Menu Close

يومية الإثنين الموافق ١ حزيران ٢٠٢٦ – مواقف يهود فلسطين من برنامج بلتيمور ( ١٩٤٢) ومن مشروعي الوسيط الدولي الكونت برنادوت التي قدمها في حزيران وأيلول ١٩٤٨. 

حزيران له أكثر من معنى في حياتي ، ففي الحادي عشر منه من العام ١٩٤٨ ، أبصرتُ النور ، وكان ذلك في شَقّة سَكَنِيّة من عمارة القمحاوي في المدينة التي أُحِب؛ نابلس . 

ذاتَ يَوْم ،قالتْ لي أًمي ، أنَّ مَولدي تلك الليلة تَصادَفَ أنْ جاءَ قَبْل مُنتصف الليل ، وكان ذلك في يوم جُمْعة ، وأنها تَذْكُر أيضاً أَنّه رُزِقَ لعائلة القمحاوي في ذات الليلة طِفْلةٌ أبْصَرَتْ النّور بعد مُنتصف تلك الليلة ، فأسموها “سَلام” ، تَيَمُّناً ببدء سَريان مَفعول الهُدْنة التي تَوَسَّطً في إبرامها الكونت السويدي فولكه برنادوت الذي عَيَّنَته الأُمم المتحدة في ٢٠ أيار من العام ١٩٤٨ وسَيطا لها في فلسطين،  وذلك بعد اندلاع القتال بين وحدات من القوات العربية ( الاردنية والمصرية والسورية واللبنانية والعراقية ) التي دخلت فلسطين اثر اعلان انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في ١٤ ايار ١٩٤٨ ، والبدء بسحب قواتها من فلسطين ، وإعلان الوكالة اليهودية في فلسطين قيام دولة اسرائيل بالاستناد الى احكام قرار التقسيم رقم (١٨١) في هذا الخصوص ، وقد جاء اختياره بسبب شهرته الدولية كمسؤول بارز في الصليب الأحمر السويدي ونجاحه خلال الحرب العالمية الثانية في التفاوض لإطلاق سراح آلاف المعتقلين من المعسكرات النازية 

جاء تعيين الكونت برنادوت في ٢٠ أيار ١٩٤٨ بعد فَشَل اللجنة التي عَيَّنَتها الأُمم المتحدة تحت إسم “لجنة الأمم المتحدة لفلسطين” في الاشراف على وضع قرار التقسيم موضع التطبيق خلال الفترة التي تلت إصدار القرار عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ وحتى إنهاء بريطانيا لانتدابها على فلسطين ١٤ ايار ١٩٤٨. وبالتالي فقد كان تَنفيذ قرار التقسيم رقم 181 جزءًا من الخلفية التي أدَّت إلى تعيينه، لكن الكونت برنادوت لم يُكلَّف حرفيًا بالإشراف على تنفيذ القرار كما أُقرَّ في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧  ، وعليه وفي ضوء التطورات التي حصلت ما بين ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ و ١٥ ايار ١٩٤٨ ، تحولت مهمة الوسيط الدولي الى العمل على وقف القتال وإعلان هُدنة  بين الأطراف المتحاربة على الارض في فلسطبن ، والإشراف على تنفيذ الهدنة ومراقبتها ، والتوسط بين الاطراف لتسهيل التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع ، والعمل على ضمان حماية السكان المدنيين. وتقديم المساعدة في استمرار الخدمات الأساسية الضرورية للسكان ، وأخيراً رفع تقارير وتوصيات إلى الأمم المتحدة بشأن الحل السياسي.  

بَدأ الكونت برنادوت عمله في فلسطين والبلدان العربية المحيطة بها في أواخر أيار ١٩٤٨ ، ونَجَح في التوصل إلى هُدنة دخلت حيز التنفيذ في ١١ حزيران ١٩٤٨ ، أي في يوم مولدي ، وهي الهدنة التي استمرت أربعة أسابيع فقط . 

