Menu Close

يومية الخميس الموافق ١٤ أيار ٢٠٢٦

العملية المستمرة  لإخضاع واستعمار فلسطين لتهيئتها لتتحول الى وطن قومي لليهود ؛ من وعد بلفور ( نوڤمبر ١٩١٧) ، الى لجنة بيل ( تموز ١٩٣٧)  الى اللجنة الانجلو أميركية ( تيسان ١٩٤٦) 

” الوضع السياسي في فلسطين ” ( كما هو في الرُّبْع الأول من العام ١٩٤٦؛ -إضافة كاتب اليومية -) هو عُنوان الفصل الثالث من ” تقرير لجنة التحقيق الإنكليزية الأميركية بشأن مشاكل يهود أوروبا وفلسطين ” الذي أصدرته اللجنة في لوزان – سويسرا في ٢٠ نيسان ١٩٤٦، وتفاصيله مُدَوَّنة على الصفحات ٢٠ و ٢١ و ٢٢ و ٢٣ من التقرير في أربعة عشرة فقرة مُرَقَّمة . 

وَرَدَ في فقرات هذا الفصل من التقرير إشارات الى عدد من المُسَمَّيات  ، بِدْءاً من  “لُجنة بيل” ، و”حكومة فلسطين” و “الوكالة اليهودية ” و ” الجمعية الصهيونية “…

وقبلَ تناول ما ورد في فقرات هذا الفصل ، دَعوني أُلقي الضوء على بعض هذه المُسَمَّيَات لأجل تعريفها ولكي يَسهل على قارىء اليومية بناءَ فَهْمٍ أَفْضَل لما سَيَرِد فيها من معلومات . 

لنَبدأ بـ ” لجنة بيل ” وهي اللجنة التي شَكَّلتها الحكومة البريطانية في آب ١٩٣٦، تحت مُسَمّى ” اللجنة الملكية البريطانية لفلسطين ” ، للتحقيق في اسباب اندلاع الثورة الوطنية الفلسطينية الكبرى في نيسان ١٩٣٦ ضد قوات الاحتلال البريطاني لفلسطين وسلطات الانتداب ، وتقديم تقرير للحكومة البريطاني حول ذلك مع التوصيات التي تراها اللجنة لمعالجة الاسباب التي أفضت الى اندلاعها .

وقد سلطت اللجنة في تقريرها الى ان سياسات حكومة الانتداب وعلى الاخص فيما يتعلق بفتح أبواب فلسطين أمام هِجْرة اليهود الاوروبيين إليها ، وبتسهيل عمليات نقل أراضي فلسطين لهؤلاء المهاجرين ، وأخيراً السياسات التي تبنتها سلطات الانتداب لأجل تهيئة فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود فيها هي الاسباب والعوامل التي ادت الى انتفاضة الفلسطينيين واندلاع ثورتهم في نيسان من ذلك العام . 

تَرَأَّسَ اللجنة  “وليم بيل”،  وهو عضو في مجلس اللوردات البريطاني ووزير سابق لشؤون الهند .

وقد وَصَلَتْ اللجنة الى فلسطين في تشرين الثاني من العام ١٩٣٦، ورفعت تقريرها الى الحكومة البريطانية والبرلمان البريطاني في  ٧ تموز من العام ١٩٣٧، أي بعد نحو سبعة شهور من وصولها الى فلسطين .

كَيَّفَتْ هذه اللجنة ما توصلت اليه في تحقيقها من نتائج لخدمة الهدف الصريح الذي حَمَلَه تصريح (وعد بلفور) الذي أصدرته الحكومة البريطانية في ٢ تشرين الثاني من العام ١٩١٧ على هيئة رسالة سياسية رسمية وجهها وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور الى  اللورد روتشيلد،  للتأكيد على التزام الحكومة البريطانية ودعمها لتأسيس ” وطن قومي لليهود في فلسطين ” .

واللورد روتشيلد هذا هو العضو في مجلس اللوردات البريطاني ، وهو شخصية أرستقراطية ذات نفوذ كبير في أوساط المجتمع البريطاني ويتمتع بمكانة إجتماعية وسياسية بارزة ، واعتُبِرَ أيضاً أنه واحد من أهم زعماء المجتمع اليهودي البريطاني الذي كان في حقيقة الامر مُنقَسِماً حول فكرة الحركة الصهيونية ، وقد تبنى روتشيلد الفكرة الصهيونية  على الرغم من ان التيار المؤيد لها في أوساط بهود بريطانيا كان يُمثل أقلية ، وقد طَلَبَتْ منه الحكومة البريطانية  نَقْل الرسالة الى الاتحاد الصهيوني في بريطانيا وبالتالي الى الحركة الصهيونية العالمية ، ويُذْكر في هذا الخصوص ان الرسالة قد صَدَرَتْ عن الحكومة البريطانية في الوقت الذي كانت قوات القوات  البريطانية قد توغلت في أراضي فلسطين قادمة من مصر عبر سيناء واراضي شرق الاردن وقبل ستة أسابيع فقط من سقوط القدس في براثن الاحتلال البريطاني.

 

وبدلاً من التعامل مع اسباب اندلاع الثورة الفلسطينية وبالتحديد الهجرة اليهودية التي هددت أمن الفلسطينيين في وطنهم ومستقبلهم فيه والتوصية بإزالة هذا التهديد  ووقف الهجرة ومعالجة ما يدفع اليهود الى الهجرة خارج اوروبا في البلدان الاوروبية ذلتها ، أخذت اللجنة منحىً آخر ، فكانت أول من اقترح  عبر التاريخ كله فِكْرة تقسيم فلسطين على أساس قومي أو ديني ،حيث اقترحت :

  • إقامة دولة لليهود على نحو ٢٠٪؜ من مساحة فلسطين الانتدابية (في أراضي الساحل الفلسطيني الممتدة من مدينة حيفا حتى تل أبيب ، مع اراضي سهل مرج بني عامر وأجزاء من شمال فلسطين ومنطقة الجليل الشرقي ) ، و
  • دولة للفلسطينيين العرب على باقي فلسطين مع اقتراح ربطها بشرق الاردن الذي كان يرزح في ذلك الوقت تحت الاحتلال البريطاني  ،
  • هذا مع اقتراح بالنقل القسري للسكان الفلسطينيين العرب من الاراضي المخصصة للدولة اليهودية الى خارجها لأجل تحقيق وجود أغلبية يهودية فيها ، 
  • وأخيراً ،  إبقاء القدس وبيت لحم وممر إلى الساحل الفلسطيني تحت السيطرة البريطانية . 

ولتهيئة فلسطين لتتحول الى وطن قومي لليهود فيها ، تجاوزت دولة الاحتلال / الانتداب البريطاني على فلسطين ابسط قواعد العدالة والديمقراطية والمتمثلة في احترام رأي الاغلبية السكانية الفلسطينية  ، ومنحهم حق تقرير مصيرهم في وطنهم ، وفي هذا السياق يجدر الذكر أن فلسطين لم تشهد خلال فترة الاحتلال البريطاني لها وانتدابها عليها من قبل عصبة الامم ،  أي ما بين عامي ١٩١٧ و ١٩٤٨ ، أقول ، لم تشهد طيلة تلك الفترة أي حكومة تمثيلية مُنْتَخَبة حتى ولو بصورة شكلية أُسْوَة بما سَمَحت بإنشائه سلطات الاحتلال / الانتداب البريطاني والفرنسي  في كل من لبنان وسوريا والعراق وشرق الاردن إبان حكمها لهذه البلدان . 

أما ما يُسَمّى بـ “حكومة فلسطين” التي وَرَدت إشارت كثيرة لها في تقرير اللجنة، فهي الإدارة الإستعمارية التي فَرَضَتها سلطات الانتداب البريطاني على فلسطين والتي أدار شؤونها المندوب السامي البريطاني مِنْ مَقَرِّه في مدينة القدس التي احتلتها القوات البريطانية في كانون الاول من العام ١٩١٧ ، وأنْهَتْ حينئذٍ أربعة قرون من الحكم العثماني لها . 

شَكَّل البريطانيون الغالبية العُظمى من أعضاء هذه الحكومة ، التي شارك في تسيير أمورها عددٌ محدود من الفلسطينيين العرب ، ومن اليهود الذين هاجروا الى فلسطين خلال الحقبة الاخيرة من الحكم العثماني عليها ، وكذلك خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين .  

في ١ تموز ١٩٢٠ ، عَيَّنَت الحكومة البريطانية هيربرت صاموئيل مندوباً سامياً على فلسطين ، وشَمَلَتْ صلاحياته مناطق شرق الاردن أيضاً ، وكان بريطانياً يهودياً وصهيونياً متشدداً كذلك ، وقد عَمِلَ على تهيئة فلسطين لأجل تنفيذ وعد بلفور ، وإقامة الوطن القومي اليهودي فيها ، وقام فور توليه مهامه في فلسطين بفتح أبواب فلسطين امام هجرة اليهود الاوروبيين اليها،  وقد بَقِيَ في مَنْصِبِه هذا حتى العام ١٩٢٥. 

