Menu Close

يومية الجمعة الموافق ٢٢ أيار ٢٠٢٦- الاحوال الاقتصادية البائسة للفلسطينيين في نيسان ١٩٤٦، عَشِيّة نكبة ١٩٤٨ ،مقارنة بأحوال اليهود المستوطنين في فلسطين كما سجلتها لجنة التحقيق الانكليزية الامريكية . 

 

في الجزء المعنون بـ ” مُناقَضات إقتصادية ” من أجزاء الفصل الرابع ، من ” تقرير لجنة التحقيق الانكليزية الأمريكية بشأن مشاكل يهود أوروبا وفلسطين ” الصادر في لوزان – سويسرا في نيسان من العام ١٩٤٦،  وصف التقرير فلسطين بأنها ” بلاد المتناقضات ” ” من الناحية الإقتصادية “، وقَدَّمَ صُوَراً على ما أسماه بـ ” المتناقضات ” في فلسطين على نَحْوٍ  يَخْدم أغراض المُهِمّة التي قامت الحكومتان الانجليزية والامريكية بتكليف اللجنة بالقيام بها ، في إطار ما أسمته الحكومتان بالتحقيق في ” مشاكل يهود اوروبا وفلسطين ” والتي كانوا يعانون منها جرّاء الهولوكوست الذي تعرض له اليهود من مواطني عدد من البلدان الاوروبية على يد النظام النازي في المانيا إبّانَ سِني الحرب العالمية الثانية ، ومن صور المتناقضات هذه  ما يلي : ( ملاحظة الكلمات والجمل المحصورة ما بين قوسين أضفتها الى النَّص المُقْتَبَس لمزيد من إيضاح المعنى المقصود ) 

  • في الفقرة (٨) من الفصل الرابع ، ذَكَرَتْ اللجنة أنَّه في حين “… ظَلَّ العرب ( أي الفلسطينيين ) في الغالب شَعباً زِراعِيّاً ( ريفياً ) ، قام في القطاع اليهودي ، لا سِيّما في السنوات الأخيرة ، تطور صِناعي بَيِّن ، يَسير جَنباً الى جَنب مع << الإحتشاد ( اليهودي ) في الأرض >> الأمر الذي وُضِعَ كمبدأ يَسْتَرْشِد به  الإستعمار اليهودي ، زِدْ على ذلك أنَّ الإستعمار اليهودي الحديث أخذَ يَصطبغ بصورة مُضطرِدَة بصبغة التجربة الإشتراكية ، فهوَ وإنْ كان يَحتفظ ، من نواحٍ عديدة ، وبخاصة في ميدان الصِّناعة في المُدُن ، وفي ميدان التجارة ، بالصِّبغَة الفَردية ، يَستَرشِد ويُعَضَّد في كل مكان ، من الناحية المالية ، والمشورة الفنية ، والنواحي الاخرى ، بالمشاريع اليهودية الكبرى المُعَقَّدَة التي تَتضافر على بِناء الوَطَن القَوْمي ( اليهودي في فلسطين )  “. 
  • وفي الفقرة رقم (٩) من الفصل ،  يَذْكُر التقرير أنّه ومع مرور الزمن ( أي خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين التي امتدت ما بين عامي ١٩٢٠ وحتى صدور التقرير في نيسان ١٩٤٦) ، فقد ازداد “صَرْح التناقض  عند الجانبين ( العربي الفلسطيني واليهودي ) ظُهوراً ” ، وأنَّ ” الفَرْدِيّة ” عند الجانب العربي الفلسطيني كان ” من الظّواهِر البارِزة ” ، وفي هذا الخصوص ، فقد وَرَدَ في الفقرة المشار البها أعلاه أنَّ الفَلّاح الفلسطيني كان لا يزال ” في ميدان الزراعة ، يَعمل في حَقْلِه الصّغير عملاً ، كثيراً ما يكون قائماً على مبدأ توفير أسباب المعيشة له ” ، وأنَّ ” مشاريع الصناعة العربية وتَوَسُّعِها تَنْطَبِع بمثل ذلك الطابع من الفَرْدِيّة الشديدة”. 
  • في المقابل ، وعلى الجانب اليهودي ، تقول اللجنة ؛  ” فإنَّ الوكالة اليهودية ، فَضلاً عن كونها من كبار أصحاب الأراضي ، المُنْشِئَة والمُمَوِّلَة للاستعمار الزراعي ، فهي تشترك إشتراكاً واسعاً ، (من) مختلف النواحي ، في المشاريع الصناعية وغيرها ، ونقابة << الهِسْتدروت >> الوثيقة الصِّلَة بالوكالة اليهودية ليستْ ، مُجَرَّد إتحاد عمال ، بل هي ، فضلاً عن ذلك مُنظمة تعاونية واسعة للمستهلكين ، وهي تُشرف على خدمات اجتماعية كبيرة ، تساهم في نفقاتها ، بما في ذلك التأمين ضد البطالة ، وقد أصبحتْ في الآونة الأخيرة ، هيئة استخدام رأسمالية ، إذْ أن المالك الوحيد أو المالك المُسَيْطِر لمشاريع واسعة النطاق مُتزايدة العدد في الصناعة والإنشاء والتمويل وسائر الاعمال . ” وتُضيف اللجنة وتقول أَنَّه قد ” وَقَعَتْ مُؤَخّراً حوادث عديدة أَضْرَبَ فيها أعضاء << الهستدروت >> بصِفَتِها إتحاد عُمّال ، ضِدَّ << الهستدروت >> بصِفَتِها صاحِبَة العَمَل الذي يَعملون فيه ، حول الأُجور “.  
  • وحَوْل نُقاط الاتصال بين الاقتصاد الفلسطيني العربي والاقتصاد اليهودي في فلسطين كما وجدتها اللجنة في آذار ١٩٤٦ ، فقد تحدثت اللجنة عن  “وجود ثَمّة نُقاط إتصال ” ، وأوْرَدَتْ مِثالاً على ذلك ” الحالة في مصانع البوتاس الفلسطينية ” ، ولكنها وبصورة عامة فقد وَصَفَتْ علاقات الاتصال تلك على أنها ” مَحدودة النِّطاق ، فقد تجد مثلاً، رَبَّة بيت يهودية تَشتري الخُضار من مُزارع عربي ، “،  وحول ذلك تقول ” …لكن مثل هذه الحالات قليلة في قُطْرٍ كهذا ، مُنْقَسِمٌ هذا الإنقسام الحاد في أُسُسِه الاقتصادية، ناهيك بِأُسُسِهِ الإجتماعبة والسياسية ” ، غير أنها تستدرك و تذكر بأنه ” لا تجد صِلة وثيقة بين الفريقين إلا في زراعة الحِمْضِيّات التي كانت قبل الحرب ( العالمة الثانية ) تُؤلِّف صادرات فلسطين الرئيسية ، ويملكها الشعبان ( المقصود هنا بالعربي واليهودي ) بالتساوي تقريباً ، ويَستخدم مزارعو الحِمْضِيّات اليهود بعض العُمّال العرب بصورة غير مُنتظمة ، وتَنْطبع هذه الصناعة في القطاعين ، بطابع الفَرْدِيّة ، رغم أنَّ المَشاق التي جَرَّتها الحرب في أذيالها قد حَمَلتْ الحكومة ( حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين ) الى اللجوء الى بعض التدابير الخاصة لمُساعدة هذه الصناعة ، وأدَّت هذه التدابير الى الجَمْع بين الفريقين في التعاون على اتخاذ التدابير الواقية “. 
  • اما الفقرة رقم (١١)- ( ص ٢٧ من التقرير) ،  فقد تناولت مسألة التّفاوت في مستوى المعيشة عِنْدَ ما أَسْمَته ” الشّعبين العربي واليهودي ” ، وحول ذلك ذَكَرَت اللجنة ما يلي : ” .. فَفِئات الأُجور عند اليهود لا تزال أعلى منها عِنْدَ العرب ( في فلسطين)  ، ويَبلغ أَجْر العامل اليهودي غَير المُدَرَّب ضِعْف أَجْر العامل العربي ، ونِطاق المُنافسة بينهما مَحدود  ” وتَسْتَطْرِد اللجنة وتقول ” .. وتَختلف طُرُق الاستهلاك ودرجة الاعتماد على الاسواق سواء فيما يتعلق بالمُؤَن أو الدَّخل أو مُستوى الإسكان وما شاكلَ ذلك ، إختلافاً بَيِّنَاً ، والخدمات الاجتماعية المُتَوَفِّرة للعرب ضَيِّقَة المجال عُموماً ، ولم يكن للحَرب شيءٌ يُذْكر في تَضييق هذه الفجوة “. 

