لنعد من جديد الى وقائع مهمة جداً في تاريخ القضية الفلسطينية اسست للنكبة التي نعيشها منذ أيار ١٩٤٨.
أكتب هذه اليومية بعد أن وفَّرَ لي الصديق العزيز عبد الله حمودة قبل أيام قليلة ، تقريرا بعنوان :
” تقريرلجنة التحقيق الإنجليزية الأمريكية بشأن مشاكل يهود أُوروبا وفلسطين ” .
ويجدر لي أن أذكر في هذه المناسبة أن الصديق عبدالله يمر حالياً في المرحلة الاخيرة من رحلة التعافي من الحادث الذي تعرض له قبل شهور قليلة وأدّى الى إحداث كَسّر في عَظْمِة الفخذ لساقه اليمنى ، وهي مناسبة تمنحنا فرصة التمني له بالتعافي السريع والعودة الى نشاطه الثقافي السابق.
اما الترجمة العربية للتقرير فهي من مطبوعات حكومة فلسطين ( حكومة الانتداب البريطاني على فلسطين ) / ” مكتب الطباعة والقرطاسية ” في القدس .
في هذه اليومية اخترتُ أنْ أُلقي الضوء على عمل اللجنة الأنجلو أمريكية التي شُكلت للتحقيق في أوضاع وحاجات اليهود في أُوروبا وفلسطين وذلك عقب إعلان ألمانيا إستسلامها في ٨ أيار من العام ١٩٤٥ ، وهو التاريخ الذي أَشّرَ على انتهاء الحرب في أُوروبا .
تلى ذلك قيام الدول المنتصرة في الحرب ( الولايات المتحدة ، بريطانيا ، الاتحاد السوڤييتي ) بالاضافة الى الصين وفرنسا و (٤٥) دولة أُخرى التوقيع في سان فرانسيسكو في ٢٦ حزيران ١٩٤٥ على ميثاق الأُمم المتحدة والذي أَشَّر بدوره الى نشوء نظام دولي جديد ثنائي القطبية انتهى مفعوله في العام ١٩٩١ مع انهيار الاتحاد السوفييتي ، وتحول ذلك النظام منذ ذلك العام الى نظام دولي أُحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية .
دخل ميثاق الامم المتحدة حيز التنفيذ في ٢٤ تشرين الاول ١٩٤٥ ، بعد مُصادقة الدول الخمسين المشار اليها أعلاه بالإضافة الى بولندا على الميثاق .
وفي تشرين الثاني من ذات العام ( ١٩٤٥) ، وتحت ضغط من الرئيس الأمريكي هاري ترومان ، أعلنت الحكومتان البريطانية والأمريكية قرارهما بتشكيل لجنة التحقيق بأوضاع اليهود في أُوروبا وفلسطين لأجل إيجاد حل لمشكلة مئات الألوف من اليهود من مواطني الدول الأُوروبية الذين حَوَّلَتهم الحرب العالمية بالإضافة الى غيرهم من مواطني تلك الدول الى لاجئين يعيشون في مُخيمات أُقيمتْ لهم في العديد من الدول الاوروبية ومَنَحَتْ الحكومتان اللجنة مدة (١٢٠) يوما من تاريخ شروعها في التحقيق لتزويدهما بتقريرها .
وبفعل الضغوط التي مارسها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة على الرئيس الامريكي ترومان ، فقد كان للرئيس الأمريكي هدف آخر كان يسعى لتحقيقه يتمثل في الضغط على الحكومة البريطانية لإلغاء القيود التي كانت قد فَرَضتها في العام ١٩٣٩ على عدد اليهود المسموح لهم بالهجرة الى فلسطين (بمعدل ١٥ الف سنوياً ) وذلك في أعقاب إندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى في نيسان من العام ١٩٣٦ ، والسماح لمائة الف من اليهود من مواطني الدول الاوروبية للهجرة الى فلسطين.
في واشنطون وفي بوم الاثنين الموافق ٧ كانون الاول من العام ١٩٤٦ ، شَرَعَتْ اللجنة المشتركة في العمل ، وأبْحَرَت بعد ذلك الى بريطانيا حيث استأنفت عملها في لندن في ٢٥ كانون الثاني من العام ذاته ، وفي مطلع شهر شباط ١٩٤٦ سافرت اللجنة الى اوروبا وشكلت لجانا فرعية جابت كل من ألمانيا وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا والنمسا وايطاليا واليونان وقامت في كل منها بالالتقاء باللاجئين اليهود والتحقق في أوضاعهم والتعرف على حاجاتهم .
وفي ٢٨ شباط ١٩٤٦ ، غادرت اللجنة أوروبا ووصلت القاهرة حيث عقدت فيها عدة جلسات انتقلت بعدها الى القدس ووصلتها في ٦ اذار ١٩٤٦ ومنها قامت بزيارة عدة مدن وبلدات في فلسطين ، ومنها زارت شرق الأُردن ،وسوريا ولبنان والعراق والسعودية لسماع آراء الحكومات العربية ، غادرت بعدها في ٢٨ اذار ١٩٤٦ الى سويسرا ، حيث اكملت عقد جلساتها هناك .
وفي لوزان في ٢٠ نيسان ١٩٤٦ ، أصدرت اللجنة تقريرها .
وبأمر من الملك جورج السادس ملك بريطانيا العظمى وإيرلندا ، عَرَضَ ” وزير الخارجية ” البريطاني التقرير على البرلمان البريطاني.
قبل التوغل في محتويات التقرير ، وللتعرف على خلفية الاحداث التي أفضت الى تشكيل اللحنة ، فقد رأيتُ أنه من المفيد أن أستعير من الدراسة القيمة للسيدة سَنِيّة الحسيني وهي بعنوان ” تَشَكُّل الكيانية الفلسطينية ” المنشورة في عدد مجلة الدرسات الفلسطينية رقم ١٣١ /صيف ٢٠٢٢ ، المقتطف التالي عن اللجنة المشار إليها أعلاه:
بداية الاقتباس:
” في إطار تصاعد موجة العنف اليهودي ضد مواقع وقيادات بريطانية ( في فلسطين ) ما بين سنتَي 1945 و1947، والتي قُتل خلالها أكثر من 100 بريطاني وأصيب أكثر من 300، شَكَّلَتْ الولايات المتحدة الأميركية لجنة التحقيق “الأنجلو- أميركية” لدراسة مشكلة فلسطين، في 19 تشرين الأول / أكتوبر 1945، تشديداً على دورها في تحمّل المسؤولية مع بريطانيا في رسم مستقبل فلسطين. وقد أوصى تقرير اللجنة الذي صدر في 20 نيسان / أبريل 1946، بقبول هجرة 100,000 مهاجر يهودي جديد إلى فلسطين، وإلغاء جميع القيود التي وضعتها السلطات البريطانية على شراء اليهود للأراضي خلال فترة الحرب العالمية الثانية، بما فيها قانون الأراضي الذي قيّد البيع لليهود، وإلغاء العمل بكتاب “ماكدونالد” الأبيض. ورَفَضَ تقرير اللجنة فكرة الاستقلال المبكر لفلسطين أكانت مُوحّدة أم مُقَسَّمة، كما رفضَ تحديد شكل الحكم النهائي فيها، أكانت الدولة يهودية أم عربية، وشَدَّدَ على ضرورة مراعاة مصالح مُعتَنِقي الديانات الثلاث في فلسطين. ودَعَتْ اللجنة إلى وضع فلسطين تحت وصاية الأمم المتحدة”.
نهاية الاقتباس .
لنعد الآن الى التقرير .
للتقرير” مُقَدِّمَة ” ، وفيها ورد ما يلي على لسان اللجنة المُشَكَّلة من الحكومتين:
“لقد عَيَّنَتنا حكومة الولايات المتحدة وحكومة المملكة المتحدة، كهيئة مُشتركة من أعضاء أمريكانيين وبريطانيين ، وعَهِدَتْ إلينا بشروط الإختصاص التالية:
(١) فحص الأحوال السياسية ، والإقتصادية، والإجتماعية بفلسطين بالنسبة لتأثيرها في مشكلة هجرة اليهود اليها ، واستيطانها ، وفي رفاهية الأهالي المقيمين فيها الآن .
(٢)فحص حالة اليهود في الاقطار الأُوروبية حيث كانوا ضحية للاضطهاد النازي الفاشستي، والتدابير العملية التي اتخذت ، أو التي ينوى اتخاذها ، في تلك الاقطار ، لتمكينهم من العيش في نجوة من التحيز والعسف ، وتقدير عدد أولئك الذين يودون النزوح أو الذين تضطرهم أحوالهم للنزوح الى فلسطين ، أو الى بلدان أخرى خارج أوروبا .
(٣)سماع آراء شهود من ذوي اللياقة ، والاستنارة بآراء ممثلي ممثلي العرب واليهود بشأن مشاكل فلسطين ، بالنسبة لما تتأثر به تلك المشاكل بالأحوال التي يشملها التحقيق بمقتضى البندين (١) و (٢) أعلاه ، وبغيرها من الأُمور الواقعية والظروف التي لها صلة بالموضوع ، وتقدم التواصي الى حكومة جلالته ، وحكومة الولايات المتحدة، لمعالجة هذه المشاكل ، معالجة مؤقته ، وإيجاد حل دائم لها .
(٤)تقديم أية تواصٍ أُخرى لحكومة جلالته ، وحكومة الولايات المتحدة، قد تكون ضرورية لتلافي الاحتياجات العاجلة الناجمة عن الاحوال التي يشملها التحقيق بمقتضى البند (٢) اعلاه ، عن طريق اتخاذ إجراءات علاجية في الاقطار الاوروبية المشار إليها ، أو تسهيل النزوح الى بلاد خارج أُوروبا ، واستيطانها . ”
في شروط اختصاص اللجنة المشار اليها اعلاه، سمّى التقرير عمل اللجنة على أنه ” تحقيق “.
لنعد من جديد الى دراسة السيدة سنية الحسيني ، ومنها نقتبس النص التالي :
بداية الاقتباس :
“رفض الفلسطينيون النتائج التي نشرتها لجنة التحقيق “الأنجلو – أميركية”، وأعلنوا الإضراب في معظم مدن فلسطين وقراها، وعُقد مؤتمر قمة أنشاص لجامعة الدول العربية بدعوة من الملك فاروق، ملك مصر، في نهاية أيار / مايو 1946 لمتابعة تطورات الأحداث المتسارعة.
ورفضت بريطانيا نتائج اللجنة، وتقدمت باقتراح يقوم على إنشاء إقليمَين منفصلين يستمر في حكمهما مندوب سامٍ بريطاني، إلّا إن الولايات المتحدة رفضت المقترح البريطاني، وأصرت على قبول نتائج لجنة التحقيق “الأنجلو – أميركية”، والتي قبلت بها الحركة الصهيونية أيضاً. ودعت الأمم المتحدة إلى عقد “مؤتمر لندن” في نهاية سنة 1946، في أول تدخّل لها في مجريات القضية الفلسطينية، وذلك في محاولة لتقريب مواقف الأطراف المتضاربة. وفي أعقاب فشل “مؤتمر لندن” في حسم القضية، قررت بريطانيا رفعها إلى الأمم المتحدة، في مطلع العام التالي.
وكان اليهود قد بدأوا بطرق أبواب الولايات المتحدة بعد إصدار بريطانيا كتاب “ماكدونالد” الأبيض في سنة 1939، لضمان دعمها لمشروعهم الصهيوني في فلسطين، خوفاً من تخلّي بريطانيا عنهم، فاستثمروا تأييد اللوبي الصهيوني المسيحي في الولايات المتحدة، والذي يدعم فكرة “عودة اليهود إلى فلسطين”، في الضغط على صانع القرار الأميركي.[90] وفي أعقاب مؤتمر بالتيمور في سنة 1942، باتت الولايات المتحدة الحليف الأول الذي تعتمد عليه الحركة الصهيونية في تحقيق أهدافها. وأُسس في الولايات المتحدة مجلس طوارىء صهيوني – أميركي في سنة 1943، بهدف التأثير والضغط على الحكومة الأميركية والكونغرس، وبات أقوى مجموعة ضغط في وقته.[91] وتدخّل الرئيس الأميركي هاري ترومان خلال أعوام الحرب العالمية الثانية، ما بين تموز / يوليو وآب / أغسطس 1945، لإقناع الحكومة البريطانية بمنح اليهود 100,000 شهادة هجرة إضافية. وبعد انتهاء الحرب في أيلول / سبتمبر من السنة نفسها (1945)، ضاعفت الصهيونية العالمية نشاطها السياسي في الأوساط الأميركية العليا، بعد صعود نجم الولايات المتحدة في أعقاب نتائج الحرب العالمية الثانية.”
نهاية الاقتباس
باختصار ، ومن تفحص اعمال اللجنة وما توصلت اليه في اعقاب الحرب العالمية الثانية ، يتضح بصورة جلية للعيان بأن الولايات المتحدة وبريطانيا عالجت مشكلة اليهود من مواطني الدول الاوروبية ؛ضحايا النازية والفاشية الاوروبية ، والذين حولتهم تلك الحرب في اوروبا الى لاجئين ، اقول ، عالجت مشكلتهم على حساب الفلسطينيين العرب مواطني دولة فلسطين العربية، وذلك عبر السماح ، لهؤلاء الضحايا اليهود من مواطني الدول الاوروبية وكذلك من سمحت لهم بالهجرة اليها من اليهود الاوروبيين منذ العام ١٩١٨ ، … في العامين ١٩٤٨ و ١٩٤٩ بالاستيلاء على ديارهم في فلسطين وطردهم منها وتحويل ضحايا التطهير العرقي الصهيوني للفلسطينيين أي لنحو ثلثي الشعب الفلسطيني الى لاجئين ،واقامة اكثر من خمسين مخيم لجوء لهم في كل من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة الفلسطينيين ، وفي كل من الاردن وسوريا ولبنان أيضاً ، وهي المخيمات ( الغيتوات) التي لا زالوا يعيشون فيها منذ العام ١٩٥٠ وحتى هذا الوقت .
هذه المقدمة ضرورية للقارىء لفهم ما قامت بعمله هذه اللجنة ، وبدورها الاساسي ، وبالتالي دور كل من الولايات المتحدة وبريطانيا في صياغة مستقبل فلسطين والفلسطينيين وفي صناعة النكبة التي ألحقتها بهم منذ العام ١٩٤٨وحتى الآن .
وللحدث بقية
عبد الرحمن البيطار
عمان – ١ أيار ٢٠٢٦