Menu Close

يومية السبت الموافق ٣٠ أيار ٢٠٢٦ – الدور البريطاني الامريكي في إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين كما بينته لجنة التحقيق الإنكليزية الامريكية بشأن مشاكل يهود اوربا وفلسطين في تقريرها الصادر في نيسان ١٩٤٦

الركاب يتدافعون نحو مقاعدهم عبر الممر الطويل الذي يفصل مقاعد طائرة  الـ AIRBUS في رحلة الملكية رقم ١٢٥ المتجهة الى مطار فرانكفورت . 

نعم ، أنا متحه الى هايدلبيرغ عبر مطار فرانكفورت ، وأُريد أنْ أُطَمْئِنَ قُرّاء اليومية أنها ليست أكثر من رحلة مُراجعة طِبِّيّة رُوتينية . 

الساعة الآن تتجاوز العاشرة بـ(١٥) دقيقة . 

وجدتُ أنَّ مَقعدينا أنا ومُنى يَفْصِلُ بينهما مَقعد وسَطَي احْتَلَّتْهُ صَبِيّة في مُقتبل العمر مع طفلها الصغير الذي لا يبدو أنه تجاوز السنة الاولى من عمره . مُنى مُنْخَرِطة الآن مع الصبية في محاولة لإقناعها بالانتقال من مَقعدها الوَسْطاني الى المَقعد المُجاوِر لشُبّاك الطائرة لعله يكون أكثر راحة لها ولطفلها . عَرَضْتُ عليها خَيارٌ آخر بالجلوس في مَقعدي المُحاذي للمَمَر الطولي الذي يقسم فضاء الطائر الداخلي ( المَمَر الجزيرة )  . وَجَدَتْهُ الأُم مُناسِباً أكثر من الجلوس في المَقعد المُجاوِر لشباك الطائرة . تبادَلنا المَقاعد . ثم تَبادَلتُ مَقعدي مع مَقعد مُنى التي وَجَدَتْ نفسها أخيراً تَجلسُ في المَقعد الوَسْطاني ، وراحَتْ بعد ذلك تُساعِدُ الصَّبِيّة وتُداعِبُ الطّفل وتُشاغِلَهُ . أما هِبَه والتي تُشاركنا هذه الرحلة الى هايدلبيرغ ، فقد ذَهَبَتْ الى مَقعدِها في الصفوف الخلفية . الطفل قًلِق ، يَبكي ويُنَغِّص على أُمِّه …! 

انشغلت البارحة في التحضير ليومية هذا البوم ؛ السبت ٣٠ ايار ٢٠٢٦. 

لنعد الآن الى موضوع هذه اليومية : 

من الفقرة (٢١) من الجزء المُعَنْوَن ” التَّوَسُّعُ الإقتصادي والهِجْرةُ ” ( أي الهجرة اليهودية الى فلسطين) والتي تُسَجِّلُ فيه اللجنة نتائج تحقيقها في فلسطين تحت هذا العنوان وذلك بعد انقضاء أقل من عام على انتهاء فعاليات الحرب العالمية الثانية في اوروبا ( أي حتى نيسان ١٩٤٦) ، وهو الجزء الاخير من الفصل الرابع من “تقرير لجنة التحقيق الانكليزية الامريكية بشأن مشاكل اليهود في اوروبا وفلسطين ” الصادر في لوزان في العشرين من نيسان من العام ١٩٤٦، ويقع على الصفحتين ٣٠ و ٣١ من النسخة العربية للتقرير ، أفصحَ التقرير وبشَكلٍ صَريح عن ما يَهُم لجنة التحقيق التركيز عليه وعلى الأخص فيما يتعلق بإزالة أي عقبات تؤثر على هجرة اليهود الى فلسطين وذلك لأجلِ تَمكين فلسطين الواقعة تحت الانتداب / الاحتلال البريطاني منذ الثامن من كانون الاول من العام ١٩١٧ لتُصبِحَ أكثرَ تَهَيّؤاً لاستقبالِ المَزيد من المُهاجِرين اليهود من مواطني البلدان الاوروبية ، ومِن الفقرة المُشار اليها أعلاه، أقتبِسُ ما يلي : 

” ٢١- إذا تَرَكنا هذه الحالة غَيْر المُستَقِرّة السائِدة الآن ( أي في نيسان ١٩٤٦) جانِباً ، لا يُخامرنا أدنى رَيْب أنّه إذا أُتيحَ لفلسطين بعض التّوجيه المَرْكزي وزيادة في الجهود التعاونية ، وجَوٌ سياسيٌ سِلْمِيٌ ، يَتسنى لها أنْ تُهيئَ فُرَصاً أُخرى لاستيطانٍ مُزْدْهِر يَسوده ، في الوقت ذاتِه ، تَحَسُّنٍ في مُستوى مَعيشة سُكّانها الحاليين ” . 

وعن التخطيط الذي كان يجري الإعداد له من قِبَل سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين في ذلك الوقت ( أي في مَطلع العام ١٩٤٦) ، يَذْكُر التقرير في الفقرة ذاتها ما يلي :

” فمَجلِس التّموين الحَرْبي الذي تمَّ تحت إشرافه تَوسيع نِطاق الصِّناعة المَحلية والسير بها نحو الإنتاج الحَرْبي ، سَيُحَوَّل وَشيكاً إلى دائِرة قائِمة بذاتِها تُعْرَف بدائرة التجارة والصناعة “

ويَبدو أنَّ الفلسطينيين أَخذوا يُدْرِكون أكثر وأكثر الأهداف التي كانت سلطات الانتداب ( الاحتلال ) تسعى لتحقيقها من وراء إعادة تنظيم المجلس والمؤسسات الاقتصادية الأُخرى العامِلة في فلسطين وعلى الاخص في مجال تهيئة أحوال فلسطين إقتصادياً لاستقبال مَزيدٍ من المهاجرين اليهود الأوربيين إليها ، مما دَفَع السكان الأصليين لفلسطين أي الفلسطينيين العرب الى الإنسحاب من المشاركة في عُضوِيّة “المجلس الإستشاري للإقتصاد الحَرْبي”  ،وحَوْل ذلك ذَكَرَتْ اللجنة في الفقرة الآنفة الذِّكر من تقريرها ما يلي : 

” والمَجلس الإستشاري للإقتصاد الحَرْبي ( في فلسطين )  سَيَسْتَمِر في الاضطلاع بعمله الإستثماري رُغْمَ إنسحاب أعضاءه العَرَب ، في تَكييف إنتهاج السياسة الرَّسْمِيّة وتَطبيقها …. ” ، أي السياسة التي تتبنى مسألة تحويل فلسطبن الى وطن قومي لليهود ، وفقاً لما ورد في تصريح بلفور ، ولما جاء في صك الانتداب البريطاني على فلسطين .  

أما الفقرة (٢٤) من الجُزء المُشار إليه أعلاه ( التَّوَسُّع الاقتصادي والهجرة ) ، فقد كانت أكثر صراحة في التعبير عن تناول ما يتعين عَمَله لأجل تمكين فلسطين من استيعاب المزيد من المهاجرين الاوروبيين اليهود عندما ذَكَرَت :

” ٢٤- وقد قَدَّمَت لُجنة الأبحاث الفلسطينية ، وهي مُنَظَّمة يُمَوِّلُها الصهيونيين الأميركيين إقتراحات مَبْنِيّة على الجُرْأة والخيال ، وقامَ مُهندسون أميركيون من أصحاب المَكانة العالية بوضع مشروع ( أي في العام ١٩٤٦)  أطلقوا عليه إسم <<مَشروع وادي الأردن >> ، وقد قُصِدَ بهذا المَشروع جَلْب المياه من الأُردن إلى ( سَهْل ) مَرْج إبنْ عامِر الخَصِب والسَّهل السّاحِلي، ورَي غُور وادي الأُردن ، واستغلال مياه الأُردن والبحر الأبيض لتوليد الطاقة الكهربائية ، ويُقال أنَّ هذا المَشروع ، سَواء تم إنجازه ، كلياً أو جُزئياً ، سَيُوَفِّر المياه بكَثرة وبأسعارٍ يَتوفر فيها الإقتصاد ، لمَناطق واسعة الأرجاء من الأراضي الخَصْبة التي تَغِلُّ الآن غَلّة واحدة فقط في السنة . ويتطلب هذا المَشروع مَبالغ ضَخمة من المال ، وقد عَلِمَتْ اللجنة ، أنَّ في الإمكان تَيسير هذه المَبالغ من مَصادر خارِجِيّة “. 

كما بتصح من الفرة أعلاه ان الإهتمام بمصادر المياه في الاردن ( نهر الاردن ونهر اليرموك ، وخلافه ( كانت محط انتباه واهتمام المخططين الاستراتيجيين الصهاينة منذ وُضِعت فلسطين ( وشرق الاردن ) تحت الانتداب البريطاني منذ سقوط الإمبرطورية العثمانية وعقب انقضاء الحرب العالمية الاولى.  

وفي الفقرة (٢٥) من الجزء المذكور أعلاه ، وردَ تقديرٌ صَريح للجنة حول مَقَدِرِة فلسطين على أن تكون مَلْجَأً ليهود اوروبا الذين لا مأوى لهم ، وحاء ذلك على النحو التالي  : 

“٢٥- ويُفْتَرَض في هذا التنظيم الطويل الأجل تأمين التعاون الإختياري أو الحِياد القائم على المَنْفَعة ، على الاقل ، بين جميع السكان والحكومة ، أَضِفْ إلى ذلك أنْ ليسَ في هذا المَشروع ما يُؤثر ، بقليل أو بكثير ، في مَقدرة فلسطين على إعداد مَلجأٍ ليهود أوروبا الذين لا مَلجأَ لهم “. 

وتُِضيف الفقرة (٢٦) المزيد من التوضيح حول ما يَهُم اللجنة التركيز عليه في تقريرها وبالتحديد إيجاد حَلٍ لمُشكلة المأوى ليهود أوروبا الذين لا مَأوى لهم عَبْرَ تَهجيرهم الى فلسطين وإعداد مَأوى لهم فيها، وفي هذا السِّياق وردَ فقي هذه الفقرة ما بلي : 

” ٢٦- ولنا في هذه القَرائن مِثالٌ آخر على حَماسة اليهود ومَقدرتهم على تَخَطّي حُدود الحَذَر الذي يُرافِق الإقتصاد الأُوروبي العادي ،ولا تَحُولَ ، بحالٍ من الأحوال ، مَظانُّ الضّعف في الاقتصاد اليهودي ، وما يُتوقع أنْ تكون عَليه بصورة مباشرة ، دون الإصرار على إعدادِ المَأوى للذين لا مَأوى لهم ( أي لليهود الذين شَرَّدَتهم الحرب في اوروبا )، حتى ولو أدّى ذلك الى هُبوط مُستوى مَعيشة السكان اليهود الحاليين ( في فلسطين ) ، ومَظاهر الأُخُوّة هذه التي تَصِل الى حُدود التّضحية ، إذا دَعى الأمر ، تَستفِزُّ الإعجاب “. 

أما مسألة إعداد مأوى في فلسطين ليهود أوربا مِمَنْ لا مَأوى لهم ، فيتطلب تنظيم مَصادر البلاد ( أي مصادر فلسطين ) الطبيعية ، وحَوْلَ ذلك وَردَ في الفقرة المذكورة ما يلي أيضاً : 

” ولكن ما لا بَجب إغفاله ، أنَّ التوسع في البناء الإقتصادي المَبْني على العاطفة والقائم على أُسُس مُبهمة للمَصادِر الطبيعية ،، قد يؤدي الى إثقالِ كاهِلِهِ إثقالاً باهِظاً الى حد الإنهيار ، ولذلك يَعود بِنا الجَدَل الى حاجة البلاد الى تحسين مُنَظّم لمَصادر البلاد ( فلسطين ) الطبيعية وهذا لا يَقيضَ له النجاح ، على حد ما ألمحنا فيما تقدم ، إلا في جَوٍ من التّعاون السِّلْمي “. 

من الفقرات اعلاه يتضح للعيان على نحوٍ قاطع ان المشروع الصهيوني في فلسطين هو مشروع إستعماري إستيطاني بَحْت قادَتْ تَحقيقه الإمبرياليتان البريطانية والأمريكية بالتعاون الوثيق مع الحركة الصهيونية العالمية . 

وللحديث بقية 

عبد الرحمن البيطار 

من الطائرة المتوجهة الى فرنكفورت – 

٣٠ أيار ٢٠٢٦ 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *