تدخين سيچارة أو أنَّ سيچارة قد استغاثت بها ..! 

أرى من مكاني الذي أجلس فيه موقع بوابة D1 المؤدية الى نَفَق الدخول الى الطائرة ، وهي قريبة من المكان الذي أجلسُ فيه … أمّا موعد إقلاع الطائرة فلا يزال على بُعْدِ ساعتين تماما من هذه الدقيقة . 

قلتُ لمنى قبل أن تذهب الى غُرْفة المُدَخِّنين ،… اليوم هو السادس عشر من تشرين الثاني ،… وفي مثل هذا اليوم قبل ثماني سنوات ، كنتُ في غرفتي في مستشفى جامعة هايدلبيرغ ، أُنهي أَخْذ الجُرْعة الأخيرة من بروتوكول الكيموثيرابي الذي خضعت له والمعروف بـبروتوكول : 7+2  ، أي المكون من : نوع من كيمو معين يُعطى لمدة يومين ، و نوع آخر من كيمو آخر حُقنتُ به لمدة سبعة أيام ، وهذا البروتوكول هو الذي أَنْزَلَ في نهاية اليوم السابع – أي في نهاية يوم ١٦ تشرين الثاني ٢٠١٧ – مناعتي للصفر ، لأجل تحضيري لليوم التالي ، أي ليوم ١٧ تشرين الثاني من عام ٢٠١٧، وهو اليوم الذي تم فيه زراعة خلايا جذعية ( بحدود ٤،٥ مليون وحدة ) أُخِذَتْ من أُختي سائدة في نُخاعي العظمي ، وذلك لأجل معالجتي من سرطان الدم الحاد ( اللوكيميا )  الذي داهمني بعد ان تبين اني أُصبتُ به لأسباب جينية ، وتستهدف عملية إنزال مناعتي للصفر ، الحيلولة دون أن يكون في جسمي أي مقاومة للخلايا الجديدة المزروعة في جسمي . 

وفي يوم الزراعة ، أي ١٧ تشرين الثاني ٢٠١٧، أي بعد إنجاز عملية الزراعة والتي استغرقت نحو اربعين دقيقة ،.. أذكرُ أنَّ بروفسور بيتر دريچر قد نَظرَ إليَّ وقال لي : أُذْكُر هذا اليوم ، فهو يوم عيد ميلادك الثاني ،… ولكن من منحك الحياة في هذه المَرَّة كانت أُختك سائدة ..! 

في الغرفة التي تلقيتُ فيه إجراء الزراعة ( زراعة الخلايا الجذعية – Stem Cells Transplant )  ،.. كان يُرافقني روبوت ، يتعامل مع جسمي ، أتلقى من خلاله الأدوية ، ويتم متابعة وقياس مؤشرات الحياة في جسمي من خلاله ، وذلك طيلة فترة تنزيل المناعة ، والأسابيع الثلاثة التي تلت عملية الزراعة …! 

خلال الأُسبوع الماضي الذي كنت أخضع فيه لمراجعات وفحوص طبية روتينية ، تجمع أفراد العائلة حولنا أنا ومنى للإحتفال بمرور ثمانية اعوام على الزراعة ،… الوحيدة التي لم تتمكن من الحضور لارتباطها بالتزام رياضي ( جمباز ) مع ابنتها جود كانت النتي البكر ؛ فرح ..! وسأكونُ صريحاً وأقول ، أنَّ لقاءات عائلية من هذا النوع كانت بالفعل جميلة ، وممتعة وضرورية ..! 

أردتُ أنْ أسَجِّل هذه الملاحظات قبل ان ننتقل للصالة D ، لتحضير انفسنا لركوب الطائرة .

عبد الرحمن البيطار 

مطار فرانكفورت – ١٦ تشرين الثاني ٢٠٢٥