ماذا قالت لجنة التحقيق الأنچلو أميركية في نيسان ١٩٤٦ عن سكان فلسطين ..؟
ما زالت رحلة إبحاري في مَتْنِ “تقرير لجنة التحقيق الإنجليزية الأمريكية بشأن مشاكل يهود أُوروبا وفلسطين ” المنشور في لوزان – سويسرا في ٢٠ نيسان ١٩٤٤ مستمرة منذ بداية أيار من هذا العام ( ٢٠٢٦) .
وأَجِدُ لِزاماً عليَّ وأنا أكتبُ هذه اليوميات ، التذكير بأن مهمة اللجنة التي شَكّلتها الحكومتان الإنكليزية والأمريكية هو التحقيق في المشاكل التي تواجه اليهود في اوروبا وفي فلسطين وذلك بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية ، وليس في المشاكل التي خلقها الاحتلال البريطاني لفلسطين للشعب العربي الفلسطيني فيها، وما ترتب على قيام سلطات الاحتلال والانتداب البريطاني بفتح ابواب فلسطين امام هجرة يهود بلدان العالم اليها وعلى الاخص يهود البلدان الاوروبية ، دون استشارة أو موافقة سُكان فلسطين الأصليين على ذلك .
يَمتد الفصل الرابع من التقرير وهو بعنوان ” الجغرافية والاقتصاد ” على ثمانية صفحات يبدأ بالصفحة (٢٤) وينتهي بالصفحة (٣١)، ويتألف الفصل من (٢٦) فقرة مُرَقَّمَة ، ويتألف من أجزاء بالعناوين التالية :
- “الجغرافية” : ويتألف من ثلاثة فقرات ( ١ و ٢ و ٣)
- “السكان” : ويتألف من أربعة فقرات ( ٤ و ٥ و ٦ و ٧)
- “مُناقضات إقتصادية” : ويتألف من اربعة فقرات ( ٨ و ٩ و ١٠ و ١١)
- “التوسع الاقتصادي إبان الحرب” : ويتألف من خمسة فقرات( ١٢ و ١٣ و ١٤ و ١٥ و ١٦)
- “مشاريع ما بعد الحرب” : ويتألف من اربعة فقرات ( ١٧ و ١٨ و ١٩ و ٢٠ )
- “التوسع الاقتصادي والهجرة” : ويتألف من ستة فقرات ( ٢١ و ٢٢ و ٢٣ و ٢٤ و ٢٥ و ٢٦ )
في الجزء من هذا الفصل المُعَنْوَن بـ ؛ “السكان” ، اوردت لجنة التحقيق الانجلو أميركية في الفقرة رقم (٤) من فقرات هذا الفصل حول الزيادة في عدد سكان فلسطين ما بين عامي ١٩٢٢ و ١٩٤٤ الى ما يلي :
” ٤- لقد زاد عدد سكان فلسطين ، حسب التقديرات الرسمية ، من (٧٥٠،٠٠٠) نسمة حسب إحصاء ١٩٢٢ ، الى (١،٧٦٥،٠٠٠) نسمة في نهاية سنة ١٩٤٤. ”
ووردَ في الفقرة المذكورة أيضاً :
” وقد ازداد عدد السكان اليهود ، خلال هذه الفترة ، من (٨٤،٠٠٠) نسمة حتى بلغوا (٥٥٤،٠٠٠) نسمة ، وارتفعت نسبتهم الى مجموع السكان من (١٣) في المائة الى (٣١) في المائة. وتُعْزى ثلاثة أرباع هذه الزيادة في الطائفة اليهودية الى الهِجرة . “
أما عن السكان الفلسطينيين العرب ، فتقول :
” وفي غضون هذه المدة ازدادَ عدد السكان العَرَب بما يَفوقُ هذه الزيادة، رغم هُبوط نسبتهم المئوية الى مجموع السكان ، فقد زاد المسلمون وحدهم من (٥٨٩،٠٠٠) نسمة الى (١،٠٦١،٠٠٠) نسمة ، وبلغت الزيادة في عدد المسلمين(٤٧٢،٠٠٠) نسمة، يُعزى (١٩،٠٠٠) منها الى الهِجرة ، وقد كانت الزيادة الطبيعية عند الشعب العربي من أهم المظاهر التي يَمتاز بها تاريخ فلسطين من الناحية الإجتماعية في عهد الإنتداب . ” .
ويُلاحظ أن تقرير اللجنة قدم معلومات عن عدد المسيحيين العرب في حاشية الفقرة ذاتها ، وقد جاءت على النحو التالي :
” * إن من الصعوبة بمكان تقدير عدد السكان العرب بالضبط ، ذلك أن الإحصاءات الرسمية تُبنى على أساس الطائفة ، وفئة قليلة من السكان المسيحيين هي من غير العرب . وفي أول سنة ١٩٤٢ بلغ عدد المسيحيين (١٣٦،٠٠٠) نسمة. “
رَجِعتُ الى “غوغل” ، ووَجدتُ الأرقام التالية المستمدة من الإحصاء الرسمي للسكان الذي قامت به سلطة الإنتداب البريطاني على فلسطين في ٢٣ تشرين الاول ١٩٢٢:
عدد السكان الاجمالي : (٧٥٧١٨٢) نسمة.
منهم:
(٧٨٪) مسلمين وبعدد(٥٩٠٨٩٠)نسمة.
و (٩٪) مسيحيين وبعدد (٧٣.٢٤) نسمة.
و (١١٪) يهود وبعدد(٨٣٧٩٤) نسمة.
و آخرين بعدد (٩٤٧٤) نسمة.
وفي الفقرة رقم (٦) من التقرير ، ذكرت اللجنة بأنها قد “حَصَلَتْ على تقديرات للنّمو المُتوقع حُدوثه في سُكّان فلسطين في المستقبل من البروفسور نوتشتاين مدير مكتب الأبحاث المُتعلقة بالسكان في جامعة برينستون ، ومن الدكتور د.ف. كلاس ، سكرتير لجنة أبحاث إحصاءات السكان في لندن ، ومن ناظر المُهاجرة والإحصاءات في حكومة فلسطين ، ومن رئيس مصلحة الإحصاءات ”
وتضمنت الفقرة المذكورة تقديرات أُخرى لعدد السكان المتوقع في فلسطين في العام ١٩٥٩ ، ثم في العام ١٩٧٠ حول ما أسْمته اللجنة في تقريرها بـ”السُّكّان غير اليهود” ، أي الفلسطينيين العرب مسلمين ومسيحيين ، وبافتراض ” عدم وُجود هِجرة أو نزوح من غير اليهود ” وكما يلي :
” – وكانت التقديرات التي وَضَعها رئيس مَصلحة الإحصاءات فيما يتعلق بالسكان غير اليهود ، تتراوح بين (١،٦٥٢،٠٠٠) نسمة و ( ١،٧٦٧،٠٠٠) نسمة في نهاية عام ١٩٥٩ ، وهي تقديرات بُنِيَتْ على نَظَرِيّات مُختلفة ، إفْتُرِضَ فيها دائماً عدم وجود هِجْرة أو نُزوح من غير اليهود ، ” وأضافتْ اللجنة كذلك ما يلي :
“وبَلغَ الرقم الذي توصل اليه البروفسور نوتشتاين الذي مَدَّدَ بحثه لغاية سنة ١٩٧٠ ، مُفتَرِضاً أيضاً عدم وجود هجرة من غير اليهود (١،٨٧٦،٠٠٠) نسمة ،”
أما عن تقديرات ناظِر المُهاجرة ، فقد جاءت كما يلي :
” وقد تَكَهَّنَ ناظر المُهاجرة، بأن عدد السكان العرب سيبلغ (١،٥٦٥،٠٠٠) نسمة في سنة ١٩٦٠، و (١،٨٢٠،٠٠٠) نسمة في سنة ١٩٧٠. ”
ويبدو أن تقدير عدد سكان فلسطين العرب المتوقع خلال العقود القادمة كان له أهمية كبيرة لدى أعضاء اللجنة ، فقد أضافت للتقديرات أعلاه ، تقديرات الدكتور كلاس ، وحول ذلك فقد جاء في الفقرة المذكورة أنَّ كلاس ” افترضَ أنَّ عدد السكان المسلمين المُستقرين( باستثناء المسيحيين العرب ) في فلسطين سَيَبلُغ (١،٦٣٦،٠٠٠) نسمة في سنة ١٩٦١ ، و ( ٢،٢٠٤،٠٠٠) نسمة في سنة ١٩٧١ ، أما الرقم الذي ذكره رئيس مصلحة الإحصاءات لما يتوقع أن يكون عليه عدد السكان اليهود في سنة ١٩٥٩ ، فهو (٦٦٤،٠٠٠)مُفترضاً عدم وجود هِجرة خلال هذه الفترة “.
وأنا أقرأُ هذه الفقرة ، أدركتُ تماماً أنَّ هذه الإحصاءات وهذه الدراسات هي التي استندت عليها الوكالة اليهودية في فلسطين في الرُّبع الاول من العام ١٩٤٨ ( اي بعد نحو شهر من صدور قرار تقسيم فلسطين عن الجمعية العامة للامم المتحدة ) في وضع تفاصيل خطة الطَّرْد والتطهير العِرْقي للفلسطينيين العرب ، مسلمين ومسيحيين ، المُسماة بالخطة (دالِتْ) ، والتي شَرَعَتْ بوضعها موضع التطبيق من خلال المذابح والهجمات التي شنتها منظمات الارهاب الصهيوني المسلحة ( الهاچاناه وشتيرن وليهي ،..) بصورة ممنهجة ابتداءً من آذار من العام ١٩٤٨ ، والتي أسفرت خلال الفترة المنتهية بـ ١٥ أيار ١٩٤٨ الى طرد وتهجير نحو (٤٠٠،٠٠٠) فلسطيني ، وارتفع هذا العدد الى ما يزيد عن (٧٠٠،٠٠٠) فلسطيني خلال الفترة المنتهية بتشرين الثاني من العام نفسه (١٩٤٨) هذا مع تدمير ما يزيد عن (٤٠٠) قرية وبلدة فلسطينية خلال ذات الفترة .
أنصحُ قُرّاء هذه اليومية التَّعرف اكثر على تفاصيل الخطة ” دالت ” ( خطة طرد واستئصال الفلسطينيين العرب من ديارهم في فلسطين – اذار ١٩٤٨ ) عبر اللجوء الى منصات غوغل او تشات حي بي تي، او الى الدراسة التي اعدها الدكتور وليد الخالدي تحت عنوان ” الخطة دالت مجدداً ” والتي نُشِرَت بادىء ذي بدء في سنة 1961 في مجلة “ميدل إيست فورم”، وأعاد المؤلف النظر فيها في سنة 1988 وتمَّ نَشرها مُجدداً في “مجلة الدراسات الفلسطينية” ، مُضيفاً إليها خمسة ملحقات بينها “خرائط القرى الفلسطينية المدمرة أو المهجرة والمستعمرات اليهودية التي قامت على أشلائها”.
ولعدم الإطالة ، سأكتفي في هذه اليومية بهذا القدر من المعلومات المستمدة من تقرير اللجنة الأنچلو أميركية المشار اليه أعلاه .
وللحديث بقية
عبد الرحمن البيطار
عمان – ٢١ أيار ٢٠٢٦