هذا وقد تعاقبَ على منصب المندوب السامي في فلسطين سبعة بريطانيين كان آخرهم ” آلان كننغهام ” الذي تَوَلّى مَهامه في العام ١٩٤٥ مع انقضاء الحرب العالمية الثانية ، واستمر على رأس عمله حتى العام ١٩٤٨. 

ويجدر الذكر كذلك ،  أن بريطانيا عند انسحابها من فلسطين في ١٥ ايار ١٩٤٨، لم تقم بتسليم الحكم للفلسطينيين ، بل أنها بَكَّرَت إنهاء انتدابها على فلسطين وانسحبت، تاركة فراغاً سياسياً وعسكرياً سارَعَتْ منظمات الارهاب التابعة للحركة الصهيونية في فلسطين الى تعبئته ، وهي الحركة التي نَمَتْ وتَرَعْرَعَتْ إبان فترة الاحتلال/ الانتداب البريطاني على فلسطين ، وتمكنت خلال سِني الحرب العالمية الثانية من إنشاء بنية عسكرية ضخمة وجيش بلغَ عَديده في نيسان من العام ١٩٤٦ نحو ستين ألف مقاتل، أي بما يُقارِب نِسْبَته ١٠ ٪؜  من المهاجرين اليهود المقيمين في فلسطين في ذلك الوقت ( بلغ عدد اليهود في فلسطين في نيسان ١٩٤٦ ما مجموعه ٦٠٨ آلاف مهاجر مقيم حسب الاحصاءات البريطانية ) ،  وتَوَّجَتْ الحركة الصهيونية إنجازاتها في فلسطين في ١٤ ايار ١٩٤٨ بإعلان تأسيس دولة اسرائيل في المناطق المخصصة لها في قرار تقسيم فلسطين رقم (١٨١) ( وهو القرار الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧ )، وتشكيل الحكومة الاسرائيلية المؤقتة بقيادة ديفيد بن غوريون . 

 *******.                  *********.              ******

لنعد الان الى الفصل الثالث من تقرير اللجنة ( ص ٢٠) . 

إسْتَهَلَّ التقرير هذا الفصل بالإشارة الى الملاحظة التالية التي سَجَّلَتها اللجنة على ما وَرَدَ في “تقرير لجنة بيل” الصادر في تموز من العام ١٩٣٧ حول حاضر ومستقبل العلاقات بين الفلسطينيين العرب من جهة ، واليهود المهاجرين اليها والمقيمين فيها من جهة أُخرى . 

بداية الاقتباس : 

” لقد صَرَّحَتْ لجنة بيل في أحد الفصول الختامية من تقريرها ( الصادر في تموز ١٩٣٧) بما يلي :- 

  ‘ إنَّ روح الولاء لدولة واحدة لا تُساوِر العَرَب ( أي الفلسطينيين ) ولا اليهود ( اي المستوطنين )  ….إنَّ النِّزاع سياسي، في صُلْبِه، وإنْ كان العرب يَتخوَّفون من سَيطرة اليهود الاقتصادية عليهم……وهو يَدور في الحقيقة حول المُسْتَقْبَل كما يدور حول الحاضِر ……وكُلِّ رَجُلٍ عاقل من العرب واليهود يَجِدُ نفسه مُضطراً للتساؤل : 

   مَنْ يَحْكُم فلسطبن في النِّهاية ؟ …..

   وهكذا يتراءى أنَّ الموقف ، على رَداءَتِه الآن، سيزدادُ سوءاً فيما بعد ، لأسبابٍ داخلية وخارجية، وأنَّ هذا النزاع سيبقى مُستمراً ، وأنَّ هُوّةَ الخِلاف بين العرب واليهود ستظلُّ آخذةٌ في الاتساع ‘ 

  وقد انتهى التقرير ( تقرير لجنة بيل ) بالإشارة الى ‘ المُنازَعات وسَفْك الدِّماء في هذه البلاد التي تُقَدّسها أديانٌ ثلاثة ‘. “

انتهى الاقتباس 

وفي الفقرة رقم (٥) من الفصل الثالث (ص ٢١) ، تحدثت اللجنة عن الزَّعامة السياسية عند الفلسطينيين على النحو التالي : 

” لا تزال الزّعامة السياسية عند العرب في أيدي ذلك العدد الضئيل من الأُسَر التي كانت بارزة في عهد الحكومة العثمانية ، وفي طليعتها أُسْرَة الحسيني ، فهذه الأُسرة تسيطر على حزب من أهم الأحزاب السياسية، وهو ‘الحزب العربي الفلسطيني’ الذي تألَّفَ رسمياً سنة ١٩٣٥ ” . 

