Menu Close

يومية الاربعاء الموافق ٣ حزيران ٢٠٢٦  – عَرْض  مُثير للجنة التحقيق الأنغلو-أميركية لمواقف اليهود الذين أدلوا بشهاداتهم أمامها في مطلع العام ١٩٤٦. 

في الفقرات ٨ و ٩ و ١٠ من الفصل الخامس ، تستطرد اللجنة في عرض مواقف اليهود وفق الشهادات التي تلقتها اللجنة من الزعامات اليهودية التي التقت بها ، وفيما يلي مقتطفات مما عرضته اللجنة في الفقرات المشار البها اعلاه ، ويمكن ان نلاحظ ان اللجنة استخدمت كثيرا في تقريرها عبارة ” الوطن القومي ” كناية عن “فلسطين ” كمُسَلَّمَة من المُسَلَّمَات  ، ونقلت ما اعتبرته ” مظالم اليهود المهاجرين الى فلسطين ” ومشاعرهم السلبية تجاه بريطانيا بصفتها الدولة المُنْتَدَبة على فلسطين التي كافئت الفلسطينيين – كما ورد على لسان الشهود اليهود الذين التقت بهم اللجنة – وما اسمته إرهابهم بإصدار الكتاب الابيض في ايار من العام ١٩٣٩ وخانت في ذات الوقت الصهيونية وقضية اليهود واحكام صك الانتداب التي قَضت بأن تُهيء بريطانيا فلسطين خلال فترة انتدابها عليها لتُصْبِح الوطن القومي لليهود ، والنصوص التالية من فقرات الفصل الخامس من التقرير تُعَبّر عن ذلك بوضوح : 

“٨- يَعتقد يهود فلسطين اعتقاداً جازماً بأنَّ سياسة العنف التى سار عليها العرب قد آتَتْ أكلها ، وخلال ثورة العرب إمْتَثَلَ اليهود فى الوطن القومي لأوامر زعمائهم رغم كل تَحَدٍ، وتَحَلّوا بضبط النفس لدرجة جديرة بالإعتبار . لقد أطلقوا الرصاص ، ولكن دِفاعا عن النفس ، ولمْ يَنتقموا من العرب إلا ما نَدَر. ويَقولون بمًرارة أنَّ جَزاء ضبط النفس هذا كان المؤتمر الذى عُقِد فى سنه ١٩٣٩ ، والكتاب الأبيض الذى صَدَرَ فى تلك السنة ، وهم يُحاجّون فى أنَّ الدولة المُنْتَدَيَة خَضعت للقوّة وخَفّضَت الهِجرة ، وسَبّبَتْ بذلك مَوْتَ أُلوف مًُؤلفة من اليهود فى غُرَف هِتلر الغازية.

أما العرب الذين التجئوا الى العنف فقد نالوا امتيازات جوهرية. بينما اليهود الذين وَضعوا ثِقَتهم فى الدولة المُنْتَدَبَة ، أُرْغًموا بقُبول ما يُعِدّونه نَكثاً لروح الانتداب ونَصّه .”

وفي الفقرة (٩) من الفصل الخامس من التقرير ، إعتبرتْ اللجنة أنَّ “الإرهاب اليهودي” ضد البريطانيين وضد الفلسطينيين العرب جاء نتيجةً طبيعيةً لما أسْمَته بـ ” الإرهاب العربي ” ، ونتيجةً كذلك لخيانة بريطانيا لقضية اليهود والتزاماتها بموجب أحكام صك  الإنتداب عبر إصدارها الكتاب الابيض في العام ١٩٣٩ مباشرة بعد نجاحها في إجهاض الثورة الوطنية الفلسطينية  الكبرى والتي امتدت بين عامي ١٩٣٦ و اواخر عام ١٩٣٨ ، وقيامها بموجب أحكام الكتاب المذكور بفرض قيود على هجرة اليهود الى فلسطين وعلى انتقال الاراضي الفلسطينية الى اليهود المُقيمين فيها ، وحَوْلَ ذلك ، كَتبتْ اللجنة في الفقرة المشار البها اعلاه – مع إبداء قَدْرٍ عالٍ من التّفهم والتعاطف مع الشهادات التي ادلى بها اليهود امامها– تقول : 

“٩ – وقد كانت النتيجة المُباشرة لنجاح الإرهاب العربي البدء فى إرهاب يهودى أكثر تنظيماً وخطورة ، اذ اشتمل على توحيد الصفوف ، وتنظيم مُحْكَم ، وتَشريب النفوس بوجه عام رُوحاً حَرْبية ، فأصبحتْ الوكالة اليهودية المقر السياسى لجيش وطني يَشعر بأنه قد يُدْعى للقتال فى كل لحظة دفاعاً عن كيانه. واليهودى فى فلسطين يَشعر بأنه مَحرومٌ من حُقوقه الطبيعية كما أنّه مَحرومٌ من حقوقه الشرعية سواء بسواء ، ولذلك أخذًَ إيمانه بالدولة المُنْتَدَبَة يَتزعزع ، ويَفقد ثِقته بها . وانتشر الاعتقاد الخَطِر بأنَّ العُنف لا الصّبر ، هو الوسيلة الضرورية لبلوغ العَدل. وقد تَقَوَّضَ شيئاً فشيئاً وَضع المُعتدلين الذين ألَحّوا بالاعتصام بضبط النفس والاعتماد على وعد بريطانيا ، وتَقَوّى تدريجياً موقف المُتطرفين التّواقين لاستعارة صفحة من كتاب العرب “

وأرى أنْ يَتَذَكّر قارىء اليومية وهو يَقرأ الإقتباسات المُقْتَطَفَة من التقرير أنَّ المادة المنْقولة في تلك المُقْتَطَفَات قد صاغتها اللجنة ونَقَلَتْ من خلالها الى الحكومتين البريطانية الامريكية  ما اعْتَبَرَته نتائج التحقيق الذي أَجْرَته ، وقالت عنه أنّه يَعْكِسُ مواقف اليهود حسب شهاداتهم التي أدلوا بها أمامها خلال الشهور الثلاثة الاولى من عام ١٩٤٦ ،ويُلاحظ في هذا الخصوص أنَّ اللجنة في تقريرها عَمَدَت على  تَذْكير الحكومتان المذكورتان أعلاه بمساهمة اليهود الكبيرة في المجهود الحربي للحلفاء في الحرب العالمية الثانية ، وهي المُساهمة التي وَصَفَتها اللجنة بأنها تَفوقُ كثيراً مُساهمة العرب الفلسطينيين لصالح الحلفاء في تلك الحرب .

أما الآن فدعونا نتمعن فيما كَتَبَته اللجنة في الفقرة (١٠) من الفصل الخامس من التقرير : 

“١٠ – ثم جاءت الحَرب ، وإذا غَضَضنا النّظر عن أقلية صغيرة من الإرهابيين ( وتَقصد اللجنة ؛ الارهابيين اليهود ) ، نَرى أنَّ الشًعب اليهودي قد ساهمَ فى المجهود الحربى أكثر مما ساهم فيه العرب الفلسطينيون ، ولكن ، عندما زال الخطر المباشر عن الشرق الاوسط ( اي خطر وقوع الشرق الاوسط بيد قوات المحور ) عاد الخِلاف القديم بين المُعتدلين ( اليهود) والمُتطرفين( اليهود)  الى الظّهور هور واشتدَّ الى درجة التًوَتُّر غير المُحتمَل بسبب الأنباء التى وردت من أُوروبا والفواجع التي وَقعتْ ، كحادثة الباخرة ستروما. وخلال مُدة الحرب تَدَرًبَ عَشَرات الألوف من اليهود على القتال ، إمّا فى الجيش البريطاني أو فى الحرس الأعلى الفلسطيني واشتركوا مع البريطانيين فى مُحاربة الفاشستية ، وكانوا ضد البريطانيين فى مُحاربتهم الكتاب الأبيض الذى شَعروا بأنه لم يكن غير عادل فحَسْب بل مُجرداً من الروح الانسانية ، إذْ يَحول دون تمكين الرجال والنساء والأولاد الذين يَحيقُ بهم خَطَر الموت فى ألمانيا النازية والبلاد التى تُسيطر عليها النازية فى أُوروبا من الهَرَب الى فلسطين ، ولما وَضَعَت الحرب أوزارها وتَقَلَّد العُمّال مقاليد الحُكم ( في بريطانيا )  بَقِيَ الكتاب الابيض نافِذٌ ، واليهود الذين تَوَقّعوا من الحكومة الجديدة تنفيذ برنامج حِزب العُمّال فيما يتعلق بالصهيونية تنفيذاً فورياً ، ثار ثائرهم عندما لم يَطْرَاً على السياسة أيّ تغيير، وبَلَغتْ المَرارة فى النفوس ذَرْوة جديدة من الشِّدة، وأصبح موقف المُعتدلين ( اليهود) حَرِجاً. وقد ذكرت الوكالة اليهودية صَراحةً أنَّ من العَبَث أنْ تُحاول ، بعد يوم النصر فى أوروبا ( أي بعد أيار ١٩٤٥ ) ، التعاون مع الدولة المُنْتَدَبة فى القَضاء على الأعمال غير المشروعة” .

ومما يَجدر التذكير به بأنَّ ما ورد في التقرير حول تدريب عشرات الألوف من اليهود ومشاركتهم في العمليات القتالية في أوروبا الى جانب قوات الحلفاء ، هُم أنفسهم الذين نَفَّذوا إبتداءً من شهر آذار ١٩٤٨ “الخطة دالت ” ، وهي خطة الوكالة اليهودية في فلسطين للتطهير العِرْقي للفلسطينيين من ديارهم في فلسطين والتي أفْضَتْ الى طَرْد وتَهجير أكثر من (٧٥٠،٠٠٠) فلسطيني وتدمير أكثر من ٤٠٠ قرية وبلدة وحَي سَكَني فلسطيني، واحتلال بيوت الفلسطينيين المطرودين من بيوتهم والاستيلاء على ممتلكاتهم الموجودة في (٧٨٪؜) من مساحة فلسطين الانتدابية ، وهي المساحة التي تشتمل على نصف المساحة المخصصة في قرار التقسيم للدولة العربية الفلسطينية ، [اي السيطرة على ٢٣٪؜ من مساحة فلسطين زيادة عن المساحة التي خصصها قرار التقسيم للدولة اليهودية والبالغة ( ٥٥٪؜)]. 

ورد في الفقرة (١٠) اعلاه الاشارة الى ” حادثة الباخرة ستروما ” . وقد لجئتُ الى “تشات جي بي تي” للحصول على معلومات حول تلك الحادثة ، ومنها عرفت ما يلي : 

بداية الاقتباس : 

“حادثة الباخرة ستروما (Struma) تُعد من أكثر المآسي البحرية المرتبطة بالهولوكوست والحرب العالمية الثانية مأساويةً وأقلها شهرة. وقعت في البحر الأسود يوم 24 فبراير/شباط 1942 عندما غرقت سفينة كانت تقل مئات اللاجئين اليهود الفارين من الاضطهاد النازي.  

خلفية الحادثة كانت ستروما سفينة قديمة ومتهالكة غادرت ميناء كونستانتسا في رومانيا في ديسمبر/كانون الأول 1941 وعلى متنها نحو 781 لاجئًا يهوديًا إضافة إلى طاقم من 10 أفراد. كان هدف الركاب الوصول إلى فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني هربًا من الاضطهاد المتزايد في رومانيا وأوروبا الشرقية.  لكن السفينة عانت من أعطال ميكانيكية خطيرة، ووصلت إلى إسطنبول بعد أيام قليلة فقط من إبحارها. هناك بقي الركاب عالقين لأكثر من عشرة أسابيع لأن السلطات التركية لم تسمح لهم بالنزول إلى البر، بينما رفضت السلطات البريطانية منح معظمهم تصاريح دخول إلى فلسطين وفق سياسة الهجرة السارية آنذاك. ماذا حدث؟ :

في 23 فبراير/شباط 1942، قامت السلطات التركية بسحب السفينة خارج مضيق البوسفور إلى البحر الأسود رغم أن محركها كان معطلاً، وتركتها تنجرف في البحر. وبعد ساعات قليلة، صباح 24 فبراير، أصابها طوربيد أطلقته الغواصة السوفيتية Shch-213 فغرقت بسرعة.  

عدد الضحايا

تشير الدراسات الحديثة إلى أن الكارثة أودت بحياة:

  • 781 لاجئًا يهوديًا
  • 10 من أفراد الطاقم.
  • ولم ينجُ سوى شخص واحد هو الشاب الروماني اليهودي David Stoliar، الذي كان يبلغ من العمر 19 عامًا آنذاك. “

نهاية الاقتباس 

ذَكّرتني هذه الحادثة بالجرائم التي اقترفها فاشيو الصهيونية في الكيان الصهيوني ( اسرائيل) – أحفاد ضحايا الهولوكوست – منذ العام ٢٠١٠ بحق النشطاء من احرار بلدان العالم المشاركون في اسطول الحرية للتضامن مع الفلسطينيين في قطاع غزة الفلسطيني ضحايا حملة الابادة الجماعية التي نفذها الكيان الصهيوني منذ السابع من تشرين الاول من العام ٢٠٢٣..!

إختَتَمتْ اللجنة الفصل الخامس عن موقف اليهود الذين أدلوا بشهاداتهم أمامها ، بالوصول الى الإستنتاج الخطير التالي : 

“١١ – لنْ يُقَيّض النجاح لأي قرار يُوضع بشأن مُستقبل فلسطين ، ولن يَتسنى تنفيذ أى قرار كهذا ما لم يَعترف إعترافا بالتّوق السياسي الشديد القائم بين يهود فلسطين والأسباب الداعية اليه.

وقد تَكرَّرَت النصيحة إلينا فى الشهادات التى أُدليَتْ أمامنا علناً وفى سياق محادثاتنا العديدة مع السياسيين والمواطنين العاديين ( اليهود المقيمين في فلسطين) بأنَّ استمرار الدولة المُنْتَدَبَة فى اتباع سياستها الحالية لن يُسْفِر إلا عن حالة حرب يُعاضد فيها المتطرفين جميع السكان اليهود تقريباً. وسَيُزَحْزَح المُعتدلون ( اليهود)  عن مراكزهم الرئيسية التى لا يزالون يَشغلونها. وعلى حد تعبير أحد زعماء اليهود «إننا جميعاً نَشعر بأنَّ أزمتنا الحالية في أُوروبا وفلسطين هى بمثابة(دنْكَرْك) لنا “. 

أما عن “حادثة دنْكَرْك ” ومَغزى الإستشهاد بها ، فقد عُدْتُ  الى ” غوغل ” ومنه عَرِفتُ ما يلي : 

بداية الاقتباس : 

“حادثة دنكرك (أو انسحاب دنكرك)، وتُعرف أيضاً بـ “عملية دينامو”، هي عملية إجلاء ضخمة لجنود الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وبلجيكا) خلال الحرب العالمية الثانية. وقعت بين 26 مايو و4 يونيو 1940، عندما حوصرت مئات الآلاف من القوات بواسطة الجيش الألماني المتقدم على شواطئ مدينة “دنكرك” الفرنسية. 

تفاصيل المعركة والإجلاء

  • الحدث الرئيسي: تقدمت القوات الألمانية النازية بسرعة وقطعت الطريق على قوات الحلفاء، مما أجبرهم على التراجع إلى الساحل الشمالي لفرنسا والتقوقع في ميناء “دنكرك”. 
  • التدخل المدني: عندما حوصرت القوات وأصبحت على وشك الإبادة، أمرت بريطانيا بتنفيذ عملية إنقاذ سريعة. ولأن السفن الحربية لم تستطع الاقتراب كثيراً من الشاطئ الضحل، هبّ مئات المدنيين البريطانيين بـ “أسطول صغير” مكون من قوارب صيد وسفن مدنية للمساعدة في نقل الجنود تحت غطاء من القصف الجوي.
  • الأرقام: تم إجلاء حوالي 338,226 جندياً (معظمهم من البريطانيين والفرنسيين) ونقلهم إلى بريطانيا العظمى. 
  • لماذا تُعد نقطة تحول؟ 
  • النجاح رغم الهزيمة: رغم أنها كانت هزيمة تكتيكية كبرى واضطر الجيش للتخلي عن كافة معداته وعتاده في فرنسا، إلا أن العملية اُعتبرت “معجزة” عسكرية؛ لأن إنقاذ هذا العدد الضخم من الجنود المدربين حافظ على العمود الفقري للجيش البريطاني، مما مكنهم من مواصلة الحرب. 
  • الخسائر: لم تكن العملية بلا ثمن؛ فقد قُتل أو أُسر ما يقدر بنحو 30 إلى 40 ألف جندي (معظمهم من الفرنسيين الذين قاتلوا لتغطية الانسحاب) ووقعوا في قبضة القوات الألمانية.” 

إنتهى الاقتباس 

أعتذر عن الإطالة . 

سأتناول ابتداء من اليومية القادمة ” موقف العرب ” كما عرضته لجنة التحقيق الأنغلو أميركية في تقريرها وهو بالتأكيد عَرْضٌ مُثير أيضاً. 

للحديث بقية 

عبد الرحمن البيطار 

هايدلبيرغ – ٣ حزيران ٢٠٢٦ 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *