إنتهيتُ قبل قليل من كتابةِ يَومية السَّبت (٣٠ ايار ٢٠٢٦) ، وانتهيتُ كذلك من قراءة فَقَرات الفصل الخامس من “تقرير اللجنة الإنكليزية الأمريكية بشأن مشاكل يهود أُوروبا وفلسطين ” الصادر في لوزان – سويسرا في ٢٠ نيسان ١٩٤٦ وهي أحد عشر فَقَرَة تَمْتَدُّ على الصفحات ٣٢ و ٣٣ و ٣٤ و ٣٥ من النسخة العربية من التقرير .
هذا الفصل مُعَنْوَن بـ ” موقف اليهود “، وهو فَصْلٌ غَنِيٌ بمعلومات بالغةُ الأهمية ، قدْ أحتاج للعديد من اليوميات لتغطية المعلومات الواردة في فقراتها . ومما يجدر ذكره أيضاً أنَّ الفَصْل السادس من التقرير يتناول ما أسمته اللجنة بـ” مَوقف العرب ” أي مَوقف السكان الأصليين لفلسطين ؛ أي الفلسطينيين العرب .
أنا لا زِلتُ أكتبُ مِنْ على مَتْنِ الرِّحلة ١٢٥ للملكية الاردنية المُتَّجِهَة الى فرانكفورت .
تقول الفقرة (١) من فقرات الفصل الخامس ( ص ٣٢) أنَّ اللجنة قد استَمَعَتْ ” إلى القضية اليهودية ” “في ثلاث حلقات من الجلسات العَلَنِيّة — تَوَلّى عَرْضها :
- ” في واشنطون الصهيونيون الأمريكان ” و
- ” في لندن الصهيونيون البريطانيون ” ، وأخيراً
- ” في القدس الوكالة اليهودية حيث أسهبت في بسطها إسهاباً لا مزيد عليه ”
وتقول أن هؤلاء قد بسطوا أمامها القضية اليهودية ” بسطاً وافياً مشفوعة ببينات خَطّيِّة ضخمة ” .
وتُضيف أنَّ الخُطّة الأساسِيّة التي حُبِّذَت مِنْ قِبَل مَنْ إلتَقَتْهُم اللجنة وعُرِضَتْ أمام اللجنة ” في كُلِّ مَكان هِيَ ذاتها لا تَغيير فيها ولا تَبديل ” وَهْيَ الخُطّة التي تَقوم ” على البرنامج المعروف بـ ‘برنامج بيلتمور لسنة ١٩٤٢’ ، مع إضافة طلب إصدار مائة ألف شهادة مُهاجَرة إلى فلسطين في الحال ” أي في مَطلع العام ١٩٤٦ ، والهَدَف من ذلك هو ” تخفيفاً لوَطأة الضِّيق والضَّنَك في أوروبا ” على اليهود الذين شَرَّدَتهم الحرب والإرهاب النازي من مواطني البلدان الاوروبية .
تُحدد اللجنة معالم الخطة الأساسية المُشار اليها أعلاه في ثلاث نِقاط هي :
- “(١) أنْ تُسَلِّم الدًولة المُنْتَدَبَة ( أي بريطانيا ) الرّقابة على الهِجرة ( اليهودية الى فلسطين ) إلى الوكالة اليهودية ” و
- “(٢)أنْ تُلغي الدولة المُنْتَدَبة ( أي بريطانيا) القيود المفروضة على بيع الاراضي “، و
- “(٣) أنْ تُعْلِن الدولة المُنْتَدَبَة ( أي بريطانيا ) أنَّ الهدف النهائي الذي ترمي إليه هو إقامة دولة يهودية حالما تُصْبِح الأكثرية السُّكان (السكانية) يهودية ”
وفي هذا الفصل من تقريرها ، تَلفِتُ اللجنة النّظر الى أن النقطة رقم (٣) من الخطة المشار اليها اعلاه والمُتعلقة بـ ” طلب إقامة دولة يهودية ” بالقول بأن هذا الطلب ” يَتجاوز حدود الإلتزامات التي يَنطوي عليها وعد بلفور ، أو صك الانتداب ” ، وتُضيف بأنَّ رئيس الوكالة اليهودية كان ” قد تَنَصَّلَ منه ( أي مِنْ هذا الطَّلَب ) صَراحَةً مُنذُ زَمنٍ غير بعيد ، في سنة ١٩٣٢ “.
وعليه ، لإكمال الفائدة من هذه اليومية ، دعونا نستعرض ما أشارت إليه الخطة على أنه ” برنامج بيلتمور ” .
فما هو ” برنامج بيلتمور ” ؟
^^^^^^^^^
أكتب الجزء التالي من هذه اليومية في صباح يوم الاحد (٣١ أيار) وذلك من مقعدي في صالة فندق الماريوت في هايدلبيرغ وذلك بعد أن انهيت تناول طعام الفطور في الفندق .
لنعد الآن لمؤتمر بيلتمور وبرنامجه.
بادىء ذي بدء، دعونا نسأل السؤال التالي :
” لماذا انعقدَ مؤتمر بيلتمور أصلاً؟ وما هي الاسباب التي دَعَتْ أو بَرَّرَتْ إنعقاده ؟ ”
إسْتَعَنْتُ بـِ ” تشات جي بي تي ” ، ووَجّهتُ له عَدداً من الأسئلة المُتلاحقة بقصد استدراج سَرْدِيّة مُتماسكة وَمُفَسِّرَة عن المؤتمر ، وجائتني أجوبة على أسئلتي أعتقد أنها تتضمن عناصر كثيره من تحليلٍ سليم ، وإليكم الأسئلة والأجوبة الذي وَصَلتني :
بداية الاقتباس
” مؤتمر بيلتمور ، يُعَدُّ من أهم المَحَطّات في تاريخ الحركة الصهيونية، لأنه شَهِدَ الانتقال من المُطالبة بـ”وطن قومي يهودي” إلى المُطالبة الصّريحة بإقامة دولة يهودية في فلسطين.”
سؤال:
متى انعقد المؤتمر؟
جواب :
“إنعقدَ المؤتمر في فندق بيلتمور بمدينة نيويورك في الولايات المتحدة بين ٦ و ١١ أيار ١٩٤٢ أثناء الحرب العالمية الثانية.”
سؤال:
من دعا إلى عقده؟
جواب:
“عُقد المؤتمر تحت إسم “المُؤتمر الصهيوني الإستثنائي” ، لأن انعقاد المؤتمر الصهيوني العالمي المُعتاد كان مُتَعَذِّراً بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية. وقد جاء انعقاده بدَفْعٍ قَوِي من قيادة الحركة الصهيونية، وخاصة من (ديڤيد بن غوريون)الذي كان يسعى إلى نَقْلِ مَرْكَز الثِّقَل السياسي للحركة الصهيونية من بريطانيا إلى الولايات المتحدة.”
سؤال:
مَنْ شاركَ في جلساته؟
جواب:
“شاركَ في المؤتمر نحو (٦٠٠) مَنْدوب من مُختلف المُنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة وكندا، إضافة إلى عدد من قادة الحركة الصهيونية القادمين من فلسطين وأوروبا.
ومن أبرز المشاركين:
- Chaim Weizmann
- David Ben-Gurion
- Nahum Goldmann
- Stephen Samuel Wise
- Abba Hillel Silver
كما شارَكَتْ وفود تُمَثِّل مُعظم التنظيمات الصهيونية الأمريكية والكندية.”
سؤال:
هل شاركت الوكالة اليهودية في فلسطين؟
جواب:
“نَعَم، شارَكَت الوكالة اليهودية مُشاركة أساسية ومباشرة. وكان أبرز ممثليها: ديڤيد بن غوريون و شَخصيات أُخرى من قيادة “اليشوف” (المجتمع اليهودي في فلسطين الانتدابية) واللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية.
بل إنَّ المؤتمر وَجَّه في بيانه الرسمي تحية خاصة إلى اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية في القدس وإلى المجتمع اليهودي في فلسطين.”
سؤال:
ما هو برنامج بيلتمور؟
جواب:
“الوثيقة التي صَدَرَتْ عن المؤتمر عُرِفَت باسم “برنامج بيلتمور”
وكانت أهم بنوده:
- رفض الكتاب الأبيض البريطاني لعام (١٩٣٩) الذي قيّدَ الهِجْرَة اليهودية إلى فلسطين.
- المُطالبة بفَتح فلسطين أمام الهجرة اليهودية دون قُيود.
- مَنْح الوكالة اليهودية سُلطة الإشراف على الهجرة والاستيطان والتنمية.
- الدعوة إلى إقامة “كومنولث يهودي” في فلسطين، وهو تعبير كان يُفْهَم عَمَلياً على أنه دولة يهودية مُستقلة.
- التأكيد على أنَّ حَل مُشكلة اليهود في أوروبا يتطلب إقامة هذا الكيان السياسي في فلسطين.
وكان هذا أول إعلان رَسمي واسع للحركة الصهيونية يُطالب بصورة واضحة بإقامة دَولة يهودية، لا مُجرد وطن قومي.”
سُؤال :
ما موقف الحكومة البريطانية ؟
جواب:
“كان الموقف البريطاني سِلبِيّاً تجاه البرنامج.
فالحكومة البريطانية كانت ما تزال متمسكة بسياسة الكتاب الأبيض لعام ١٩٣٩ التي:
- حَدَّتْ من الهجرة اليهودية.
- رَفَضتْ تحويل فلسطين إلى دولة يهودية.
- سَعَتْ إلى إنشاء دولة فلسطينية خلال فترة زَمَنِيّة مُحددة يكون العرب فيها الأغلبية.
لذلك إعْتُبِرَ برنامج بيلتمور تَحَدِّيَاً مُباشراً للسياسة البريطانية في فلسطين. بل إنَّ بعض المُؤرخين يَرون أنه مَثّل بداية الابتعاد الاستراتيجي للحركة الصهيونية عن الاعتماد السياسي على بريطانيا والإتجاه نحو الولايات المتحدة.”
سُؤال :
ما موقف الحكومة الأمريكية؟
جواب:
“في عام ١٩٤٢، لَمْ تَتَبنَّ الحكومة الأمريكية رَسمياً برنامج بيلتمور.
كانت إدارة فرانكلين روزفلت حَذِرَة بسبب:
- ظُروف الحرب العالمية الثانية.
- الرغبة في عدم إثارة غَضب الدول العربية الحَليفة.
- الاعتبارات الاستراتيجية المُتعلقة بالنّفط والشرق الأوسط.
لكن المؤتمر نجح في تعزيز التأييد الصهيوني داخل الولايات المتحدة، وأصبح النفوذ السياسي للحركة الصهيونية هناك أقوى بكثير خلال السنوات اللاحقة. “
سُؤال :
هل تَحققَ برنامج بيلتمور؟
جواب:
“تَحققَ جزئياً ثم إلى حد كبير
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تطورت الأحداث بسرعة:
- أُحيلت قضية فلسطين إلى الأُمم المتحدة .
- صدر قرار التقسيم سنة ١٩٤٧.
- أُعلنت دولة إسرائيل في ١٤ أيار ١٩٤٨.
وبذلك تَحَقّقَ الهدف المركزي لبرنامج بيلتمور، وهو إنشاء دولة يهودية في فلسطين.”
سؤال:
هل تحقق البرنامج كاملاً؟
جواب:
“ليس بالكامل.
فبعض القيادات الصهيونية التي أيَّدَت برنامج بيلتمور كانت تَطمَح إلى دولة يهودية على كامل أراضي فلسطين الانتدابية، بينما انتهى الأمر في البداية إلى:
- قبول خطة التقسيم.
- قيام دولة إسرائيل على جُزء من فلسطين.
- استمرار الصراع العربي الإسرائيلي وعدم التوصل إلى التسوية التي تخيلها واضعو البرنامج. “
سُؤال :
لماذا لَمْ يَتحقق بالكامل؟
جواب:
“لعدة أسباب:
- المُعارضة العربية والفلسطينية الشديدة للمشروع الصهيوني.
- تَحَفُّظ بريطانيا على المَطالب الصهيونية القصوى.
- التوازنات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.
- قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة الذي اقترح دولتين لا دولة واحدة على كامل فلسطين.
- الحرب العربية الإسرائيلية عام ١٩٤٨ وما نَتجَ عنها من وقائع سياسية وعسكرية جديدة.
وباختصار: كان مؤتمر بيلتمور عام ١٩٤٢ نُقطة التّحَوُّل التي أعلَنَتْ فيها الحركة الصهيونية بصورة رَسمية هَدف إقامة دولة يهودية في فلسطين، وشارَكَتْ فيه الوكالة اليهودية بقيادة ديفيد بن غوريون، وعارضته بريطانيا ولَمْ تَتَبَنَّه الولايات المتحدة رَسمياً في حِينه، لكن مُعظم أهدافه الأساسية تَحققَّتْ لاحقاً بقيام دولة إسرائيل سنة ١٩٤٨، وإنْ لَمْ يَتحقق البرنامج بكل تصوراته الأصلية” .
انتهى الاقتباس
بعد تلقي الاجوبة أعلاه ، رأيتُ أن أستكمل الصورة بالتعرف على مواقف الأحزاب الفلسطينية من مؤتمر بيلتمور وبرنامجه ، فتوجهتُ من جديد الى ” تشات جي بي تي ” بأسئلة متعددة جائني أجوبة عليها على النحو التالي :
بداية الاقتباس
“نَعَم، كان للقوى والتنظيمات الفلسطينية العربية موقف واضح من برنامج بيلتمور، وتَمَثَّل أساسًا في الرفض القاطع له، لأنه اعتُبر دعوة صريحة لتحويل فلسطين إلى دولة يهودية وفتح أبواب الهجرة اليهودية على نطاق واسع.”
“لكن، يَنبغي التنبيه إلى أن الحديث عن “الأحزاب الفلسطينية” في عام 1942 يختلف عن الوضع الحزبي المعاصر؛ فقد كانت الساحة السياسية الفلسطينية آنذاك تتكون من أحزاب وتكتلات وشخصيات وطنية بارزة، أهمها:
- الحزب العربي الفلسطيني
- حزب الدفاع الوطني
- الكتلة الوطنية العربية
- اللجنة العربية العليا (رغم أنها لم تكن حزبًا بالمعنى الدقيق).”
سُؤال:
ما كان موقفها؟
جواب:
“كانت هذه القوى ترى أن برنامج بيلتمور:
- يُناقِض حُقوق الأغلبية العربية في فلسطين.
- يتجاوز حتى ما ورد في وعد بلفور من حيث الطموح السياسي، لأنه انتقل من فكرة “وطن قومي” إلى المطالبة بدولة يهودية.
- يَرفض عمليًا السياسة التي أعلنها الكتاب الأبيض البريطاني بشأن تقييد الهجرة اليهودية.
- يُهدد حق الفلسطينيين في تقرير المصير.”
سُؤال:
هل صدرت بيانات فلسطينية مباشرة ضد البرنامج؟
جواب:
“نَعم، صَدَرت مواقف وتصريحات من القيادات الفلسطينية والعربية خلال ١٩٤٢-١٩٤٣ تُنَدِّد بالمؤتمر ونتائجه. إلا أن الظروف السياسية آنذاك أثّرت على قدرة الفلسطينيين على تنظيم رد موحد وقوي، ومن هذه الظروف:
- نَفْي أو غياب عدد من القيادات الفلسطينية بعد أحداث ثورة ١٩٣٦– ١٩٣٩.
- تَفكيك بريطانيا لكثير من البُنى التنظيمية الوطنية الفلسطينية.
- إنشغال المَنطقة بالحرب العالمية الثانية.
لذلك جاء الرد الفلسطيني غالبًا عَبْر بيانات سياسية واتصالات بالحكومات العربية والبريطانية أكثر من كونه حملة سياسية موحدة داخل فلسطين.”
سُؤال:
ماذا كان موقف القيادات الفلسطينية البارزة؟
جواب:
” كان مَوقف الحاج أمين الحسيني وأنصاره رَفضًا مًطلقًا للبرنامج، باعتباره مشروعًا لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين. كما رَفضه خُصومه السياسيون الفلسطينيون أيضًا، رغم اختلافهم معه في قضايا أخرى. وبذلك كان هناك إجماع فلسطيني واسع على رَفض برنامج بيلتمور، بينما كانت الخلافات تدور حول أساليب العمل السياسي وليس حول الموقف من البرنامج نفسه.”
سُؤال:
هل أثّر هذا الرفض في مصير البرنامج؟
جواب:
“من الناحية السياسية، لم يَتمكن الفلسطينيون والعرب من إيقاف المَسار الذي أطلقه مؤتمر بيلتمور، لعدة أسباب منها:
- ضَعْف التمثيل السياسي الفلسطيني بعد قَمْع الثورة الفلسطينية الكبرى.
- تَزايد النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة.
- التحولات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
- الدَّعم الدولي المُتزايد للمشروع الصهيوني بعد كارثة اليهود في أوروبا خلال الحرب.
لذلك بَقِيَ الرّفض الفلسطيني والعربي ثابتًا، لكنه لم يَنجح في مَنع انتقال برنامج بيلتمور من مشروع سياسي عام ١٩٤٢ إلى واقِعٍ سياسي تَجَسّد لاحقًا في أحداث ١٩٤٧– ١٩٤٨ . “
انتهى الاقتباس
تلك كانت رحلتي معكم في هذا اليوم في هذه اليومية.
آسف للإطالة
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٣١ أيار ٢٠٢٦