يومية السبت الموافق ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦
هذه هي أوّل يومية أَكتبها في هذا العام الجديد ( ٢٠٢٦) .
عقارب الساعة الآن تُشير الى عشرة دقائق قبل الحادية عشر صباحاً .
أكتبُ هذه اليومية وأنا جالس على مقعد مريح في الغرفة رقم (٤٣٨) في فندق الماريوت في مدينة هايدلبيرغ الجميلة. ومن مكاني في الغرفة ، أرى سماء هايدلبيرغ مُلَبَّدَة بالغيوم ، والجبال مَكَسُوّة ببقايا ضباب كان في هذا الصباح شديداً . أما درجة الحرارة في هايدلبيرغ في هذا الوقت فهي درجتان مئويتان والبرد شديد .

وَصَلنا هايدلبيرغ البارحة في الخامسة مَساء .
لَمّا دَخلنا صالة الاستقبال في الفندق ،… شَعرتُ بانقباض ،.. فالصالة فارغةٌ تماماً من النُّزَلاء على غير عادتها ،.. وحتى موظفي كاونتر الاستقبال ، لم يكونوا في أماكنهم ..!
اقتربتُ من الكاونتر ورفعتُ صوتي مُنادياً ،… فخرجَ أحد الموظفين ، وكان وجهه معروفاً لدينا أنا ومُنى ..! سَألته عن هذا السُّكون المُريب ،… أخبرني أنه ومنذ ما بعد عيد رأس السنة هذا العام ،… فقد انخفضَ عدد نُّزَلاء الفندق بشكل حاد …! ، ولَمستُ كذلك من كلامه أيضاً ما يمكن أن يُستَشَف مِنْه أنَّ أوضاع العمل غير مُستقرة ، وأن أحوال المعيشة قاسية ..!
هذا الإحساس ، شَعرتُ به في زيارَتَيَّ السابقتين لـ “هايدلبيرغ” في حزيران وتشرين الثاني من العام الماضي (٢٠٢٥)،.. حيث فَقَدَ بعض الموظفين المُهِمّين في الفندق – والذين اعتدنا أنا ومُنى وبناتي على مقابلتهم منذ نزولنا في الفندق لأول مَرَّة في تشرين الاول من العام ٢٠١٧ – وظائفهم . كان ذلك مؤشراً مهماً ،.. لكني لم اشعر بأبعاده إلا يوم أمس ، وكذلك هذا الصباح ، عند تناولنا لطعام الفطور في صالة الطعام في الفندق،..!
خلال العام الماضي ، لا بل ومنذ اندلاع الحرب في أُوكرانيا ، في شباط من العام ٢٠٢٢ ، كنتُ أُتابع بين فترة وأُخرى تطور الاحوال في المانيا باعتبارها مرآة تعكس صورة الأوضاع في أُوروبا ، وقد جاء اندلاع هذه الحرب بعد تَفَشّي وباء الكورونا في ألمانيا وفي بلدان العالم حيث تجاوزت أعداد الإصابات في ألمانيا في تشرين الثاني من العام ٢٠٢١ الخمسين ألفاً لأول مرة منذ ظهور الوباء فيما تجاوز معدل عدد الوفيات اليومي العشرات .
هذان العاملان لعبا دورا بالغ الأهمية في دفع الاقتصاد الألماني نحو الانكماش . فقبل الغزو الروسي لأُوكرانيا في شباط ٢٠٢٢ ،كانت نحو ٥٥٪ من الغاز الطبيعي الذي تستخدمه ألمانيا وجُزء كبير من النّفط كان يأتي من روسيا بأسعار منافسه ، وقد ترتب على قرار الاتحاد الاوروبي خفض واردات الغاز والنفط من روسيا الى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة أدَّت بدورها الى ارتفاع كُلَف الإنتاج وتقليل جاذبية السلع الألمانية للتصدير الى الأسواق العالمية ، مما أدّى الى تراجع الإنتاج وانخفاض حاد في هوامش الأرباح .
كما جاءت نتائج الانتخابات الأمريكية في تشرين الثاني من العام ٢٠٢٤، وتوَلّي ترامب الرئاسة في كانون الثاني من العام ٢٠٢٥ ، وسياساته في فرض رسوم جمركية عالية على واردات الولايات المتحدة من دول الاتحاد الاوروبي وغيرها من بلدان العالم ، ومن بينها السلع الألمانية من سيارات وآلات ، ثُمَّ استعار الحرب التجارية فيما بين الولايات المتحدة والصين ، وكذلك حالة عدم اليقين التي أنتجتها سياسات ترامب في الأسواق العالمية والمخاوف التي نجمت عن هذه السياسات ، أقول ، كل ذلك جاء ليُساهم بصورة ملموسة في تقليص الاستثمار في المستقبل أو إرجاءه وتخفيض صادرات المانيا الى السوق الامريكية والأسواق العالمية ، مما تسببَ في نُشوء حالة تباطؤ أو انكماش إقتصادي حاد في الاقتصاد الالماني .
تَمَظْهَرَتْ كل تلك العوامل بالإضافة الى التحديات التي فرضتها الصادرات الصينية للأسواق العالمية ، وحرب الاسعار التي ترتبت عليها في ارتفاع عدد حالات إفلاس الشركات في السوق الألمانية في العام ٢٠٢٥ الى نحو ٢٣،٩٠٠ حالة ، والى ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل في هذه السوق في العام ٢٠٢٥ في بعض الأشهر الى ما يَقْرُب من (٣) ملايين شخص ، وهو رقم مرتفع لم يُشْهَد مِثٌلُه منذ حوالي عقد من الزمن في ألمانيا .
كل تلك العوامل ساهَمتْ في خلق بيئة نفسية واجتماعية سلبية في أوساط المجتمع الالماني .
أردتُ في هذه اليومية أنْ أُلقي الأضواء على هذا الجانب والذي لَمَسته بصورة شخصية أثناء زيارتي الحالية لـ “هايدلبيرغ “.
أمّا رفيقاي من الكُتُب في هذه الزيارة ، فقد اخترتُ أن يكونا كتابان ، هما :
الأول ، لممدوح نوفل ، وهو بعنوان “الانقلاب – أسرار مفاوضات المسار الفلسطيني الإسرائيلي ‘ مدريد – واشنطون ‘ ” ، و
الثاني ، وهو بعنوان : ” وثائق المؤتمر العربي الأول – ١٩١٣ / كتاب المؤتمر والمراسلات الدبلوماسية الفرنسية المتعلقة به ” وعلى غلاف الكتاب ورد أيضاً ما يشير الى انه يتضمن أيضاً أضواءً عن : ” الدولة العثمانية وظروف نشأة الحركة العربية ” ،
وهذا الكتاب من “تقديم ودراسة وجيه كوثراني ” ،
أمّا الطبعة الأولى مِنْه ، فكانت في العام ١٩٨٠ وهو من منشورات دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت / لبنان .
اما هذا المؤتمر الذي يتناوله الكتاب ، فهو “المؤتمر العربي الأول ” المنعقد في العام ١٩١٣ ، وتكتسب أهميته مِنْ كَوْنه أول مؤتمر يَعْقِدَه مُفكرين وسياسيين وقوميين عرب في الوقت الذي كانت فيه سورية ولبنان وفلسطين والعراق أقاليماً من أقاليم الدولة العثمانية ، وفي الوقت الذي جاء انعقاده بعد حصول الوقائع التالية :
- بعد الثورة التركية على عبد الحميد الثاني سلطان الدولة العثمانية – في العام ١٩٠٨ وسقوطه ، وانتهاج الثوار الاتراك ( جمعية الاتحاد والتَّرَقّي ) لسياسة التتريك ،
- وهي الأحداث التي دَفَعَتْ عدداً من الطلبة العرب في باريس وهم عوني عبد الهادي (من فلسطين) وأحمد قدري (من سوريا) ورستم حيدر وتوفيق النطار (وكلاهما من لبنان) وانضم إليها لاحقا عدد من الشخصيات العربية البارزة، مثل عبد الغني العريسي ( من لبنان )وشكري القوتلي ( من سوريا ) وغيرهم ، الى تأسيس ” جمعية العربية الفتاة ” في العام ١٩١١ في اوساط الجالية العربية في باريس ، والتي نادت بإحياء الهوية القومية العربية والمطالبة بـ الإصلاح واللامركزية داخل الدولة العثمانية بادىء ذي بدء قبل ان تتطور اهدافها للمطالبة بـ الاستقلال العربي عن الدولة العثمانية . وقد بدأت العمل كجمعية سِرِّيّة ارتفع عدد اعضاءها الى نحو ٣٠٠ عضو من المثقفين والطلبة العرب في باريس ،
وقد انعقد المؤتمر كذلك قبل اعوام قليلة من انهيار الدولة العثمانية ، وقبل عام تقريبا من اندلاع الحرب العالمية الاولى ،
انعقد هذا المؤتمر في باريس في قاعة الجمعية الجغرافية في الفترة الواقعة ما بين ١٨ و ٢٣ حزيران من العام ١٩١٣ ، وحضره (٢٣) مندوبا عن لبنان وسوريا والعراق وفلسطين وبعض المراقبين من مصر وغيرها من الأقاليم العربية .
اما القرارات التي اتخذها المؤتمر العربي الاول ، فيمكن تلخيصها كما يلي:
١- إن على الدولة العثمانية إجراء إصلاحات حقيقية وبسرعة.
٢- على الدولة العثمانية أن تسمح للعرب بالمشاركة بالحكم فعليا وعليها أن تضمن لهم التمتع بحقوقهم السياسية.
٣- على الدولة العثمانية أن تسمح بتكوين حكم ذاتي في الولايات العربية
٤- يجب اعتبار اللغة العربية لغة رسمية في مجلس النواب العثماني إلى جانب التركية وأيضا اعتبارها اللغة الرسمية في الولايات العربية
٥- في الولايات العربية يجب أن تكون الخدمة العسكرية محلية إلا في حالة الضرورة القصوى .
٦- المصادقة على “لائحة بيروت” التي تقدمت بها ولاية بيروت ، وكانت ترتكز على أمرين هما توسيع سلطة المجالس العمومية وتعيين مستشارين أجانب.
٧- مطالبة الحكومة العثمانية أن تكفل لمتصرفية لبنان وسائل لتحسين ماليتها.
٨- أبدى المؤتمر ميله لمطالب الأرمن العثمانيين القائمة على اللامركزية.
كما اتخذ المؤتمر قرارين يقضي الاول منهما بأن الأعضاء المنتمون إلى لجان الإصلاح العربية سيمتنعون عن قبول أي منصب كان في الحكومة العثمانية في حالة رفض الأخيرة القرارات المشار اليها اعلاه ، ويقضي الثاني ، بأنه سوف تعتبر هذه القرارات برنامج سياسي ولن يتم مساعدة أي مرشح عن العرب في الإنتخابات التشريعية إذا لم تكن من ضمن برنامجه.
أردتُ بهذه المقدمة عن الكتابين اعلاه ، أن أُضمنها يوميتي هذه والتي اكتبها في هذا الزمن العربي السيء ، وهو زمن يُضاهي في سوءه تلك الاوضاع التي عاشتها بلادنا وشعوبنا العربية خلال النصف الاول من القرن الماضي .
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