قَبْل يَومين صَباحاً ، كُنّا في صَالة الطّعام في فندق ماريوت هايدلبيرغ نَسعى لتناول طعام الفطور .
كنتُ قد طَلبتُ الطًّبَق المُفَضّل لَدَي ؛ الأُومْليتْ المَخلوط بجُبنة التّشِيدَرْ الصفراء والفِطْر ، ونُتَفٍ صغيرة من البندورة ، وهو أُومْليتْ يَشْتَهِر بتَحضيرِه “الشِّيفْ” ( رئيس الطُّهاة ) لهذه الصالة .
إلتَقَطتُ طَبَق الأومْليتْ من كاونتر الخدمة في الصالة ، واتجهتً نحو الطاولة التي نَجْلِسُ حَولها أنا ومُنى وهبة . وكانتْ هذه المرَّة مُطِلّة على حديقة الفندق ونهر نيكار الرائع .
كُنتُ قَبْلَ ذلك قَدْ حَضَّرتُ قِطْعَةَ “تُوستْ “مُحَمَّصَة بعضَ الشيء وَضَعتها في الطًَبَق ، وجَعَلْتُ “الأُومليت” تَسْتَلقي عليها .. !
تَمَّ ذلك في اللحظة التي اقْتَرَبَتْ فيها هِبَه مِنّي ، ومَعها كَأسَها من القهوة ، حاوَلَتْ أنْ تَضَعْهُ على الطاولة بمُحاذاة طَبَق الأُومْليتْ ، فانْدَلَقَتْ القَهْوَة على “الأُومْليتْ” وقِطْعَة “التّوستْ” التي تَشَرَّبَت القهوة المُنْدْلِقَة ،…
إرْتَبَكَتْ هِبَه وبَدَأَتْ بالإعتذار ،..لكِنّي قُلْتُ لها : لا تَعتَذِري ، فَرُبّما يكون ذلك ” أزكى” طَبَق “أُومليتْ” أتناوله … ؛ “أومْليتْ” بطَعْمِ القَهوة ..!
التعليق أضْحَكَ هِبَه …!
بالفعل كان مَذاقَه شَهِيّاً جداً . تَذَوَّقَته مُنى ، ثم هِبَة ، وأُعْجِبَتا بِمَذاقِهِ كَثيراً ..! قًلتُ لهما : أكثرُ الإختراعات تَأتِ بالصُّدْفَة ،.. ورُبًما هَذِه واحِدة منها ؛ ‘أومْليتْ’ بطعم القهوة.
أَرَدتً أنْ أسْتهِلَّ هذه اليومية بتجربتي التي ذكرتُ تفاصيلها أعلاه .
لنعُد الآن الى ” تقرير لجنة التحقيق الانكليزية الأمريكية بشان مشاكل يهود أُوروبا وفلسطين ” الصادر في ٢ نيسان ١٩٤٦.
في الفقرة رقم (٦) من فَقَرات الجُزء الخامس والذي يَتناول الشّهادات التي أدلى بها اليهود الذين التَقَتْ بهم اللجنة خلال فترة عملها في مَطلع العام ١٩٤٦ ، أجرَتْ اللجنة تحليلاً نَفسياً لموقف اليهود – الذين هاجروا الى فلسطين من البلدان الاوروبية – من برنامج بيلتمور الصادر في العام ١٩٤٢ ، وكذلك من مواقف سُلطة الانتداب البريطاني في فلسطين ، وفي هذا الخصوص ذَكرَتْ اللجنة ما يلي :
” لا يَتَسنى فَهم برنامج بلتيمور تَمامَ الفَهم إلا إذا دُرِسَ على هذا الأساس من الحياة فى فلسطين ، وهو نَتيجة أضغاط سياسية مُتباينة ، ومُحاولة من الزعامة ( اليهودية ) للاحتفاظ بالوِحْدة دون تَضحية بالمَبدأ ، شأنه فى ذلك شأن جميع البرامج السياسية. فاليهودى الذى يُقيم ويَعمل فى الوطن القَومي يُدرًكُ تماماً الأعمال التى قام بها ، ويَعلمُ ما كان يَتسنى له القيام به لو أَمَدَّتْهُ الدولة المُنْتَدَبة بمُعاضدة مُخْلِصة ، ..”
وتُقَدِّم اللجنة وَصفاً لموقف اليهودي المُقيم في فلسطين ووُجْهَة نَظَره السياسية في ذلك الوقت من العام ١٩٤٦ ، وفي ذلك تقول :
“ووُجْهِة نَظَره السياسية هى عِبارة عن مَزيج من إفتخار الإعتداد بالذات ، وخَيبةُ أملٍ مَريرة ، فهو يَفخرُ بأنّه حَوَّل الصّحراء والمُستنقعات ( يقصد في فلسطين ) الى جَنّاتٍ تَفيضُ لَبَنَاً وعَسَلاً ، ويَشعُر بخَيبة الأمل لأنه مَحرومٌ من فُرْصة إستعمار تِسْعَة أعْشار أرضِ إسرائيل التى يَعتبرها بِحَقٍ خاصَّته ، وهو يَفخَرُ لأنّه قَضى على الفِكرة الشّائعة بأنَّ اليهود يَتعَذّر عليهم إنشاء مُجتمَع قَويم مَبني عل فِلاحَة التربة ، ويَشعُر بخَيبة الأمل لأنَّ اليهودي مُحَرَّمٌ عَلَيه الدّخول الى وطنه القومي حيث تُقيم الآن تلك الطّائفة ، وهو يَفْخرُ لأنه يقومً بنَصيبِهِ فى هذه التجربة المُشتركة التى تَنطوي على الجُرأة ، ويَشعرُ بخيبة الأمل لأنه يرى أن الموظفين البريطانيين الذين يَعتبرهم غالباً دُونَه مَقدرةً يُعًرقلون أعماله ، وهو يَفخرُ لأنه يَشعرُ ، وقد أصبح أخيراً في فلسطين ، أنّه عُضوٌ حُرٌ فى مُجتمعٍ حُر ، ويَشعرُ بخيبه الأمل لأنه لا يَعيشَ فى ظِلِّ حكومةٍ مُنتخبةٍ إنتخاباً حُرّاً ، بل فى ظِلِّ إدارةٍ مُطلقةٍ أوتوقراطية تكادُ تكونُ مُجردة من العاطفة الإنسانية. “
ومما يجدر ذِكْرَه أنَّ حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين – ومنذ دخول صك الانتداب حَيِّز التنفيذ الفعلي في ٢٩ ايلول ١٩٢٣ وهو الصك الذي كانت عُصْبة الأُمم التي شكلتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الاولى قد أقرته في ٢٤ تموز ١٩٢٢ – قد عَمَدَتْ على حِرْمان الشّعب الفلسطيني مِنْ حَقِّه في تَشكيل حكومة تنفيذية مُنْتَخَبة ومؤسسات تشريعية مُنْتَخبة ، مَثيلَةٌ لتلك المؤسسات التي سَمَحَتْ سلطات الإنتداب البريطاني والفرنسي تشكيلها -في تلك الفترة – في كل من شرق الاردن وسوريا ولبنان والعراق ، لأنَّ تشكيل هيئات حُكُم مُنتَخَبة في فلسطين كان سيمنح الأغلبية الفلسطينية العربية في البلاد سن تشريعات واتخاذ قرارات تتعارض مع سياسات الانتداب البريطاني في فتح أبواب فلسطين أمام هِجرة اليهود اليها ، وتتعارض كذلك مع كل تلك السياسات والإجراءات التي اتخذتها حكومة الإنتداب البريطاني الرامية لتهيئة أحوال فلسطين لتُصْبِح وطناً قومياً لليهود بما يتوافق مع ما ورد في ” تصريح بلفور” الذي أصدرته الحكومة البريطانية في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧ ، وضمنته أيضاً في احكام صك الانتداب .
وفي الفقرة (٧) من فقرات الفصل الخامس ، أوردتْ اللجنة وصفاً لتَبِعات نَجاح الحزب النازي في ألمانيا تَوَلّي مَقاليد السُّلطة فيها وبِدْء أدولف هتلر في ٣٠ كانون الثاني من العام ١٩٣٣ مُمارَسة مَهامًِه مُستشاراً لألمانيا ، الأمر الذي أدى الى ازدياد مُعدلات هجرة اليهود الألمان الى فلسطين ، وتَرَتَّبَ على ذلك في وقتٍ لاحق تَوليد ظُروف إندلاع الثورة الوطنية الفلسطينية الكُبرى في فلسطين في نيسان من العام ١٩٣٦، وحَوْل ذلك ، فقد ورد في تلك الفقرة من الفصل الخامس من التقرير ما يلي :
“٧- وتَدور شَكوى يَهود فلسطين الرئيسية على أن الدولة المُنْتَدَبَة ( أي بريطانيا ) ، منذ صُدور الكتاب الأبيض فى سنة ١٩٣٠ ، قد عَمِلَتْ على إبطاء نُمُو الوطن القومي ، لكى تُلَطِّف بذلك من شِدَّة مُقاومة العرب، فقد كانت النتيجة المباشرة لارتفاع مُعدَّل الهِجرة ، بعد تَوَلّى النازيين زِمام الحُكم ، ثورة قام بها العرب واستمرت ثلاث سنوات ونصف السنة ، إضطرَّ فيها اليهودى أنْ يَتدَرَّب على وسائل الدفاع ويَعتاد العيش كأحد الطلائع فى حِصْن مُسَلَّح. فالأسلاك الشائِكة العالية ، وأبراج الخفارة التى يَقوم على حِراسَتِها بوليس المُستعمَرات ليلَ نَهار ، تَلفِتُ نَظَر الزائر لدى دُنُوِّه من كل مُستعمَرة مُشترَكه ، وَهيَ رَمْزٌ ظاهر للموقف الحديث فى الحياة والسياسة الذى تَرَعرَعَ عند اليهود بين سنة ١٩٣٦ وسنة ١٩٣٨ “( أي إبان الثورة الوطنية الفلسطينية ) .
وقد أوردت اللجنة في ذات الفقرة ، ما صَرّحَ به لها أحد رجال المُستعمرات اليهودية في فلسطين ، وهو تصريحٌ ناطِقٌ بما فيه ، ويُعَبِّرُ تماماً عن تَطلعات مُستوطني ( مُسْتَعمِري ) فلسطين من اليهود الاوروبيين المهاجرين اليها :
” وكما قال أحد اليهود من رجال المُستَعمَرات الى أحد أعضاء اللجنة : ‘نحنُ طَليعة جيش عظيم نُدافع عن المواقع الأمامية الى أنْ تَصِل الإمدادات من أوروبا’ “.
أما عن الكتاب الأبيض لعام ١٩٣٠ الذي أصْدَرته الحكومة البريطانية والذي أشارت إليه اللجنة في الفَقَرة المُشار اليها أعلاه ، فقد صَدرَ إثر أحداث ” ثورة حائط البُراق ( الحائط الغربي للمسجد الاقصى ) ” التي اندلعتْ في العام ١٩٢٩ والتي احتجَّ فيها الشعب الفلسطيني على سياسات حكومة الإنتداب البريطاني على فلسطين التي أدَّتْ الى تزايد أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين وإلى السيطرة على أراضي الفلاحين الفلسطينيين وإلى تهيئة أحوال فلسطين بما يَخدم هدف تحويلها الى وطن قومي لليهود فيها .
أما أبرز ما جاء في الكتاب الابيض فقد تَمَثَّل في قيام السًّلطات البريطانية بفرض قيود أشد على الهجرة اليهودية وعلى بيع وانتقال الأراضي الى اليهود المُهاجربن الى فلسطين ، ورفض التفسير الواسع لوعد بلفور الذي كان يُستخدم لتبرير توسع غير محدود للهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين.
ومما يَجدر ذِكره أنَّ الوكالة اليهودية في فلسطين عارَضَتْ بشِدّة الكتاب الأبيض واعتبرته تراجعًا عن التزامات بريطانيا السابقة ، ولكن وبعد ضغوط سياسية صهيونية كبيرة، خَفَّفَ رئيس الوزراء البريطاني رامزي ماكدونالد من بعض القيود الواردة في الكتاب الأبيض ، وأرسلَ رسالة إلى حاييم وايزمان في العام ١٩٣١ تتضمن تراجعاً عن بعض تلك القيود ، وهو ما أثار استياء الشعب الفلسطيني .
في هذه اليومية ،سأكتفي بهذا القَدْر من المعلومات المُسْتَمَدّة من تقرير اللجنة .
وللحديث بقية
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٣ حزيران ٢٠٢٦