خواطر في هذه اللحظة التاريخية المصيرية
نِمْنا ليلة امس على أخبار تؤكد فيها إسرائيل تصفية القيادة الايرانية التي كانت مجتمعة صباح يوم امس في مكان ما ضمن المجمع الرئاسي الايراني ..
كانت فَرَح تَستفسر من مُنى عن الاخبار التي يتم تداولها ، ومُنى تردُّ وتقول أن كل ذلك ليس إلا مجرد إشاعات ، وجزء من الحرب النفسية ..!
كنتُ أَسمع ، وأتساءل بيني وبين نفسي عن مدى صحة ما تُعلِنه إسرائيل ، وما أعلنه نتنياهو عن استلام دولة الكيان صورة من إيران تُؤكد مَقتل المُرشد الأعلى علي خامنيئي ..!
قُلتُ في نفسي ، أن قيام إسرائيل بالبدء بهجوم مُشترك مع الولايات المتحدة على المَقر القيادي في المُجمّع الرئاسي الإيراني وفي صباح يوم السبت بالتحديد لا يمكن أن يكون إلا بناء على معلومات إستخباراتية وصلَتْ الطّرفين الإسرائيلي والأمريكي سَرَّعَت في إتخاذ قرار بالبدء بالهجوم ، لعلّها تَخلق حالة إرباك في صفوف القيادة الإيرانية تُساهم في تسريع سقوط النطام في إيران ، وهو الهدف المركزي الذي يسعى ترامب ونتنياهو تحقيقه ، لأن تحقيق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة في هذه اللحظة التاريخية ، وأهداف ترامب ونتنياهو الشخصية على وجه التحديد ، لا يُمكن أن يتحقق إذا لم يتم إسقاط النظام الإيراني برمته وتغييره بصورة جذرية..!
كما أنني كنتُ أستمع صباح يوم أمس الى ناصر قنديل في برنامجه المعروف ،وهو شخصية معروفة باطلاعها على الاوضاع الداخلية الدقيقة في ايران ، وأذكر أني استمعتُ إليه يَقول أنه وعلى فَرَض نجاح إسرائيل في تصفية القيادة الايرانية ، فإنَّ الإيرانيين قد شَكّلوا مراتب قيادية بديلة تتولى القيادة مباشرة ولا تترك مجالا لنشوء فراغ قيادي…! ، راعتبرتُ ان هذا التصريح يشي وكأن ناصر قنديل ، لم يكن يستبعد ان تكون الاخبار الاسرائيلية عن تصفية القيادة الايرانية صحيحة ..وبالتالي فإن هذا التقدير جعلني اشك بأن ما تذيعه اسرائيل منذ الصباح عن قصف اجتماع للقيادة الايرانية هو احتمال مرجح ، وان تصفية المرشد علي خامينئي واعضاء آخرين من القيادة الايرانية هو كذلك احتمال لا يمكن استبعاده ..!
كما أنَّ سرعة الرد الإيراني وقصف قواعد امريكية في جميع العواصم والبلدان العربية في المنطقة المحيطة بإيران في أول رد فعل إيراني هو أيضا إشارة الى أنه يمكن أن يكون لأخبار تصفية القيادة الإيرانية قدر معقول من الصحة ..!
في ضوء كل ذلك ، أرى أن مصير هذه المعركة الإستراتيجية التي نَشَبتْ يوم أمس يَعتمد كثيراً على مدى تماسك البُنية القيادية للنظام في إيران وقُدرة القيادة البديلة على قيادة البلاد في هذه المواجهة المصيرية ، إذْ أنَّ هذه القيادة تعلم أن لا مجال أمامها إذا كان للمشروع الذي يحمله النظام الاسلامي في إيران أن يَستمر إلا أن تخوض معركة البقاء هذه ، بشراسة وبكل قوتها ..!
وحسب كل التحليلات ، فإنَّ نقطة الضعف المركزية للطرفين الأمريكي والإسرائيلي تكمن في حال عدم قدرتهما على انجاز حسم سريع للمعركة مع النظام الحالي في إيران ، فإذا ما نجحت ايران في جرّهما الى معركة استنزاف طويلة الامد ، فإن احتمالات عدم قدرتهما في تحقيق مخططاتهما لهذه المرحلة التاريخية تزداد .
لذا سيسعى الطرفين الأمريكي والإسرائيلي الى العمل على حسم هذه المعركة خلال أيام قليلة وذلك بتركيز ضرباتهما الحوية لتدمير المقدرات العسكرية والإستراتيجية والإقتصادية لإيران بأقصر وقت ممكن لأجل توليد ظروف ثورة مضادة وتمرد شعبي داخلي يطيح بالنظام ويؤدي الى استبداله بنظام عميل للولايات المتحدة الأمريكية ولإسرائيل ، وهو الشرط اللازم والضروري لأجل إنجاح المخطط الأمريكي الإسرائيلي لتطبيق الخريطة الجديدة لنتنياهو – ترامب في الشرق الاوسط ، وهي الخريطة الرديفة لـ “خريطة سايكس بيكو ” في اقليمنا قبل قرن من الزمان ..!
بدأتُ كتابة هذه اليومية في السابعة والنصف من صباح الأحد من مقعدي في غرفة الجلوس العلوية في بيتي في عمان ، وأنا أستمع الى محطة الجزيرة والتي نشرتْ أخبار من إيران تؤكد فيها نجاح إسرائيل في تصفية المرشد الأعلى علي خامينئي وعدد آخر من القيادة الإيرانية ، واستمع في ذات الوقت الى صفّارات الإنذار التي تملىء فضاء مدينة عمان وأصوات تشي عن محاولات اعتراض الصواريخ الإيرانية المارّة في السماء الاردنية في اتجاه الى الوطن المحتل ..!
