هذا اليوم هو يوم عُطْلَة رَسْمِيّة في عدد من المُقاطَعات الألمانية ،ويَحتفل الألمان في هذا اليوم بـ” عيد خميس الجسد ” وهو طَقْس مَسيحي تَحتَفِل به الكنيسة اللاتينية وبعض الكنائس الأرثُوذِكسية الغربية واللوثرية والانجيلية، ويُخَلِّد القُدّاس في هذا اليوم ذكرى غَسْل المسيح لأقدام التلاميذ وتأسيس الكهنوت والعذاب .
وهذه هي أول يوميات الفصل السادس المُعَنْوَن ” مَوقف العَرَب ” من فُصول ” تقرير لجنة التحقيق الإنكليزية الأمريكية بشأن مشاكل يهود أوربا وفلسطين ” ، وهو الموقف الذي استخلصته اللجنة من الشهود العرب الذين التَقَتْ بهم وأدلوا بشهاداتهم أمامها ، وكما سَبَقَ أنْ ذَكًرنا ، فقد أصدرت لجنة التحقيق تقريرها في ٢٠ نيسان من العام ١٩٤٦ ، أي قبل ما يزيد عن ثمانين عاما بقليل، ورَفَعَته للحكومتين البريطانية والأمريكية .
وكنتُ قد تناولت في يوميات الأيام القليلة السابقة ” مَوقِف اليهود ” والذي خَصَّصَت له اللجنة الفصل الخامس من تقريرها .
الجو في هايدلبيرغ هذين اليومين بارِدٌ وماطِر .
وحول الشُّهود العرب الذين أدلوا بشهاداتهم أمام اللجنة تقول الفقرة (١) من التقرير:
“١- لقد اسْتَمَعَتْ اللجنة الى عَرْضٍ مُوجز للقضية العربية فى واشنطون ، وأصْغَتْ فى لندن إلى بيانات ممثلي الدول العربية لدى هيئة الأُمم المتحدة فى لندن ، وإلى بيانٍ آخر أوفى من قِبَل الأمين العام للجامعة العربية وسائر ممثلي الجامعة العربية فى القاهرة ، وإلى شُهود اللجنة العربية العليا ( في فلسطين – أي اللجنة التي شكلتها الاحزاب الفلسطينية في نيسان من العام ١٩٣٦ وقادت الثورة الوطنية الفلسطينية الكبرى ) ، والمكتب العربى فى القدس. وبالاضافة الى ذلك زارَتْ لُجان فِرْعية منها بغداد ، والرياض ، ودمشق وبيروت ، وعَمّان حيث أَلَمَّتْ بوجهات نظر الحكومات وبعض الشخصيات غير الرسمية.”
وسأورد في الفقرات التالية ( ٢ و ٣ و ٤ و،٥ و ٦) ما قدمته اللجنة في تقريرها حول فهمها لموقف العرب وكما يلي :
“٢- ان جوهر القضية العربية يقوم على أن فلسطين بلاد استوطنها العرب منذ أكثر من ألف سنة ، وعلى إنكار إدعاءات اليهود التاريخية ، ويُؤكد العرب أن الحكومة البريطانية ، عِنْدما أصْدَرَتْ ‘وعد بلفور’ ، وَهَبَتْ شيئاً لا تملكه بريطانيا ، وما فَتئوا يُحاجّون بأنَّ الإنتداب يُخالِف عَهًد عُصبة الأُمم ، الذى يَستمِدَّ الانتداب منه سُلْطته ، ويُنْكِر العرب أنّ الدور الذى قامت به بريطانيا لتحريرهم من الحكم التركى يُخولها حق التصرف ببلادهم* ، ويؤكدون ، فى الواقع ، أن الحكم التركى هو خير من الحكم البربطانى إنْ كان الحكم الاخير يستهدف إخضاعهم ، فى النهاية لليهود ، وهم يَعتبرون الانتداب إنهاكا لحقهم فى تقرير مصيرهم، إذْ أنه يلقى عليهم هِجرة لا يرغبون فيها ، ولا يستسيغونها فهى بمثابة غزو اليهود لفلسطين .”
“٣- ويُشير عرب فلسطين الى أن جميع الاقطار العربية المجاورة قد نالت الآن استقلالها ويُحَاجُّون بأنهم لا يَقِلّون تَقًَدُّماً عن جيرانهم ، مُواطني الدول العربية القريبة منهم ، ويَطلبون استقلال فلسطين الآن. وقد فَهِمَ عرب فلسطين أنَّ الوعود التى أُعطِيَت لهم باسم بريطانيا العظمى، والتأكيدات التى أُعطِيَتْ بشأن فلسطين للزعماء العرب من قَِبل الرئيسين روزفلت وترومان ، هى اعترافٌ بالمبدأ الذى يُبيحُ لهم التّمَتُّع بالحقوق ذاتها التى تَتمتع بها البلاد المُجاورة ، ويَتَّحِد المسيحيون العرب مع المسلمين في جميع هذه المُحاجّات ويَطلبونَ الاعتراف باستقلالهم فى الحال ، ويَودّون أنْ تَنْضَمَّ فلسطين الى الجامعة العربية كبلاد تحكم ذاتها بذاتها .”
“٤ – ويُعَلًّق العرب أهمية عُظمى على تنفيذ الوعود التى قَطَعتها بريطانيا العظمى على نفسها فى الكتاب الابيض الصادر سنة ١٩٣٩ ، وقد أشارَ الملك عبد العزيز ابن السعود فى حديثه مع ثلاثة من أعضاء اللجنة فى الرياض مِراراً الى هذه الوعود كما أشار الى التاكيدات التى أعطاها له الرئيس روزفلت عند اجتماعهما فى شهر شباط سنة ١٩٤٥ ، وأوضحَ جلالته بجلاء التوتر الذى يَلْحَق بصداقة العرب مع بريطانيا العظمى و أميركا من جَرّاء إتِّباعِ أية سياسة يَعتبرها العرب نَكْثاً لهده الوعود. وقد كَرَّرَ هذا التحذير أحد الشُّهود العرب فى فلسطين إذْ قال : ‘لقد أصبحت الصهيونية فى نَظَرِ العرب تَجربة لنوايا الغرب’ .”
“٥ – إنَّ الاقتراح القائل بإرجاء إقامة الحكم الذاتي فى فلسطين رَيثما يُصبح اليهود أكثرية يَلوحُ للعرب أنه اقتراح فظيع ، فَهُم يَودّون أن يكونوا سادة فى عُقْرِ دارهم. وقد عارضَ العرب فكرة الوطن القومي اليهودي ، حتى قَبْلَ صُدور برنامج بلتيمور ، والمطالبة بدولة يهودية. ومع ذلك فلا حاجة للقول أنَّ مُعارضتهم قد ازدادت شِدّة ومَرارة منذ إعلان البرنامج المذكور .”
“٦- ويُصِرُّ العرب على أنهم لم يكونوا قط لا ساميين ، بل هُم فى الواقع ، سامِيّون ، ويُبدى الناطقون باسم العرب أعظم العطف نحو اليهود المُضطهدين فى أُوروبا ، بَيْدَ أنهم يَقولون أنهم ليسوا بمسؤولين عن اضطهاد اليهود ، وأنه ليس من العدل أنْ يُكْرَه العرب على التكفير عن ذُنوب الشعوب الغربية بقبولهم فى بلادهم مئات الألوف من ضحايا اللاسامية الأُوروبية ، حتى أنَّ بعض العرب يُصَرِّحون أنهم قد يَميلون الى المُساهمة فى إيواء اللاجئين على أساس حُصص مُعيَّنة إذا قامت أميركا وجامعة الأمم البريطانية وسائر الدول الغربية بمثل ذلك.”
في الفقرات أعلاه ، أشارت اللجنة الى التعهدات التي قطعتها بريطانيا للعرب ( للشريف حسين ) عندما كان يفاوضها قبل اعلان الشريف الثورة العربية الكبرى على الحكم العثماني في ١٠ حزيران ١٩١٦، وحول ذلك ، قالت اللجنة :
“* لمْ نَرَ ضَرورة لبَحث الحُجَج التاريخية القائمة على التعهدات التي قَطَعَتها بريطانيا العظمى للشريف حسين وغَيْرِه فى الحرب الماضية ( الحرب العالمية الاولى ) ، تلك العهود التى فَسّرها العرب بأنّها تَنطوي ، فيما تَنطوي عليه ، على وَعْد بأنْ تُصْبِح فلسطين بلاداً عربية مُستقِلّة ، فهذه التعهدات وقد صَدَرَ أهمها قبل صُدور وعد بلفور ، هى جُزء جوهري من قضية العرب. وقد دَرَسَتها لُجنة عربية إنكليزية فى لندن فى شهر شباط سنة ١٩٣٩ ، ووَرَدَ تقرير هذه اللجنة مع بيانات العرب ووُجهة نَظر الحكومة البريطانية فى الكتاب الابيض رقم ٥٩٧٤ وطُبِعَتْ الوثائق التى كانت موضوع البحث والتمحيص في الوقت ذاته فى الكتاب الابيض رقم ٥٩٥٧ ورقم ٥٩٦٤ وقد صَدَرَتْ جَميع هذه الكتب في العام ١٩٣٩”
وأخيراً وقبل أن أُنهي هذه اليومية ، قلتُ لنفسي أني كنتُ أتساءلُ دَوْماً عن مَغزى تَسمية السياسات الرَّسمِيّة التي اعتمدتها الحكومة البريطانية أثناء فترة إنتدابها لفلسطين بـ ” الكتاب الابيض ” في كل مَرّة تعتمد فيها سياسات جديدة أو تُجَدِّدُ فيها السياسات القائمة ، ولم أجد أفضل من ” تشات جي بي تي ” للحصول على تفسير ، واليكم ما استلمته من ” تشات جي بي تي ” حول ذلك :
بداية الاقتباس :
“مصطلح “الكتاب الأبيض” (White Paper) لم يكن خاصًا بفلسطين، بل كان جزءًا من التقليد الإداري والسياسي البريطاني منذ القرن التاسع عشر.
في النظام الحكومي البريطاني، كان “الكتاب الأبيض” وثيقة رسمية تصدرها الحكومة لعرض سياسة أو توجه أو مقترح معين أمام البرلمان والرأي العام. وسُمّي “أبيض” لأن غلافه كان أبيض اللون، تمييزًا له عن أنواع أخرى من الوثائق الحكومية التي كانت تُعرف بألوان مختلفة.
لذلك عندما أصدرت الحكومة البريطانية وثائقها المتعلقة بفلسطين خلال فترة الانتداب، مثل:
- الكتاب الأبيض لتشرشل 1922
- الكتاب الأبيض لباسفيلد 1930
- الكتاب الأبيض لعام 1939
فهي لم تكن تقصد أي دلالة رمزية خاصة بفلسطين أو بالصراع هناك، وإنما كانت تستخدم التسمية البريطانية المعتادة للوثائق التي تعلن سياسة الحكومة.
أما من ناحية المغزى السياسي، فإن اختيار صيغة “كتاب أبيض” كان يعني عادة أن الحكومة وصلت إلى موقف أو سياسة تريد إعلانها رسميًا، بخلاف وثائق أخرى مثل “الكتاب الأخضر” (Green Paper) الذي يُستخدم غالبًا لطرح أفكار أولية للنقاش والتشاور قبل اعتماد سياسة نهائية.
في حالة فلسطين، اكتسبت “الكتب البيضاء” أهمية خاصة لأنها كانت تمثل محاولات بريطانية لإعادة تحديد التوازن بين:
- الالتزامات الواردة في وعد بلفور،
- مطالب الحركة الصهيونية،
- ومطالب السكان العرب في فلسطين.
لذلك أصبح مصطلح “الكتاب الأبيض” في الذاكرة التاريخية مرتبطًا بفلسطين، رغم أن أصله في الحقيقة إداري بريطاني عام وليس مصطلحًا أُنشئ لهذه القضية تحديدًا.
ومن الطريف أن الاسم لا يحمل في أصله أي معنى أيديولوجي أو أخلاقي؛ فـ”الأبيض” هنا يشير ببساطة إلى
لون غلاف الوثيقة الحكومية، تمامًا كما استُخدمت ألوان أخرى لتصنيف أنواع مختلفة من الأوراق والوثائق الرسمية في الإدارة البريطانية”
انتهي الاقتباس
وللحديث بقية
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٤ حزيران ٢٠٢٦