وعن أهداف الأحزاب الفلسطينية في تلك الفترة ، وردَ في التقرير مايلي : 

” أما الأهداف التي يرمي إليها هذا الحزب ، وجميع الأحزاب العربية الأُخرى الموجودة في فلسطين فهي وقف الهجرة اليهودية فوراً ، وحَظْر بيع الأراضي الى اليهود في الحال ، ومَنْح الإستقلال لدولة تكون فيها الأغلبية العربية هي السائدة “.  

وفي هذا الخصوص ، فإني أود الاشارة الى انه وحسب التقديرات البريطانية ، فإن عدد سكان فلسطين في نيسان ١٩٤٦، كان يُقدر بـ (١،٨٤٥،٠٠٠)نسمة منهم (٦٠٨،٠٠٠) يهودي تقريبا ، أي ما نِسْبَته ثُلث السكان تقريباً . 

وفي الفقرة رقم (٦) من الفصل ، وَصَفَتْ اللجنة موقف الفلسطينيين من هجرة اليهود الى فلسطين وقالت : 

” … وبالإيجاز ، إن أبرز مظاهر السياسة العربية اليوم هو رفض العرب الموافقة على دخول يهودي واحد الى فلسطين رفضاً مُطلقا لا قيد فيه ولا شرط ، والأحزاب اليسارية التي تألَّفَت حديثاً في فلسطين على غرار نقابات العمال تُظْهِر من الوطنية المُتَطَرِّفة ما لا يقل عن الزعماء الأقْدَمين “. 

وتُقَدِّم اللجنة في الفقرة رقم (٧) من الفصل المذكور تفسيراً لسبب إصرار الفلسطينيين على نيل الاستقلال الوطني بالقول : 

” ٧- وهناك سبب آخر لإصرار عرب فلسطين على الاستقلال فوراً ، هو رغبتهم في الانتساب الى عضوية جامعة الدول العربية التي تم تأليفها حديثاً ( في ٢٢ آذار ١٩٤٥) ، فعرب فلسطين يشعرون بأنهم لا يَقِلّون كفاءة للحكم الذاتي عن جيرانهم في سوريا ولبنان ، الذين نالوا استقلالهم خلال الحرب العالمية الثانية ، وعن جيرانهم في شرق الاردن ، الذي أصبح منذ انتهاء الحرب ، دولة مُستقلة . ولقد زاد تأليف جامعة الدول العربية الثقة في نفوس زعماء العرب بفلسطين ، وهم يشعرون بأن تأييد العالم العربي أجمع لقضيتهم قد تمَّ حَشْدَه الآن .” 

وتَذْكُر اللجنة عاملٌ آخر يجعل الفلسطينيين في تقييمها أكثر أملاً وثقة  عَبْر القول : ” أَضِف الى هذا وجود خَمْس دول عربية في هيئة الدول ( الأُمم)  المتحدة،منها دولة في مجلس الأمن، يَضْمن عدم إصدار حُكْم غِيابي في القضية العربية عند بحث مسألة فلسطين أمام هيئة الأمم المتحدة ” 

كما ذكرتُ في يومية الاول من أيار ٢٠٢٦، فإن لجنة  التحقيق الانكليزية الأمريكية قد تشكلت بهدف التعرف على مشاكل اليهود المشردين في اوروبا بسبب النكبة التي ألحقها بهم الإرهاب النازي خلال الحرب العالمية الثانية ، وًالتعرف كذلك على مشاكلهم في فلسطين ، وذلك في ضوء الضغط الذي كانت قد مارسته الحكومة الامريكية على الحكومة البريطانية كي ترفع القيود التي فرضتها في العام ١٩٣٩ على هجرة اليهود الى فلسطين ، ولأجل السماح بهجرة مائة الف يهودي إضافي الى فلسطين بصورة فورية . 

لذلك نرى أنَّ اللجنة قد رَكّزت اثناء زيارتها لفلسطين واجتماعها مع الوجهاء والزعماء الفلسطينيين  على مسألة موقف الفلسطينيين من هجرة اليهود الى فلسطين والتعرف حول امكانية زحزحة هذا الموقف المتمسك بالوقف الفوري لهجرتهم اليها . 

وفي الفقرات أعلاه ، القيتُ ضوءا على ما تناوله تقرير اللجنة الأنچلو أمريكية عن موقف الفلسطينيين والزعامة الفلسطينية من هذه المسألة ، وعن العلاقات ما بين الفلسطينيين العرب والمستوطنين اليهود في فلسطين . 

سأتناول في اليومية القادمة ما أوْرَدَتة اللجنة من تقدير لموقف اليهود المستوطنين في فلسطين وزعماء الوكالة والأحزاب اليهودية الذين ادلوا بشهاداتهم امام اللجنة . 

وللحديث بقية 

عبد الرحمن البيطار 

عمان – ١٤ أيار ٢٠٢٦. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *