لا زِلنا نُبْحِر معاً في أجزاء الفَصْل الرابع من ” تقرير لجنة التحقيق الانكليزية الأمريكية بشأن مشاكل اليهود في أوروبا وفلسطين ” الصادر في لوزان – سويسرا في ٢٠ نيسان ١٩٤٦.
وكما ذكرتُ في يومية سابقة ، فقد مَكَثَتْ اللجنة في فلسطين الفترة ما بين ٦ و ٢٨ من شهر آذار من العام ١٩٤٦ أَجْرَتْ خِلالها تَحقيقها في مَشاكل اليهود في فلسطين ، واستَمَعَتْ الى شهادات العديد من زعماء الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية في فلسطين منهم حاييم وايزمان ودافيد بن غوريون وموشي شاريت وغولدا مئير و إسحق غرونباوم وممثلون عن “الهاغاناه” والكيبوتسات والمنظمات العمالية اليهودية والجامعات العبرية .
والتَقَتْ اللجنة كذلك بعَددٍ من الشخصيات العربية ومُمثلون عن اللجنة العربية العليا وغيرها من الاحزاب الفلسطينية منهم جمال الحسيني وعوني عبد الهادي وأحمد الشقيري وحسين فخري الخالدي وألبرت حوراني هذا بالإضافة الى زعامات إسلامية و مسيحية، ووجهاء من القدس ويافا وحيفا ونابلس .
وفي الجُزء المُعَنْوَن بـ ” مَشاريع ما بعد الحرب ” ، وهو أحد أجزاء الفصل الرابع ويتكون من أربعة فقرات مُرَقَّمَة ، وَجَدتُ أنَّ عنوان هذا الجُزء لا يتفق تماماً مع ما تَناوَلته فَقَراته من مواضيع. ، فاللجنة سَجَّلَتْ مُلاحظات عَديدة ومُهِمّة عن الاقتصاد في فلسطين لفترة ما بعد الحرب ( ١٩٤٥ و ١٩٤٦ ) أهمها :
من الفقرة رقم (١٧) ، وردت ملاحظات منها ما يلي :
- “لا يزال نهج الاقتصاد بعد الحرب غير مُستقِر ”
- أنَّ الغموض حول ” مستقبل البلاد السياسي ” ” يُلْمَس في كل مكان ”
- أنَّ النقص في الطلبات الحربية ، مَكَّنَ الصناعة من ” تحويل إنتاجها الى الأسواق المدنية “
- أنَّ ” … مُقاطعة العرب في فلسطين للصناعات اليهودية ” لم يكن لها ” إلا بعض التأثير ”
- أنَّ ” تكاليف المعيشة وفئات الأُجور ” ” بَقِيتْ ثابتة في ارتفاعها عن مُكابَرة وعِناد “.
أما ملاحظات الفقرة رقم (١٨)، فقد جاء فيها ما يلي :
- أنَّ ” حَرَكة الإنشاء” خلال الفترة المُمتدة ” منذ اضطرابات المدة من ١٩٣٦ الى ١٩٣٩ وأيضاً حتى ” إنقضاء الحرب العالمية الثانية في أيار ١٩٤٥ قد اقتَصَرَتْ ” على الإنشاءات العسكرية ” و” أنَّ حَركة إنشاء المساكن آخذةٌ في النُّمُو بعد تلك الفترة– وما نَتجَ عنها من اكتظاظ هائل في السكان “
- أنَّ قيمة الأرض قد ” ارتفعتْ في السنوات الأخيرة ( أي السنوات القليلة السابقة لتاريخ اصدار التقرير في نيسان ١٩٤٦) إرتفاعاً غير عادي ”
- أنَّ ” أسعار لوازم البناء لا تزال فاحِشة” ” ولا يزال الخَشَب ، الذي يُستَورد بجميع أنواعه تقريباً من الخارج ، نادر الوجود “.
- ” أنَّ تكاليف البناء تبلغ عِشرين جنيهاً تقريباً للمتر المُكَعَّب ( ربما المقصود للمتر المُرَبّع ) ، وهي تَفوقُ كثيراً كُلفة الإنشاء في بريطانيا العُظمى “.
- [ وبالرجوع الى تشات جي بي تي ، والسؤال عن تكاليف البناء التي كانت سائدة في فلسطين في العام ١٩٤٦ عندما زارت اللجنة فلسطين ، تلقيتُ ما يلي : بداية الاقتباس
“بحسب تقرير حكومة الانتداب البريطانية المعروف باسم “A Survey of Palestine”، والذي وثّق مشاريع الإسكان في فلسطين خلال سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، كانت كلفة إنشاء المتر المربع للمباني السكنية سنة 1946 تقريباً بين 16 و18 جنيهاً فلسطينياً للمتر المربع، وذلك من دون احتساب ثمن الأرض أو أعمال تطوير الموقع.
وقد أورد التقرير أمثلة فعلية من مشاريع إسكانية في تلك الفترة، منها:
- بيوت متلاصقة (Terrace houses): حوالي 16.5–17 جنيه فلسطيني/م²
- بيوت شبه منفصلة (Semi-detached): حوالي 16.3–18.8 جنيه فلسطيني/م²
- بعض البيوت المنفصلة: حوالي 16.2 جنيه فلسطيني/م²
ومن المهم الانتباه إلى أن:
- المقصود هنا هو الجنيه الفلسطيني (£P)، وهو العملة الرسمية لفلسطين الانتدابية آنذاك.