ومما يجدر ذكره أيضاً أن الكونت برنادوت كان قد قَدَّم للامم المتحدة في سياق آدائه لمهمته المشروعين التاليين  ؛ 

  • الأول في ٢٨ حزيران ١٩٤٨ ، دعا فيه الى إقامة اتحاد يضم كيانًا عربيًا وكيانًا يهوديًا في فلسطين مُرتبطين بعلاقة إتحادية ، هذا مع إجراء تعديلات على حدود الكيانين بالتفاوض ، وضمان حماية الأماكن المقدسة والأقليات ، ومعالجة قضية النازحين واللاجئين وإتاحة عودتهم الى ديارهم في فلسطين ، والنظر في اقتطاع منطقة صحراء النقب من المساحة التي خصصها قرار التقسيم للدولة اليهودية ، وضمها أو أجزاء منها إلى الدولة العربية في فلسطين .  و
  • الثاني في أيلول ١٩٤٨ ، ودعا فيه الى الإعتراف بوجود دولة إسرائيل كأمر واقع وإلحاق منطقة صحراء  النقب بالدولة العربية الفلسطينية ، وضم الجليل الغربي إلى إسرائيل ، و تحديد مستقبل المناطق العربية المتبقية بالتشاور مع العرب الفلسطينيين والدول العربية، مع ترجيح الارتباط بشرق الأردن ، ومنح القدس وضعًا خاصًا يضمن حماية الأماكن المقدسة ، والتأكيد على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم أو الحصول على تعويض عادل إذا لم يعودوا.  

واخيراً  ولأن قيادة “منظمة شتيرن” الصهيونية – وكان أحد أعضاءها الإرهابي إسحق شامير الذي أصبح في وقت لاحق رئيساً لوزراء دولة الكيان – قد رَأَتْ في ذلك الوقت في مُقترحات برنادوت التي دعا فيها الى إعادة صحراء النقب إلى الدولة العربية الفلسطينية ، وتأكيد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم واعادة ممتلكاتهم لهم خطراً يُهدد المشروع الصهيوني ومستقبله في فلسطين ، قَرَّرت المنظمة الإرهابية تَصْفِيّة الكونت برنادوت ، وتَمَكَّنَتْ من اغتياله اثناء مُرور العَرَبَة التي كانت تُقِلُّه هو ومرافقة الفرنسي العقيد الضابط أندريه سيرو في حي القَطَمون في القدس في ١٧ أيلول ١٩٤٨. 

تلك كانت إضاءات عَن يَوم مَولدي في ١١ حزيران ١٩٤٨ ، ودور الكونت برنادوت في تحقيق أول هدنة في ذلك اليوم  ما بين الدول العربية المحيطة بفلسطين ودولة الكيان الصهيوني ، ومُقترحات الكونت التي أدَّتْ في نهاية الأمر اغتياله على يد الارهابيين الصهيونيين . 

لنَعُد الآن إلى نيسان ١٩٤٦، وإلى الفصل الخامس من “تقرير لجنة التحقيق الأنغلو امريكية بشأن مشاكل يهود اوروبا وفلسطين” والصادر في العشرين من نيسان ١٩٤٦، لنستكمل ما تناولناه في اليوميات القليلة الماضية 

حول “موقف اليهود” مِمّنْ التقَتْ بهم اللجنة من ” برنامج بلتيمور “، أشارتْ اللجنة في الفقرة (٣) من فَقَرات الفصل الخامس الى ذلك كما يلي :

