بَدأتُ أستعرضُ في يومية السبت ٢ أيار الجاري ما أَوْرَدَته ” لجنة التحقيق الإنكليزية الأمريكية بشأن مشاكل يهود أوروبا وفلسطين ” والصادر في لوزان في ٢٠ نيسان ١٩٤٦.
في الفصل الثاني من تقريرها المشار اليه أعلاه والمُعَنْوَن : ” وضع اليهود في أُوروبا “، لَخَّصَتْ اللجنة ما توصَّلَت إليه حول هذا الوضع في ستة عشر فقرة مُرَقَّمَة على ستة صفحات ( من ١٤ الى ١٩) من التقرير .
في الفقرة رقم (٩) من الفَصل المذكور ( ص ١٦) ، وَصَفَتْ اللجنة الأنجلو أمريكية وضع اليهود في مدينة وارسو البولندية على النحو التالي :
بداية الاقتباس
” ٩- ليس في الوسع ، ونحن نضع هذا التقرير على عَجَل ، أن نرسم صورة صحيحة للشعور الذي تَمَلَّكَنا بما أنزله الألمان ، عن تَعَمُّد ، من الآلام المُبْرِحة باليهود الذين وَقَعوا في قبضة أيديهم .
فالزيارة التي قامت بها لجنتنا الفرعية ‘ للغيتو ‘ في مدينة وارسو ، تَرَكَتْ في مُخَيَّلَة كل عضو من أعضاءها أثراً لا يمحوه كَرُّ الايام أو مَرُّ الأعوام . ومناطق تلك المدينة ، حيث كانت تقوم العمارات الفخمة أصبحت الآن رُكاماً وأنقاضاً من الآجر تُخفي تَحتها جُثَثَ يهود، مَجهولي الهوية ، لا يَحصيها عَدٌّ . وتقوم بجوار الغيتو ، ثَكَنَة قديمة، لم تَزَل سليمة، كانت تُسْتَعْمل مكاناً للقضاء على اليهود ، والناظر الى هذه الثكنة في يوم قارص القَر ، أدْكَن ، أغْبَر من أيام شباط ، يتسنى له أن يتصور شِدة الآلام البشرية المُبْرِحة التي عانوها . ولا تزال تُشاهَد في باحة الثكنة حفائر ملآى برماد هياكل وعِظام بَشَرية . ونحنُ نتركُ للخيال الأثر الذي يُخَلِّفه هذا المكان في نفوس اليهود الذين كثيراً ما يَذهَبون اليه للبحث عن آثار أَعِزّائهم ، وغالباً ما يَرْجعون بلا طائلٍ ولا جَدوى “.
وفي الفقرة رقم (١٠) من التقرير ، أوْرَدَتْ اللجنة الوصف التالي :
“… ونودُّ أنْ نَرسُمَ صورة عن الحالة العامة كما شاهدناها. فالذين بَقوا على قيد الحياة من الكِبار قَليلون ، وليسَ الأولاد الناجون من الموت بكثيرين ، إذْ بُذِلت ، على ما يَلوح ، جهودٌ خاصة للقضاء عليهم ، والسّواد الأعظم من الأولاد الذين بَقوا على قَيًد الحياة الحياة أيتام ، وأكثر الأحياء الباقين من الأحداث والكهول ، قد نَجوا من أهوال الموت لأنَّ بُنيَتهم القوية مَكَّنَتهم من احتمال مَشاق العمل الجَبْري في المُعتقلات ، أو مِنْ تَحَمُّل الفاقَة والعَوَز في المخابىء . ولمْ يَتَلَقَّ الأحداث شيئاً يُذْكَر من التعليم إلا القَسْوَة، والحقيقة التي لا جِدالَ فيها أنهم مَدينونَ بحياتهم لتحريرهم على أيدي الأمم المتحدة “.
وفي الفقرة رقم (١١) من التقرير ، ورد ما يلي :
” ١١- ولمْ يَخرُجْ هؤلاء اليهود الذين بَقوا على قَيْد الحياة من مِحَنِهم وبَلاياهم سالمين ، جَسَداً أو عَقْلاً ، ويَنْدُر أن تَعْثُر على عائلة يهودية كاملة . والذين يَرْجعون منهم الى بيوتهم القديمة ، يَجدونها إما رُكاماً أو يَحْتَلّها آخرون ، وقد قُضِيَ على مَتاجرهم ، أو انتقلت الى أيدي الغَير ، وكثيراً ما يَتَجَشّمون مَشاق أسفار بعيدة الشُّقة تَحًرِّيَاً عن أقرباءهم حين تَتَناهى إليهم شائعة بأنَّ أحد أولئك الأقرباء شُوهِدَ على قيد الحياة في مكانٍ آخر من البلاد أو في مركزٍ آخر …”
وفي الفقرة رقم (١٢) ، ورد أيضا ما يلي :
” …. وتَحْدو القِسم الأكبر من اليهود الذين بَقوا على قَيْد الحياة ذات الرغبة في السَّكن بمكان آخر ، ويُفَضِّلون أن يكون ذلك المكان فلسطين . أمّا الأحوال في تشكوسلوفاكيا ، لا سيما في بوهيميا ومورافيا ، وفي النمسا ؛ فهي أوفر حَظّاً فيما يتعلق بإعادة استقرار اليهود . ومع هذا يَعتقد السَّواد الأعظم من المُشَرّدين أو النازحين بأنَّ فلسطين هي ضالتهم المنشودة .”
وأنا أقرأُ هذه المقتطفات من فقرات هذا الفصل ( الثاني ) من التقرير ، قُلتُ في نفسي، ماذا يتغير في متن نصوص فقرات هذا الفصل من التقرير لو تم تغيير كلمة “الإرهاب النازي” بـ “الإرهاب الصهيوني” ، واسم مدينة ” وارسو ” بـ ” غزة ” ، و ” غيتو ” وارسو ” بـ ” مخيم البريج ” أو ” مخيم جنين ” ، وكلمة “اليهود” بـ “الفلسطينيين” في قطاع غزة أو بـ “الفلسطينيين” في قرى الضفة الغربية من فلسطين ، الذين تقوم عصابات المستوطنين اليهود الفاشيين العنصريين في ملاحقتهم وتدمير بيوتهم وحرق ممتلكاتهم ، وقطع اشجار مزارعهم …!؟ ، ولاحظتُ أيضاً أنَّ الحكومتان البريطانية والامريكية لم تُشَكِّلا لُجنة تحقيق في جرائم الإبادة الصهيونية بحق فلسطينيي قطاع غزة ، ومَنَعتا الأُمم المتحدة من ممارسة دورها الإنساني في إغاثة الضّحايا الفلسطنيين في القطاع المنكوب..!
ورُحٌتُ بدوري أتركُ للخيال تصور الأثر الذي خَلَّفَته في نفوس الفلسطينيين جرائم الابادة الجماعية والقتل والتدمير المنهجي لكل مظاهر الحياة المدنية في قطاع غَزّة الفلسطيني التي اقترفها الصهاينة الفاشيين من اليهود خلال الشهور الثلاثين الماضية ، بحق ٢،٢٥،مليون فلسطيني من سكان القطاع ، أكثر من نصفهم كانوا قد لجأوا الى قطاع غزة في نيسان من العام ١٩٤٨ وبعده هَرَباً من الارهاب وحملات التطهير العرقي الذي تَعَرّضوا اليه حينئذٍ في مدنهم وقراهم في فلسطين على أيدي المهاجرين اليهود الاوروبيين الذين سمحت سلطات الانتداب البريطاني لهم بالهجرة الى فلسطين قبل الحرب العالمية الثانية او الذين هاجروا اليها اثناء هذه الحرب وبعدها هَرَباً من الإرهاب النازي والفاشي الاوروبي.
ورُحْتُ أقول لنفسي ، نَعَم ،.. لقد ارتكبت الحركة الصهيونية جرائم بالغة التركيب والتعقيد والقسوة ، ليس فقط بحق الفلسطينيين الذين وَجدوا أنفسهم خارج ديارهم في فلسطين أو مضطهدين على أرض وطنهم ، ولكن أيضا بحق اليهود أنفسهم في فلسطين الذين تمكنت الحركة الصهيونية الفاشية من تعبئة جزء كبير منهم وشحنهم وتحويلهم من ضحايا الى جلادين اقترفوا أفظع الجرائم بحق الفلسطينيين أصحاب وسكان فلسطين الاصليين منذ نيسان ١٩٤٨ وحتى تاريخه .
وفي هذا السياق ، فقد وجدتُ في صحوة الكثيرين من يهود بلدان العالم عَزاءً مَنَحني قَدْراً عظيماً من الأمل في أن يتمكن شعب فلسطين داخل فلسطين وخارجها بالتعاون مع أحرار العالم في كل مكان ، وعلى رأسهم اليهود الأحرار من الصهيونية داخل فلسطين وخارجها من النضال معاً يداً بيد من أجل تحرير فلسطين ، كل فلسطين من الصهيونية الفاشية العنصرية وتحرير شعوب بلدان إقليمنا والبشرية جمعاء من شُرور هذه الصهيونية التي تُلْحِقُ أذىً بالغاً بحق الفلسطينيين واليهود على حد سواء، ويأتِ في هذا السياق ” إعلان ڤينا ” الذي أَصْدَره «المؤتمر اليهودي الدولي الأول المناهض للصهيونية» الذي انعقد في مدينة فيينا خلال الفترة من ١٣ الى ١٥ حزيران من العام الماضي ( ٢٠٢٥) بمشاركة ناشطين وأكاديميين وشخصيات يهودية من عدة دول، شاهداً على ذلك ، وهو الإعلان الذي تضمن ما يلي من قرارات ( مُقْتَبَساً من التشات جي بي تي ):
بداية الاقتباس:
- التأكيد على أن «اليهودية ليست الصهيونية»، ورفض اعتبار الصهيونية ممثلة لجميع اليهود.
- إدانة الحرب الإسرائيلية على غزة ووصفها بأنها «إبادة جماعية» و«نظام استعمار وفصل عنصري».
- الدعوة إلى تفكيك المشروع الصهيوني، واعتباره نظاماً استعمارياً وعنصرياً «غير قابل للإصلاح».
- المطالبة بمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
- الدعوة إلى توسيع المقاطعة الدولية لإسرائيل، بما في ذلك المقاطعة الأكاديمية والثقافية، ودعم حركة BDS.
- المطالبة بزيادة الضغط على الحكومات الغربية لإنهاء تعاونها السياسي والعسكري مع إسرائيل.
- التأكيد على حق الفلسطينيين في العودة وإنهاء الاحتلال، مع بناء شبكة عالمية يهودية مناهضة للصهيونية ومتضامنة مع الفلسطينيين.
واختيرت ڤيينا مَقَرّاً للمؤتمر لرمزيتها التاريخية باعتبارها المدينة التي ارتبطت ببدايات الحركة الصهيونية ومؤسسها تيودور هرتزل.”
نهاية الاقتباس ”
تَجَنُّباً للاطالة ، فسأكتفي في هذه اليومية بهذا القدر ، وللحديث بقية .
عبد الرحمن البيطار
عمان – ٨ أيار ٢٠٢٦