إسْتَكْمَلتْ لُجنة التحقيق الإنكليزية الأمريكية عَرْض ” مَوْقِف العَرَب ” مِنْ ” مَشاكل يَهود أُوروبا وفلسطين ” في الفقرات الأربعة التالية من الفصل السادس من تقريرها الذي أصْدَرَته في ٢٠ نيسان ١٩٤٦، والموقف الذي عَرَضته في هذا الفصل من تقريرها مَبني على الشّهادات التي أدلى بها الشّهود العرب أمامها في مَطلع عام ١٩٤٦. ( وهم مزيج من شخصيات وزعامات فلسطينية وأُخرى من البلدان العربية المحيطة بفلسطين ).
وكما يَتَّضِح من الفقرة رقم (١٠) أدناه ، فقد نَقَلَتْ اللجنة للحكومتين الانكليزية والأمريكية كيف كان ينظر العرب في مَطلع عام ١٩٤٦ لليهود المهاجرين الى فلسطين واعتبارهم ” غُزاة ” جاءوا من أوروبا، ويُمثلون “مَدَنِيّة غَريبة عنهم”، وقد غَزوا فلسطين ” بقوة السلاح “.
أمّا عن المُجتمع العربي الفلسطيني في مَطلع عام ١٩٤٦ ، فَتَصِفُه اللجنة في الفقرة العاشرة على أنّه مُجتمع مَدَني شِبْـه إقطاعي مَحكومٌ بتقاليد وعادات قَديمة لا تنتمي للعَصر ، ويُمَثِّل حَضارة ” تَقوم على أساس العَشيرة ” و الزَّعامة فيه ” مَحصورة في عَدَدٍ يسيرٍ من الأُسَر ذات النُّفوذ “، والفَلّاح في هذا المجتمع لا أُفْقَ أمَامه ، يُمارِس الزِّراعة وُفقَ ” أساليب تَقليدية ” لا أُفقَ لتطورها بسببِ نِظام مُلْكِيّة بالٍ للأرض ، وهذا المجتمع العربي الشرقي المُتَخَلِّف وَجَدَ نَفسه على حين غِرَّة يواجِهُ باختصار مُجْتَمعاً يهودياً أوروبياً مُتَمَدِّناً ومُعاصراً :
بداية الإقتباس
“١٠- إنَّ مِثْلَ هذا المُوجز المُجَرّد ، ليُصَوِّرَ تصويراً ناقصاً الشّعور الذي يُقاوم فيه عرب فلسطين والبلاد المُجاوِرة غَزْو فلسطين من قِبَلِ شَعْبٍِ ، وإنْ كانَ في الأصلِ سامِيّاً ، إلا أنّه يُمَثِّل الآن مَدَنِيّة غَريبة عَنهم ، حتى أنَّ مُسلمي الهند قد أبْدوا للجنة إعتراضَهم على الصهيونية.
لا يُشاهِدَ المَرْء فى فلسطين أَثَرَ الثقافة الأُوروبية فى الشّرق فحَسْب ، بَلْ طابِعَ عِلْمِ الغَرْب وفُنونه وصَنائِعه على المَدَنِيّة شِبْه الإقطاعية أيضاً ، ولا عَجَبَ إذا اغتاظَ العرب أشد الغيظ من هذا الغَزْو بقُوَّةِ السِّلاح. إنَّ الحضارة العربية في فلسطين تقوم على أساسِ العَشيرة ، والزعامة مَحصورة في عَدَدٍ يَسيرٍ من الأُسَر ذات النُّفوذ ، ويَكادُ يَتَعَذَّر على ابن الفلاح العربي أنْ يَرْتَفِعَ إلى وَضْعٍ تُوَفَّرُ فيه الثروة والنُّفوذ السياسي والزراعة العربية فى فلسطين تَتْبَع الأساليب التقليدية ويَحولُ دُونَ تَقَدُّمِها نِظامٌ بالٍ لمُلْكِيّةِ الارض ، والعربي شَديدُ التَّمَسُّكِ بدُستور إجتماعي بَعيدٌ كل البُعد عن عادات العالم الحَديث ، ويَهوله الإبداع فى اللباس والعادات التي تَبدو للمُهاجِر اليهودي أمراً طبيعياً . فارتداءِ المَرْأة اليهودية ثياباً قَصيرة تؤذي حِشْمَة العَرَبي ، وحُرِّيّة العلافات بين كلا الجنسين ، الذُّكور والإنات، والخُروج على حُدودِ الكمال كما يَفهمه العربي، يُخالِفُ نِظام الحياة التى نَشأَ عليها وتَرَعْرَع”
نهاية الاقتباس.
وعَنْ طَبيعة الصِّراع ، ومَوازين القُوى المُخْتَلّة على نحو صاعق لصالح الدولة التي احتَلّتْ جيوشها فلسطين ( بريطانيا) وكذلك لصالح اليهود الاوربيين الذين تَبَنًتْ هذه الدولة قَضيتهم ، وألقَتْ على نفسها عاتقَ تَهيئة أحوال فلسطين بعدَ أنْ عَزَلتها عن محيطها العربي -الذي الذي قامَتْ أيضاً بتجزئته واحتلاله – لتكون وطناً قومياً لهم ( أي لليهود الاوربيين وغيرهم ) ، تَصِفُ اللجنة في الفقرة رقم (١١) من فقرات الفصل السادس حالة الشّعور بالنَّقص وبالضَّعف والعجز التي تَوَلَّدَت لدى المُجتمع العربي الفلسطيني الذي خَرجَ في العام ١٩١٨ مِنْ وَطْأة حُكْم عُثماني تقليدي دام أربعة قرون كاملة ليَجِدَ نَفسه فَجأةً فَريسةً لقوى أوروبية مُتَقدمة ( بريطانيا وفرنسا ، ويهود أوروبيين غُزاة ) خَرَجَتْ مُنْتَصِرَة مِنْ أتونِ حربٍ عالميةٍ طاحِنَة احتَلَّتْ أرْضَه وعَزَلَته عن جيرانه بعد أنْ ألحَقَتْ الهزيمة بالإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكمه، أقول ، وَجدَ نفسه وحيداً [ اي المجتمع العربي الفلسطيني الذي لم يكن تعداد سكانه في العام ١٩١٨ ، أي عشية انقضاء الحرب العالمية الاولى، يتجاوز الـ (٥٨٠،٠٠٠) نسمة ]، في مواجهة قوى غَرْبِية( الدول الاوروبية والولايات المتحدة الامريكية ) بالغة القوة داعمة لليهود الاوربيين ومشروعهم الاستعماري الاستيطاني في فلسطين :
بداية الاقتباس
” ١١ – إنّ عَرَب فلسطين يَغْمُرْهُم شُعورٌ مُبْهمٌ بقُوِّة رأس المال الأُوروبي الذى يُمَثَّلُ فى السُّكّان اليهود ، فتَدَفُّقُ رُؤوس الأموال الغَرْبِيّة ، وشِراء الأدوات والأجهزة الزراعية والصناعية الحديثة يَخْلِقُ فى العرب شُعوراً بالنَّقص ، وإحساساً بأنهم يُجابِهون قُوّةٌ يَتَعَذَّرُ عليهم مُقاومتها ، ويَزيدُ في حِدّةِ هذا الشّعور إدراكهم بأنَّ القَضِيّة اليهودية مَفهومةٌ فَهْماً تاماً ومُصورةٌ تَصويراً كاملاً فى واشنطون ولندن، وأنّهم لا يَملِكونَ من الوسائل في عَرْضِ قَضِيّتهم أمام العالم الغربي ما يَصِحُّ مقارنته بالوسائل الفَعّالة التي يَمْلِكها اليهود، وقد استنكروا ، بصورة خاصة، المُقَرَّرات التى اتخذها مجلس النواب الاميركي، وحِزْب العُمّال البريطاني ، تأييداً لأماني الصهيونية ، ورغماً عن أنَّ للدول العَرَبية مُمَثِّلين سياسيين ، وخَمْسَ دُوَلٍ مِنْها تَنتمي لعُضوية هيئة الأُمم المتحدة ، فإنَّ عَرَب فلسطين لَيَشعرونَ بأنهم لمْ يَنجحوا في جَعْلِ قَضِيَّتِهم مَفهومةٌ مَسْمُوعة ، ففي البلاد الغَرْبِيّة كثيرٌ من المواطنين اليهود وعَدَدٌ قليل من المواطنين العَرَب ، والعَرَب أَقَلُّ إلماماً بوسائل الدعاية الحديثة من اليهود ، ويشعرون بأنَّ قَضِيَّتَهم يُفْصَلُ فيها ، ومَصيرهم تُقَرِّرُه قُوى خَفِيّة فى العالم الغربي لا يَفهمونَها ولا تَفهمهم.”
وفي الفقرتين ١٢ و ١٣ من الفصل السادس ، نَقَلَتْ اللجنة للحكومتين الانكليزية والأمريكية مواقف البلاد العربية المحيطة بفلسطين من المشروع الاستعماري للحركة الصهيونية المدعوم من قبل الدول الاوربية والولايات المتحدة الامريكية ، وهذه الدول العربية الخمسة وهي مصر والسعودية والعراق وسورية ولبنان، وإنْ كانت تَتمتع بعضوية منظمة الامم المتحدة إلا أنّ أغلبها لم يكن يتمتع بسيادة كاملة أو حرية مطلقة في اتخاذ قراراتها ؛ بل كانت سِيادتها مُقيدة بشكل كبير بمعاهدات واتفاقيات غير متكافئة ، فمصر والعراق كانتا تحت وطأة المعاهدات والوجود العسكري البريطاني ، بالاضافة الى امارة شرق الاردن التي لم تنل عضوية الامم المتحدة الا في كانون الاول من العام ١٩٥٥ ، وكانت في نيسان ١٩٤٦ مُقيدة بأحكام معاهدة تحالف جديدة مع بريطانيا تم توقيعها في ٢٢ اذار ١٩٤٦ جرى بموجبها الغاء معاهدة التحالف لعام ١٩٢٨ ، واعتراف بريطانيا باستقلال الامارة ، اما سوريا ، فقد انسحبت القوات الفرنسية من اراضيها في ١٧ نيسان ١٩٤٦، ومن لبنان في اواخر عام ١٩٤٦. اما السعودية فقد كانت الدولة العربية الوحيدة التي كانت تعتبر مستقلة وغير مقيدة بمعادات ووجود عسكري أجنبي على اراضيها ، ولكنها كانت ضعيفة كغيرها من الدول العربية الاخرى .اما مواقف هذه الدول ، من مشاكل بهود اوروبا وفلسطين ، كما نقلته اللجنة فهي كما يلي :
بداية الاقتباس
” ١٢-لقد اجتاحَتْ البلاد العَرَبِيّة منذ انتهاء الحرب العالمية الأُولى مَوْجَةٌ طاغيةٌ من الشّعور الوطني ، ويُساهم عَرَب فلسطين فى هذا الشُّعور ، ويُؤيدهم جَميع الدّول العربية تأبيداً وثيقاً فى طَلَبِهم الإستقلال والحُكم الذاتي. ولمْ يَسْتَرْعِ إنتباه الجامعة العربية مَوضوعٌ آخر أو يَعمل على تَضامُنِ أعضائها ، كقضية فلسطين”.
” ١٣ – لقد وَجَدَ أعضاء اللجنة الذينَ تَجَوَّلوا في الأقطار العربية المّجاوِرة أنَّ العَداء للصهيونية مُسْتَحْكِمٌ فيها ومُنْتَشِر ، شَأنه فى فلسطين ذاتها ، وقد تَلَقّوا من صاحب السُّمُو الوَصي على عَرْش العِراق نُسخة من كتابٍ كان قد أرْسَلَه إلى الرئيس روزفلت جاء فيه «أنَّ جميع الاقطار العربية…سَتَتَّحِد وتَكون يَداً واحِدَة ضِدّ أي خَطَرٍ قد يُواجِه عَرَب فلسطين» ، أَضِفْ إلى ذلك أنَّ حكومات الدُّوَل العَرَبِيّة المُجاوِرة تَعتقد أنَّ إقامة دَوْلة صهيونية فى فلسطين يَنطوي على خَطرٍ مُباشر عليها ، ويُعَرْقِل المساعي التي تُبذل لتوثيق إتحاد العرب ، وقال رئيس وفد سوريا فى الإجتماع العام لهيئة الأُمم المتحدة للجنة فى لندن أنَّ فلسطين فى أيدى غُرَباء تكون إسفيناً يَشُقُّ جِسْمِ العالم العربي في أَهَمِّ نُقْطَة حَيَوِيّة مِنْه» وأعربَ هذا الشّاهد أيضاً عن خَوْف العرب من أنْ تُصبِحَ أية دولة صهيونية مَيّالة حَتماً للتّوَسّع والاعتداء ، وتميلُ الى الإتفاق مع أيةِ دولة تَتْبع فى المُستقبل خُطّة مُعادِية للسياسة العربية. وكتب لنا يقول «إنَّ الشرق الاوسط قُطْر حيوي وفيه لجميع الدول العظمى مَصالح. ولن تقوم قائمة لدولة صهيونية فى فلسطين الا بمُعاضدة الدول الأجنبية ، وهذا لا يَعني نُشوء التوتر بين تلك الدول والدول العربية فحسب ، بل يعني أيضا إحتمال وُقوع سِلسلة من الحوادث الخطيرة ومُناورات ، قد يَنشأ عنها إحتكاك دولي شَديد الوطأة يحتمل أن ينتهى بنكبة» .
نهاية الاقتباس
من الفقرتين أعلاه ، يَتَضِح بِشَكلٍ جَلِيٍ بأنَّ اللجنة قد نَقلَتْ مخاوفها الى الحكومتين الانكليزية والامريكية بأنَّ المُضِي في عملية إنشاء “دولة صهيونية” في فلسطين ، سَيُؤدي الى توليد ظروف مُواجهة ليس فقط في فلسطين وإنما في المنطقة المحيطة بفلسطين أيضاً ، بما في ذلك إحتمال أنْ تَنتهي تلك المُواجهات بـ”نَكْبَة “.
وللحديث بقية
عبد الرحمن البيطار
عمان ١٦ حزيران ٢٠٢٦