وحول المثال الذي ذكرته اللجنة عن ما أسمته نقاط اتصال بين الاقتصادين العربي الفلسطيني واليهودي في حالة ” شركة البوتاس الفلسطينية ” ، فقد عُدْتُ الى مقالة كتبتها ” أسماء عودة الله ” وهي باحثة في مؤسسة الجذور الفلسطينية ونشرتها في ” مدونة خزائن ” في ١٩ أيار من العام ٢٠٢٠، وفيها اوردت ما يلي :

بداية الاقتباس 

” في مطلع عام 1930، وقّعت وزارة المستعمرات البريطانية مع المهندس الصهيوني “موشيه نوفوميسكي” عقداً لتأسيس “شركة البوتاس الفلسطينية”. مُنح نوفوميسكي الرخصة الاحتكارية لاستخراج الأملاح والمعادن-وأهمها ملح البوتاس- من البحر الميت، بعد أن سُحبت الموافقة لاستثمار مياه البحر واستخراج البوتاس من الريادي الفلسطيني إبراهيم حزبون.

أدى المشروع الصهيو-إنجليزي إلى استيلاء الشركة على الأراضي المحيطة بالبحر الميت، إذ أصبحت الأراضي الواقعة ضمن امتياز الشركة ملكاً لها لمدة 75 عاماً هي فترة الامتياز، كما ومنحت حق استئجار أراض واقعة خارج منطقة الامتياز. وهكذا، أنشأ الصهاينة مستعمرة “كاليا” شمال البحر الميت، بعد انتزاع أراضيها من أصحابها الفلسطينيين، بحجة احتياج الشركة لها.

كان البوتاس المستخرج يصدر إلى العالم عن طريق ميناء حيفا. وكانت القوافل المحملة بالبوتاس، والمصحوبة بالمدرعات الإنجليزية للحماية، تعبر، أسبوعياً، عدداً من قرى قضاء القدس(كالعيزرية وصور باهر وأبو ديس وغيرهم)، في طريقها من البحر الميت نحو الميناء. جعل أهالي هذه القرى ومناضليها، القوافل هدفاً لهم، وأضحت مهاجمتها شكل المواجهة الرئيس لتلك القرى، والتي استمرت حتى عام 1948.

في 17 كانون الثاني 1938، وقعت إحدى الهجمات بالقرب من وادي الحوض في قرية العيزرية. بتنسيقٍ بين فصائل قرى صور باهر بقيادة محمود جاد الله، وأبو ديس بقيادة معيوف، والعيزرية بقيادة الشيخ موسى العيزراوي، كمن المناضلون للقافلة وهاجموها، فاشتعلت معركة حامية الوطيس بين المناضلين من جهة والقوات الإنجليزية واليهود مدعمين بالطائرات من جهة ثانية، دُمرت خلالها القافلة بالكامل وقتل عدد من الجنود الإنجليز والصهاينة.