وكما أشرتُ أعلاه ، فإن إيران ومنذ ساعات صباح يوم امس تردُّ وبقوة على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي ، وهذا عنى لي أنَّ الصف القيادي الإيراني ، سواء كان الصف البديل او الصف الاصلي ، يَعمل دون ارتباك ولا زال يعمل ، وأن القصف الايراني يمتد ليشمل عشرات القواعد في منطقة الشرق الاوسط وفلسطين ، وأن اخبار هذا الصباح ( الاخد) يؤكد ذلك ..!
إذنْ ، إننا نعيش هذه الساعات لحظات تاريخية ،.. أما هذه المعركة ، فستُحدد مصير هذه المنطقة لعقود قادمة من الزمان ..!
أُقارن بين أوضاع منطقتنا وبلداننا العربية في منتصف العقد الثالث من هذا القرن ( ٢٠٢٠- ٢٠٣٠) ، وبينها في منتصف ذات العقد من القرن الماضي ( ١٩٢٠ – ١٩٣٠) ، وأجدُ أن الفارق الاساسي يكمن في أوضاع كل من إيران وتركيا …
إيران لم تكن قوة عند انتهاء الحرب العالمية الأولى في العام ١٩١٨، وكانت خلال العامين اللذان تليا هذه الحرب في حالة ضعف شديد وانهيار اقتصادي ومجاعة وكانت القوات البريطانية تحتل أجزاء كبيرة من البلاد الإيرانية وذلك بعد انسحاب القوات الروسية القيصرية من الأراضي الإيرانية إثر نجاح الثورة البلشفية في إسقاط الحكم القيصري في روسيا ،… وقد تطورت الامور فيها في العام ١٩٢١ بصورة دراماتيكية حيث نجح الضابط رضا خان بدعم من القوات البريطانية في الإستيلاء على السلطة ، وتمكن في العام ١٩٢٥ من إسقاط الدولة القاجارية وخَلع أحمد شاه وتأسيس سلالة الأُسرة البَهلَوية وتتويج رضا خان شاهاً على إيران باسم رضا شاه بَهْلوي .
أما تركيا ، فقد خرجتْ من الحرب العالمية الاولى دولة مُنهكة وفي حالة إنهيار شامل ، حيث نجح الحلفاء في احتلال إسطنبول ومنطقة الأناضول .
وقد تطورت الامور فيها بعد ذلك بصورة دراماتيكية وعلى الاخص بعد التوقيع على “معاهدة سيفر” في العام ١٩٢٠ ونجاح مصطفى كمال أتاتورك في إلغاء حكم الخلافة الاسلامية في العام ١٩٢٢ ، وإلحاق الهزيمة باليونانيين وحلفاءهم وطردهم من المناطق التي احتلوها في الأناضول وأيضاً بعد التوقيع على معاهدة لوزان في أنقرة في العام ١٩٢٣ التي ادت الى تأسيس الجمهورية التركية في ٢٩ تشرين الاول من العام ١٩٢٣ والاعتراف الدولي بها .
اما البلدان العربية بعد الحرب العالمية الاولى فكانت احوالها في غاية السوء وذلك بعد انحسار الحكم العثماني عنها بعد حكم عثماني طويل دام منذ العام ١٥١٦ ، وانتهى بسقوطها المروع في براثن الحكم الاستعماري البريطاني الفرنسي بعد الانتصار الذي حققته قواتهم في الحرب العالمية الاولى ، وأدو بموجب اتفاقية سايكس بيكو الى سيطرة بريطانيا وفرنسا على مقاليد الحكم في كل من العراق وسوريه ولبنان وشرق الاردن وفلسطين ، وكانت مصر والسودان في تلك الفترة محتلة من قبل القوات البريطانية منذ العام ١٨٨١.
بعد قرن من الزمان ، فإن أوضاع إيران وتركيا تختلف تماما عما كانت عليه بعد الحرب العالمية ، ومع أن إيران تعاني من حصار شامل منذ إسقاط حكم السلالة البهلوية في العام ١٩٧٩، الا أنها تبقى بلدا متماسكا تحكمة سلطة عقائدية مركزية قوية ، تملك مشروعا عقيديا سياسيا يتخطى حدودها الوطنية.
كما تملك القيادة الحالية لتركيا لإقليمنا مشروعها الخاص بها ، والذي تزداد اهميته مع الضعف الذي ينال حالياً من حلف الناتو ، وينخر في بُنية الاتحاد الاوروبي في ضوء معادلات وموازين القوى العالمي الجديد الذي يتشكل في هذه المرحلة وعلى الاخص في عهد الرئيس ترامب .
وبذلك فإن القوى المركزية العاملة في اقليمنا تتمحور من جهة حول اسرائيل مسنودة بدعم امريكي كبير ، ومن جهة اخرى حول ايران وتركيا ،..
اما تأثير الدول العربية في صياغة مستقبل هذه المنطقة ، فللأسف فإنه يبدو انه ضئيل جدا نظرا لارتباطها بسياسات تبعية للولايات المتحدة الامريكية .
وباختصار ،.. الاوضاع القائمة في منطقتنا غير مستقرة ، ومفتوحة على كل الاحتمالات .
عبد الرحمن البيطار
عمان