- هذه الأرقام تخص مشاريع إسكان منظمة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كانت أسعار مواد البناء مرتفعة نسبياً بسبب آثار الحرب ونقص المواد.
- الكلفة المذكورة هي كلفة البناء فقط (مواد + عمالة)، ولا تشمل الأرض أو البنية التحتية.
وللمقارنة التاريخية، كان الجنيه الفلسطيني مرتبطاً بالجنيه الإسترليني بالقيمة نفسها تقريباً في تلك الفترة”
انتهى الاقتباس
ومن ملاحظات الفقرة (١٩):
- ” أنَّ البلاد ( أي فلسطين في مطلع العام ١٩٤٦ ) في وَضعٍ تَسوده عناصر الغموض والإبهام ”
- وتَساءَلتْ اللجنة عن ” المدى الذي يَتسنى فيه للصناعة والتجارة اليهودية ( في فلسطين ) أنْ تَعتمِدا ” ” على استمرار الحافز الذي تُهيؤه الهِجرة ( هجرة اليهود الى فلسطين ) إذا قيسَ على أساس الخِبرة المُكتسَبَة قبل الحرب ( أي قبل ايلول من العام ١٩٣٩)
- تَساءَلتْ اللجنة أيضا عن مدى احتمال “أنْ يَسود السّوق عُموماً رُكود إذا أدّى ، تَحسُّن الأحوال السِّلْمِيّة في الشرق الاوسط أو وُقوع تَغيير في الوَضع السياسي ” الى انسحابٍ كبيرٍ في القوات البريطانية ،… ونشأَ عن ذلك نُقصان في الدَّخْل الذي يَرِد من الخارج ”
- ذلك من جهة ، ومن جهة أُخرى ، تَساءَلَتْ اللجنة ” إنْ كانت الأحوال السِّلمِيّة،.. قد تَحْمِل عدداً أوفر من السُّيّاح على المَجيء الى فلسطين “
- وتَساءَلتْ كذلك عن “… المدى الذي تَستطيع فيه الصناعة ( اليهودية ) أنْ تَصْمُد في وَجْه مُنافَسِة الأقطار الأُخرى التي ضَرَبَتْ بسَهْمٍ وافر في الصناعة ، مع احتمال استمرار مُقاطعة بلاد الدول العربية المُجاورة للمَصنوعات اليهودية ”
- وتَساءَلَتْ أخيراً إنْ كانت ” المُبالغة في تقدير قيمة الجنيه الفلسطيني بالنسبة للجنية الإسترليني تَنطوي على عَقَبة أُخرى تَقِف حَجَر عَثْرة في سبيل نجاح المُضارَبة في أسواق التصدير ..”
وفي الفقرة (٢٠) ، ورد ما يلي :
- ” لَمْ يَسَعْ اللجنة إلا أنْ تُلاحظ إبان زيارتها للبلاد ( لفلسطين ) أنَّ الرّقم القِياسي لغَلاء المَعيشة قد تجاوز ٢٥٠٪ بالنسبة لِما قَبْل الحرب ”
- و” أنَّ العُمّال في أحد المَعامِل التي زارتها اللجنة… يَشتغلون ٦٠ ساعة ( في الأُسبوع ) بدلاً من الوقت الأساسي البالغ ٤٨ ساعة ، كيما يَتمكنوا من تأمين مَعيشتهم “.
- ” ويَذهبُ البعض الى أنَّ ازدياد الهِجرة ( يحرة اليهود الى فلسطين ) وإباحة تَدَفُّق السِّلع المُستورَدة من الخارج قد يُفضي << من تلقاء ذاته >> الى التعجيل في تَخفيض الأُجور والأَسعار ويُؤدي الى هُبوط تكاليف الإنتاج ، وانخفاض تكاليف المَعيشة لدرجة تَجْعَلها قريبة من المستوى السائد في بريطانيا “
أعلاه هو ما استخلصته من الجزء المشار اليه أعلاه من أجزاء الفصل الرابع من التقرير ، وهو يمنح القارىء الفرصة للتعرف على جانب من الظروف الاقتصادية التي كانت سائدة في فلسطين في مطلع عام ١٩٤٦ ، وعلى الاخص فيما يتعلق بالشؤون التي ركزت عليها اللجنة وبالتحديد ما يتعلق منها باليهود المهاجرين الى فلسطين .
وقبل أن أُنهي هذه اليومية أود أن أُشير الى الخبر الصاعق الذي تلقيته صباح يوم أمس والمتعلق بوفاة خولة وفاديا ، زوجة وابنة الصديق العزيز فهمي الكتوت امين عام الحزب الشيوعي الاردني في حادث سير . أجِدُني عاجزاً عن التعبير عما أشعر به من حُزن وتأثر …!!!
ماذا أقول لك يا صديقي فهمي … ! ماذا أقول ..!؟
وللحديث بقية .
عبد الرحمن البيطار
عمان ٢٩ أيار ٢٠٢٦