  • ” لقد أَخَذَ أغلب الشّهود (اليهود)  بالخُطّة الصهيونية الرَّسمية في جميع الجلسات التي عَقَدناها ” أي تَبَنّوا  برنامج بلتيمور . و
  • أنَّ اللجنة قد استَمَعَتْ أيضاً الى شهادات الشّهود ( اليهود)  ” من بعض فروع الحركة الصهيونية التي تُنَدِّد ببرنامج بلتيمور “. 
  • كما استمعت اللجنة كذلك ” إلى خُصوم الصهيونية من اليهود ” ، وحَوْلَ ذلك تَقول أنَّ اللجنة قد أَصْغَتْ : 
  • “أولاً : الى شهادات فريق صغير في أمريكا وبريطانيا يُحَبِّذ الإندماج ( أي الاندماج في المجتمع العربي الفلسطيني ) بَديلاً عن الوطنية اليهودية ” ، ثُمَّ اسْتَمَعَتْ 
  • ” ثانياً : إلى ‘جمعية أغودات إسرائيل’ ، وهي مُنَظّمة اليهود المُتَدَيّنين، وتُعَضِّد فِكْرِة الهجرة غَيْر المُقَيَّدة الى فلسطبن ، ولكنها تَنعى عاى الصهيونية إتجاهاتها الدُّنْيَوِيّة “، ثُمَّ اسْتَمَعَتْ
  • ” ثالثاً : إلى مُمثلي جماعات مُهِمة من يَهود الشّرق الاوسط ، ويَخشى كثيرٌ مِنهُم أنْ تَنْفصم علاقات الوُّد القائمة بينهم وبين العرب من جراء الصهيونية السياسية ” 

وقد خَلُصَتْ اللجنة في الفقرة (٣) من فَقَرات الفصل الخامس الى ” أنَّ برنامج بلتيمور تَسْنِده أكثرية ساحقة من الصهيونيين ” ، وتقول إنَّ هذا البرنامج قد ” نجحَ في نَيْلِ مُعاضَدة الحركة الصهيونية بوَجه عام ” ” لأنّه، في الدرجة الأولى ، يُعَبِّر عن سياسة اليهود الفلسطينيين التي تَلْعَب الآن ( أي في مطلع عام ١٩٤٦) دَوراً رئيسياً في الوكالة اليهودية ” ، وتَصِف اللجنة بأنَّ هذه المُعاضَدة” تكاد تكون عامة في طَلَبِ دولة يهودية ” لكنها تتساءل ( أي في نيسان من العام ١٩٤٦) عَمّا إذا كانت هذه المُعاضَدة ” تقوم  على إدراكً تام بما تَنْطوي عليه هذه السياسة من مَشاكل ، والأخطار التي تَكتنف تنفيذها ، ” وتُجيب على ذلك بالقول بأن ذلك ” أمرٌ آخر بالمَرَّة “. 

تَستأنف اللجنة الكَشف عن مواقف يهود فلسطين ، فتقول في الفقرة (٤) من فَقَرات الفصل الخامس “أَنَّ الوَضع في فلسطين ذاتها ” لا يَدور حول تنفيذ فكرة نائية ” بَلْ تُعتبَر مَسألة حياة أو موت للأُمّة اليهودية ” ،  وتُضيف بأنًّ الاختلافات الحِزْبيّة تَطغى على يهود فلسطين ، وأنَّ ” عدد الصحف والمجلات السياسية تَشهد ( على ) تَنَوّع وحَيوية هذه الحياة السياسية”  ، وأنَّ هناك ضغطاً يَقع ” على اليهود الذين يُعتَبَرون غير موالين للوطن القومي ” ، وتُقَدِّم اللجنة تقديرها لـ ” عَدد ناقدي برنامج بلتيمور من الفلسطينيين ( يبدو أنها تقصد الفلسطينيين اليهود) ” فتقول بأنه ” لا يتجاوز في هذه الآونة ( أي في مَطلع عام ١٩٤٦) ، رُبْع اليهود من سكان فلسطين ” ، لكن اللجنة تَصِف هذه الأقلية على ” أَنّهم يُمَثِّلون أقلية يُعْتَدُّ بها “. 

كما تُقَدِّم  اللجنة في سِياق ذلك ، مَعلومات عن مواقف أحزاب وجَماعات سياسية صهيونية ويهودية على النحو التالي ؛،

  • ” حِزْب ماباي ( حزب العمال ) ” وتَصِفه اللجنة بأنه ” غالباً ما يُقَرِّر هذا الحِزب الخُطة الرسمية ” ، 
  • وتُضيف اللجنة بأنَّ هناك أيضاً  ” جَماعتان رئيسيتان تُعارِضان سياسة الوكالة اليهودية “. 
  • وتًتحدث كذلك عن “حِزْبان صَغيران “لكن اللجنة تَسْتَدْرِك وتقول ” لكنَّهُما مُهِمّان ” هما :
  • ” حِزْب علياه حداشاه المُحافظ ( أي حِزْب المُستَعمِرين الحَديثين ) وقَوامه في الغالب من المًستَعمِرين الألمان و سُلالة اليهود الاوروبيين الغَربيين ” ، و 
  • ” حِزْب هاشومر هاتسعير” 
  • وتَقول اللحنة عن الحِزْبِ الأخير أنّه ” في حين أنّه إشتراكي ” فإنّه ” يُطالِب بالحق في هِجْرة مُطْلَقة واستيطان الأراضي دون قَيْد ” ، لكِنّه  ” يَتحدّى فِكْرِة الدولة اليهودية ، ويُشَدِّد بصورة خاصة في ضَرورة التعاون مع العرب “،  وتُضيف اللجنة وتَقول بأنَّ هذا الحِزب لم يتقدم بالشّهادة  أمام اللجنة ، ” لكِنّه نَشَرَ قبل مُغادرتنا القدس ، كَرّاساً خطيراً يُحَبِّذُ فيه الوطنية الثُنائية ” ( أي ثًنائية الوطنية العربية الفلسطينية والوطنية اليهودية معاً ) ، وتَستطرِد اللجنة وتقول بأنَّ
  • ” الدكتور ماغنس وجَماعته الصغيرة المَعروفة باسم ‘أيحود’ التي تَفوق أهميتها عدد أعضاءها ” تَقِفُ ” على مَقْرُبة من حِزْب هاشومر هاتسعير ، دون أن يَدين بفكرة الإشتراكية ” . 

وفي الفَقَرة رقم (٥) من فَقَرات الفصل الخامس ، قَدَّمَتْ اللجنة مَعلومات عن موقفِ حِزْبٍ صهيوني آخر هو: 

  • ” حًزْب الإصلاحيين ” وتَصِفه بأنّه ” …يُؤلف واحداً بالمائة من الطائفة اليهودية ( في فلسطين )،  ومن ورائه جَماعات عَديدة، أكثرَ مِنْهُ تَطَرُّفاً ، تَدعو الى مقاومة الكتاب الابيض ، وتَشترك في حملة الإرهاب الحالية ( أي في العام ١٩٤٦) ، وتُؤيدها عَلَنَاً ” ، وتُضيف وتقول ” وهذه الفئة من يَهود فلسطين تَسْتَمِدُّ وَحْيها وأساليبها من التقاليد الثورية في بولونيا وشرق أُوروبا ، وكثيرونَ من هؤلاء المُتطرفين هم من الشُّبّان والشَّابات الذين لم يَتجاوزوا العشرين من أعمارهم ، وقد نالوا قَسْطاً من التعليم ، وأُفْعِمَتْ نُفوسهم بالتَّعَصُّب السّياسي الذي يَنطوي على التضحية الذاتية كما يَنطوي على الضَّرَر “.  

ذلك كان ما كَتَبَته اللجنة في تقريرها عن مواقف القوى والاحزاب اليهودية  في فلسطين مما اعتبرته ” مشاكل يهود فلسطين ” او ما يشغل بال واهتمام “؟يهود فلسطين ” . 

وللحديث بقية . 

عبد الرحمن البيطار 

هايدلبيرغ – ١ أيار ٢٠٢٦ 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *