عَوْدٌ على بِدء، فإنني عِنْدما تناولتُ في يومية يوم أمس الجمعة ١٢ حزيران الفقرة السابعة من فقرات الفصل السادس من تقرير لجنة التحقيق الانكليزية الأميركية بشأن مشاكل يهود اوروبا وفلسطين الصادر في نيسان ١٩٤٦، فقد تناولت موضوع ” بيوع الاراضي ” في فلسطين لليهود المهاجرين اليها . وفي هذه اليومية سأتناول فقرتين أُخريين من فقرات الفصل السادس . ولنبدأ بالفقرتين الثامنة والتاسعة :
بداية الاقتباس
” ٨- وقَدْ هَبَّ عَرَب فلسطين للثّورة مِراراً وتِكراراً ، حِنْقاً على عدم الإكتراث الذى قُوبِلَ به اعتراضهم على الهِجْرة اليهودية ، ولا يَزال عَدَدٌ وافِرٌ منهم يَدينُ بالولاء لمُفتي القُدْس المُبْعَد ، وهُم راضونَ بخُطَطِه السياسة ، وقد لازمَ العرب الفلسطينيون بوجه الإجمال، خلال الحرب العالمية الثانيه ، الحِيادَ رُوحاً ، وعلى ما ذَكرَ السيد جمال الحسيني فى الشّهادة التى أَدّاها أمام اللجنة : <<لَمْ يَكُنْ المُفتي فى ألمانيا يَعْمَل ضد بريطانيا التى كانت تُحاربُ ألمانيا ، بل كان يَعمَل لصالحِ أُمَّتِه ، التي لمْ يَكُنْ لها على الأقل علاقة مُباشِرة فى الخِلاف النّاشِب بين ألمانيا وبريطانيا>> ، فقد شَعروا بأنَّ الحرب ليست حَرْبهم وأنَّ المُفتي كان مُحِقاً فى انتهاجِهِ السُّبُل التي تَهَيَّأتْ لَه لِخَيْرِ فلسطين ، بِقَطْعِ النَّظَر عَمَّنْ يَخْرُجَ مُنتصراً من الحرب”
“٩- ولَمْ يُلاقِ الكتاب الأبيض الصادر سنة ١٩٣٩ ، وتَقييد الهِجْرة اليهودية ، وما تَبِعَ ذلكَ من تَقييدٍ في بُيوع الأراضي لليهود إلا شيئاً من القُبول لدى العرب ، فقد كان بِوُدِّ العرب أنْ يَذهَبوا الى أبعد من ذلك ، فالمَطالب التي نادى بها زُعماؤهم هِيَ الإستقلال الفَوري ، ووَقف الهِجرة اليهوديه وقفاً تامّاً ، ومَنْع بَيْعِ جَميع أصناف الاراضي من العَرَب لليهود”
نهاية الاقتباس
من الفقرتين أعلاه ( ٨ و ٩) ، يَتَّضِح على نحوٍ جَلِيٍ أنَّ ” الهِجْرَة اليهودية ” الى فلسطين ، هي واحدة من أهمِّ مشاكل يهود أُوروبا وفلسطين . وقد أصبحت كذلك أحد أهم مشاكل الفلسطينيين العرب ، وتَأتِ مُطالبة الشعب العربي الفلسطيني بوقف هذه الهجرة ونضاله العنيد المتصاعد والمستمر لأجل تحقيق هذا الهدف لتُشَكِّل أكبر مشاكل يهود فلسطين وأُوروبا وذلك في الوقت الذي بدأت فيه لجنة التحقيق الانكليزية الأمريكية تأدية المهمة الموكولة إليها من قِبَل الحكومتين الانكليزية والأمريكية . فالشعب الفلسطيني أَخَذَ يُدْرِك مخاطر هذه الهجرة أكثر وأكثر وعلى الأخص منذ قيام الحكومة البريطانية في ٢ تشرين الثاني من العام ١٩١٧ بإصدار تَصريحٍ حكومي تَبَنّتْ فيه الدولة البريطانية على نَحوٍ رَسمي مُهِمّة تَهيئة أحوال فلسطين لتُصْبِحَ وطناً قومياً ليهود أُوروبا واليهود عموماً ونجاح قواتها في احتلال أجزاء كبيرة من فلسطين تتوجت في التاسع من كانون الاول من ذات العام (١٩١٧) بدخول مدينة القدس ، أي بعد نحو خمسة أسابيع فقط من تاريخ إصدارها للتصريح المذكور والمشؤوم والمعروف بـ ” وَعْد بَلْفورْ “.
وللتّعَرُّف على حجم المخاطر التي واجهت الشعب الفلسطيني منذ القرار الذي اتخذته سلطات الإحتلال / الإنتداب البريطاني على فلسطين في آب ١٩٢٠ بفتح أبواب فلسطين لاستقبال اليهود من مواطني البلدان الاوروبية وغيرها ، دعونا نَسْتَعرِض التطور الذي طرأ على أعداد اليهود المهاجرين الى فلسطين وعلى الأخص منذ الإحتلال البريطاني لكامل فلسطين والذي تحقق في أيلول من العام ١٩١٨.
١- في ٢٦ آب ١٩٢٠ ، أصدرَ المندوب السامي البريطاني هيربرت صاموئيل أول قانون رسمي يُنظم الهجرة إلى فلسطين، وبموجبه سَمحت سلطات الإحتلال/ الإنتداب البريطاني رسمياً بدخول حصة تقدر بـ (١٦،٥٠٠) مُهاجر يهودي سنوياً.
٢- في العام ١٩١٨، أي مع نَجاح القوات البريطانية في احتلال كامل أراضي فلسطين ، كان عدد اليهود المُقيمين في فلسطين يتراوح ما بين (٥٥،٠٠٠ و ٦٠،٠٠٠)مُسْتَعْمِر ، وقد هاجر ما يزيد عن نصف هؤلاء الى فلسطين بعد العام ١٨٨٠ من البلاد التي كانت تحكمها روسيا القيصرية . أمّا عدد سكان فلسطين أي الفلسطينيين العرب في العام ١٩١٨، فكان بحدود (٥٨٠،٠٠٠) نسمة .
كما كان قد بلغ عدد المُستعمَرات في فلسطين نحو (٥٠) مُستعمَرَة ( من مختلف الانواع : كيبوتز ، موشاف ..) تم إنشاءها إبان الحقبة الأخيرة من الحكم العثماني لفلسطين ما بين تاريخي ١٨٧٩ و ١٩١٨ .
٣- في ٢٤ تموز ١٩٢٢ ، إتّخذ مَجلس عُصبة الأُمم قراره بوضع فلسطين تحت الإنتداب البريطاني ،وقامت بريطانيا بإدارة إنتداب فلسطين ابتداء من ٢٩ أيلول ١٩٢٢ ،ودَخلَ صَكّ الانتداب حَيِّز التنفيذ في ٢٩ أيلول ١٩٢٣ عَقْب التصديق على معاهدة لوزان . وقد جاء في ديباجة صَكّ الانتداب المُقَر من مَجلس عُصبة الأُمم النّص التالي :
بداية الاقتباس
” بِما أنَّ القُوى المُتحالِفة الرئيسية قد وافَقَتْ، بهدف تفعيل أحكام المادة 22 من ميثاق عُصْبة الأُمم، على أنْ تَعهدَ إلى دولة مُنتدَبة تختارها القوى المذكورة بإدارة أراضي فلسطين، التي كانت تابعة سابقاً للإمبراطورية التركية، وذلك ضمن الحدود التي قد تحددها تلك القوى؛ و
بِما أنَّ القوى المُتحالِفة الرئيسية قد وافقتْ أيضاً على أنْ تكون الدولة المُنتدَبة مَسؤولة عن تنفيذ الإعلان الصادر في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 من قبل حكومة صاحب الجلالة البريطانية، والذي اعتمدته القوى المذكورة، لصالح إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، على أنْ يُفْهَم بوضوح أنّه لا يَنبغي فِعْل أي شيء من شأنه أنْ يَمِس الحقوق المدنية والدينية للجاليات غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو الحقوق والوضع السياسي الذي يَتَمَتّع به اليهود في أي بلد آخر؛ و
بِما أنّه قد تمَّ بذلك الإعتراف بالارتباط التاريخي للشعب اليهودي بفلسطين وبالأسباب التي تقوم عليها رُؤية إعادة بناء وطنهم القومي في تلك البلاد؛ و
بِما أنَّ القوى المُتحالِفة الرئيسية قد اختارتْ صاحب الجلالة البريطانية كدولة مُنتدَبة على فلسطين؛ و
بِما أنَّ صاحب الجلالة البريطانية قد قَبِلَ الانتداب على فلسطين وتَعهدَ بممارسته نيابة عن عُصْبة الأمم وفقاً للأحكام التالية؛”
ووردتْ في الصّك المواد التالية :
“المادة 2 تَتحمل الدولة المُنتدَبة مَسؤولية تهيئة البلاد تحت ظُروف سياسية وإدارية واقتصادية تَكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي، على النحو المذكور في الديباجة، وتَطوير مُؤسسات الحُكْم الذّاتي، وكذلك حِماية الحقوق المدنية والدينية لجميع سُكّان فلسطين، بغض النظر عن العِرْق والدين .
المادة 4 يُعترَف بـ “الوكالة اليهودية” كهيئة عامة لتقديم المَشورة والتعاون مع إدارة فلسطين في الأمور الاقتصادية والإجتماعية التي تُؤثر على إنشاء الوطن القومي اليهودي. وتُعتبَر المنظمة الصهيونية هذه الوكالة، على أنْ تَعمل على ضمان تعاون جميع اليهود الراغبين في المساعدة على إنشاء الوطن القومي اليهودي .
المادة 6 تُسَهِّل إدارة فلسطين الهجرة اليهودية تحت ظروف مناسبة، وتُشَجِّع، بالتعاون مع الوكالة اليهودية، على الاستيطان الكثيف لليهود على الأرض، بما في ذلك الأراضي الحكومية والأراضي البور غير اللازمة للأغراض العامة، مع ضَمان عدم المَساس بحقوق ومراكز الفئات الأُخرى من السكان .
المادة 7 تَتَحَمَّل إدارة فلسطين مَسؤولية سَنّ قانون للجنسية، يَتَضمَّن أحكاماً تَهْدِف إلى تسهيل حُصول اليهود الذين يَستقرون بشكل دائم في فلسطين على الجنسية الفلسطينية .”
نهاية الاقتباس
ومما يَجْدر ذِكره في هذا الخصوص أنَّ إستثناء شرق الاردن من الاحكام المتعلقة بالوطن القومي اليهودي في صَكِّ الانتداب على فلسطين ( خاصة المواد ٢ و ٤ و ٦ و ١١) قد تم تفعليه بموجب قرار اتخذه مجلس عُصْبة الأُمم في ١٦ أيلول من العام ١٩٢٢ بالاستناد الى المادة ٢٥ من صَكِّ الانتداب ، والتي جاءَ في مَتْنِ نَصّها ما يلي :
بداية الاقتباس
” في المناطق الواقعة بين نهر الأردن والحدود الشرقية لفلسطين… يَحِق للدولة المُنتدَبة… تأجيل أو منع تطبيق أحكام هذا الانتداب التي قد تراها غير قابلة للتطبيق على الظروف المحلية القائمة…”
نهاية الاقتباس
وبموجب هذه المادة تم فَصل إدارة شرق الأردن إدارياً، ومَنْع الإستيطان اليهودي شرق النهر.
وبناء على ما جاء أعلاه ، فإنَّ ما يُسَمّى بـ ” الادارة المدنية ” البريطانية لفلسطين يكون قد بدأت في الاول من تموز من العام ١٩٢٠ مع اتخاذ الحكومة البريطانية قرارها بتعيين هيربرت صموئيل مندوباً سامياً على فلسطين ، وقد استمر على رأس عمله حتى العام ١٩٢٥ أي الى نحو ثلاثة سنوات بعد بدء ما يُسَمّى بـ “الإنتداب القانوني” الذي استمرَّ ما بين عامي ١٩٢٢ و أيار ١٩٤٨.
٣- ومع بِدْء الإنتداب القانوني على فلسطين في أيلول من العام ١٩٢٣ ارتفعَ عدد اليهود في فلسطين بفعل الهجرة التي سَمحتْ بها سلطات الاحتلال / الانتداب البريطاني الى ما بين (٨٣،٠٠٠ و ٩٠،٠٠٠) مُسْتَعْمِر.
كما ازدادَ عدد المُستعمرات اليهودية في فلسطين الى ما بين (٧٣ و ٧٥) مستعمرة في العام ١٩٢٢، بمعنى أنّه عند إقرار مجلس عُصْبة الأُمم صَكّ الانتداب على فلسطين في أيلول من العام ١٩٢٢، يكون عدد المستعمرات في فلسطين قد ازداد بنسبة تقريبية قدرها (٥٠٪) عن عددها في العام ١٩١٨. أما عدد سكان فلسطين : الفلسطينيين العرب في العام ١٩٢٢ ، فكان حسب التعداد الرسمي الذي أجرته السلطات البريطانية في ذلك الوقت (٦٢٢،٢٠١) نسمة.
٤- مع اندلاع الثورة الوطنية الفلسطينية الكبرى في نيسان من العام ١٩٣٦ والتي كان أحد أهم مطالبها وَقْف الهجرة اليهودية الى فلسطين ونَيْل الاستقلال ، كان عدد اليهود في فلسطين قد ارتفع الى ما بين (٣٨٠،٠٠٠ و ٤٠٠،٠٠٠) مُسْتَعْمِر ، وكان أحد اكبر موجات الهجرة اليهودية الى فلسطين قد حَصلتْ بعد فَوُز الحزب النازي في الانتخابات الالمانية وتَوَلّي السُّلطة وتَنصيب أدولف هتلر في كانون الثاني من العام ١٩٣٣ مُستشاراً حاكماً لألمانيا . أمّا عدد سكان فلسطين أي الفلسطينيين العرب في العام ١٩٣٦ فكان قد بلغ (٩٥٦،٠٠٠) نسمة .
٥- ومع انقضاء العام ١٩٤٦ ، وهو العام الذي اصدرتْ فيه لُجنة التحقيق الانكليزية الاميركية تقريرها ( في نيسان ١٩٤٦ ، كان عدد اليهود في فلسطين قد ارتفعَ الى ما بين (٦٠٠،٠٠٠ و ٦١٠،٠٠٠) مُسْتَعْمِر في حين بلغ عدد سكان فلسطين أي الفلسطينيين العرب في العام ١٩٤٦ ( ١،٢٢١،٠٠٠) نسمة .
٦- وفي العام ١٩٤٨ ، ارتفعَ عدد اليهود في فلسطبن الى نحو (٦٥٠،٠٠٠) مُسْتَعْمِر في حين بلغَ تِعداد سكان فلسطين أي الفلسطينيين العرب في ذلك العام (١،٢٩٠،٠٠٠) نسمة .
الإحصاءات أعلاه مُستقاة من “چوچل ” و “تشات جي بي تي” و “ديب سيك”.
لمْ نَنتهي بَعْد من تناول فقرات الفصل السادس عن ” موقف العرب ” كما سَجَّلَته لجنة التحقيق الانكليزية الأميركية بشأن مشاكل يهود اووربا وفلسطين .
سأكتفي بهذا القَدْر لهذه اليومية لعدم الإطالة أكثر.
وللحديث بقية
عبد الرحمن البيطار
عمان ١٣ حزيران ٢٠٢٦