شركة البوتاس الفلسطينية” هي إحدى الأمثلة على انحياز الاستعمار الإنجليزي تجاه اليهود، ومنحهم تفوقاً وفرقاً اقتصادياً سيساهم في التأسيس لاقتصاد يهوديٍ قوي ولوطن قومي لليهود في فلسطين. في المقابل، حاربت السلطات الاستعمارية الإنجليزية الجهود المبذولة لبلورة اقتصاد وطني عربي. ” 

نهاية الاقتباس 

ويبدو ان الشركة عند مباشرتها اعمال الانتاج في عام ١٩٣١ /١٩٣٢ ، قامت ، بالاضافة الى الموظفين والعمال اليهود المستوطنين الذين استخدمتهم في اجهزتها الادارية والانتاجية ، قد عمدت أيضاً على توظيف عمال فلسطينيين عرب في جهازها الانتاجي والاداري كذلك ، مما اعطى الانطباع للجنة الى أنَّ الشركة تُوفر مثالاً على نقاط اتصال بين الاقتصادين العربي الفلسطيني واليهودي  في فلسطين .

 ومما يجدر ذكره أيضاً أنَّ صادرات الشركة شَكَّلَتْ في العام ١٩٤٠ نحو ٥٠٪؜ من إجمالي صادرات فلسطين الصناعية ، وقامت كذلك بتزويد بريطانيا باحتياجاتها من البوتاس خلال الحرب العالمية الثانية . 

ويجدر أيضاً أن يُذْكَر أنَّ مجلس الوزراء الاردني قد أصدر قراراً في ١ كانون الاول من العام ١٩٥٢ ، بالغاء امتياز شركة البوتاس الفلسطينية المحدودة – اليهودية البريطانية الذي كانت حكومة إمارة شرق الاردن ، إبّان فترة الانتداب البريطاني على فلسطين وشرق الاردن ، قد مَنَحَته للشركة في ٦ كانون الثاني ١٩٢٩ وبحيث يبدأ مفعول ذلك الامتياز من كانون الثاني من العام ١٩٣٠ ولمدة (٧٥) سنة . أما قرار الحكومة الاردنية المشار اليه اعلاه ، فقد جاء على النحو التالي :-

المادة (1)

وافق مجلس الوصاية على القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء بتاريخ 1952-12-1 ورقم (216) مُتَضَمِّناً الغاء امتياز شركة البوتاس الفلسطينية المحدودة ، وهذا نَصَّه:

لما كانت حكومة المملكة الاردنية الهاشمية وَجَّهَتْ إخطاراً الى مدير شركة البوتاس الفلسطينية المحدودة المُسَجَّلة في انجلترا-مركزها المسجل في شارع بول مول رقم 62 لندن اس دبليو (1) – لمدة شهر واحد بالاستناد الى الفقرة (أ) من المادة (28) من امتياز استخراج الاملاح والمعادن من البحر الميت المؤرخ في 1 شباط

سنة 1930 تُعْلِمْهُ فيه عَزْم الحكومة الاردنية على إلغاء الامتياز المذكور بعد مرور شهر على تبليغه الإخطار لثبوت تنازل الشركة ذات الامتياز عن أسهمها (لشركة أعمال البحر الميت المحدودة ) دون موافقة الحكومة الاردنية الخطية مُخالفة بعملها هذا أحكام المادة (24) من الإمتياز المُنَوّه به آنفا ، وبما أنَّ مُدة الشهر المحدودة في الاخطار قد انتهت بتاريخ 30-11-1952 ، قرر مجلس الوزراء الموافقة على إلغاء امتياز هذه الشركة اعتباراً من التاريخ المذكور ، وتقديم هذا القرار الى مجلس الوصاية لتصديقه

1952/12/1

تلك كانت الاحوال البائسة للفلسطينيين عشية نكبة ١٩٤٨ ، كما سجلتها اللجنة في نيسان ١٩٤٦ ، واحوال اليهود المستوطنين ، الذين كانوا بَحظون برعاية المنظمة الصهيونية العالمية ، والوكالة اليهودية في فلسطين ، وحكومة الانتداب البريطاني كذلك ..! 

سأكتفي في هذه اليومية بهذا القدر من المعلومات . 

وللحديث بقية .

عبد الرحمن البيطار 

عمان ٢٢ ايار ٢٠٢٦. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *