عَرَّفَني عبد الله حمودة على الدكتور علي محافظة قبل نحو أربعة سنوات أو خمسة . وكنتُ قبل ذلك أُتابعُ ما يكتبه الدكتور من مقالات وما يَنْشره من كتب ،.. وكنتُ في كل مَرّة أقرأُ لَه أو أعرف عَنه ،.. كنتُ أُصبحُ أكثر إقتناعاً بأنني لستُ فقط أمام شخصية اُُردنية أكاديمية مُعَْتبَرة وإنما أيضاً أمام مُفَكِّر وباحث سياسي ذو موقف ورؤية إصلاحية ناقدة في الشأن الاردني وفي ذات الوقت حامل لمشروع فكري قومي عربي مُتَمَيِّز ..! ،.. وقد حَدّثنا في آخر لقاء معه وكان ذلك في بيته في الثالث من تشرين الاول ٢٠٢٦ أنًه منهمك في إعداد دراسة عميقة عن التحديات التي يواجهها المشروع القومي العربي في الرُّبع الثاني من القرن الحادي والعشرين،..!
كَتبَ عن الاردن وأبدع وتُمَثِّل كتبه ” تاريخ الأردن المعاصر: عهد الإمارة 1921–1946″ و”العلاقات الأردنية–البريطانية 1921–1957″ و” الفكر السياسي في الأردن 1916–1946″ و”أبحاث وآراء في تاريخ الأردن الحديث” و”المعارضة السياسية الأردنية في مئة عام ” و”الديمقراطية المقيّدة: حالة الأردن 1989–1999″ مراجع بالغة الاهمية لاغنى عنها للباحث في الشأن الاردني ، وكذلك للسياسي والناشط في العمل السياسي داخل الاردن المَعْنِي بالاصلاح الجذري للحياة السياسية وبإثراء وتحديث التجربة السياسية الاردنية .
وللدكتور محافظة كتب أُخرى مُهِمّة جِدّاً في “الحركة الفكرية في فلسطين وشرقي الأردن 1775–1925″، و في “الفكر السياسي في فلسطين 1918–1948” ، … وتناول كذلك في كُتُبٍ ومقالات عديدة له مسائل الوحدة العربية .
لا تَستهدِف هذه المُقدمة عن الدكتور علي محافظة تناول سيرة الدكتور ومَوقعه في حياتنا الثقافية والسياسية وإنتاجه الفكري ومُساهماته البحثية ،.. فذلك بالتأكيد أمر لا تَستطيع يومية قصيرة تغطيته ،..ولأن هذه اليومية ستتناول الكيفية التي تمَّ فيها تَصنيع ” وعد بلفور ” وعملية إخراجه أي التصريح الذي أصدره وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧ ، وذلك من خلال استعراض ما كتبه الدكتور علي محافظة عن هذه العملية في مَقاله الزاخر بالمعلومات المُثيرة والمُعنون ” صَدى تصريح بلفور في الأوساط اليهودية والعربية والعثمانية والدولية ١٩١٧- ١٩٢٠ ” ، وهو مقالٌ نُشِر في ٣١ تموز ٢٠١٨ في مجلة أسطور للدراسات التاريخية، الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا. ولأن ذكرى مرور مائة وتسع سنوات على تاريخ صدور هذا الوعد هِيَ على بُعْد أقل من ثلاثة أسابيع من تاريخ هذه اليومية ، فقد رأيتُ أنْ أمنحَ القارىء بعض المعلومات عن سيرة الدكتور علي محافظة ، لتُشَكِّل خَلفِيّة مُفيدة له قبل أن يَغوص في قراءتها .
لنَعُد الآن الى المقال المقصود:
بداية الاقتباس
” صدى تصريح بلفور في الأوساط اليهودية والعربية والعثمانية والدولية ١٩١٧-١٩٢٠
مقدمة
د. على محافظة
منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى في آب/ أغسطس ١٩١٤، إتَّخَذَتْ ‘ اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية ‘ مَقَرّها العام في برلين، وتَولّى رئاستها يهودي ألماني هو ‘ أُوتو فاربورغ ‘ Otto Warburg . وأَنْشَأَتْ لها مَكتباً في إسطنبول تَولّى رناسته ‘ ديفيد ياكبسون ‘ David Jacobson، ومَكتباً في لندن تولّى رناسته ‘ ناحوم سوكولوف ‘ Nahum Sokolow أَوَّل الأمر ثم حَلَّ مَحَلّه الدكتور ‘ حاييم وايزمان ‘ أُستاذ الكيمياء الصناعية في جامعة مانشستر Manchester ، ومَكتباً في نيويورك برناسة القاضي في المحكمة الأمريكية العليا ‘ لويس برنديز ‘ ، ومَكتباً في كوبنهاغن، باعتبارها عاصمة للدنمارك الدولة المحايدة في هذه الحرب، لتسهيل الأتصال بالممثلين الدبلوماسيين للدول المتحاربة.
وفي كانون الأول/ ديسمبر ١٩١٤، أعلنت ‘ اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية ‘ في اجتماع عَقَدَته في كوبنهاغن أنّها تَقِف على الحِياد من النِّزاع الدولي القائم. وكان هذا الإعلان مُجَرَّد مُناورة سياسية ترمي إلى إشعار الأطراف المتنازعة بأنّها لن تلتزم إلا بمَنْ سَيُقدم لها ما تَطْلُب من وُعود و عُهود(١).
وفي اجتماع ‘ المجلس الصهيوني العام ‘ الذي عُقِدَ في لاهاي في ١٩١٦/٣/٢٤، عَرَضَ الزعيم الصهيوني ‘ ديفيد ياكبسون ‘، لأول مرّة، موضوع إصدار تصريح من الحكومتين الألمانية والعثمانية يتضمن تعاطفهما مع الأماني الصهيونية في فلسطين، غيرَ أنَّ المجلس إعتبرَ هذا الاقتراح سابقاً لأوانه. والواقع أنَّ القيادة الصهيونية شَعَرتْ، بعد العرض الذي تقدمت به دولتا الوسط (ألمانيا والنَّمسا- هنغاريا) في ١٩١٦/١/١٢ لإبرام الصُّلح مع الحلفاء، أنَّ الوقت قد حانَ لاستصدار تَصريح من الحكومة الألمانية يُؤَيِّد الأطماع الصهيونية في فلسطين.
ولَمّا تَشَكَّلَتْ حُكومة عُثمانية جديدة برناسة ‘ طلعت باشا ‘ في مَطلع سنة ١٩١٧، سارعت ‘ اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية ‘ إلى الإتصال بوزارة الخارجية الألمانية، تَطْلب منها بذل المَساعي لدى الحكومة العثمانية الجديدة للحُصول على بيان مُؤيد للأماني الصهيونية. ولَمّا حُوِّلَ الطلب إلى السّفير الألماني في اسطنبول ‘ فون كيلمان ‘ Von Kuelman ، أعربَ عن تَحَفّظه عليه. وبَعثَ السفير برسالة الى المستشار الألماني ‘ بيتمان هولفيغ ‘ Bethmann- Hollweg في ١٩١٧/٣/٢٦ ، ذَكرَ فيها أنَّ صِلَةَ الصهيونية بيَهود العالم ضَعيفة، وأنَّ دورها في التّأثير على موقف الولايات المتحدة الأمريكية لم يَعُد له أية قيمة، بعد أنْ قَطَعَت علاقتها الدبلوماسية مع ألمانيا، ووَقَفتْ في صف الأعداء (٢) .
أمّا في بريطانيا فقد رَكَّزَ مكتب ‘ المنظمة الصهيونية ‘ في لندن برئاسة ‘ ناحوم سوكولوف ‘ منذ قُدومه إليها في أواخر سنة ١٩١٤ على وزارة الخارجية البريطانية التي رَفَضَتْ إستقباله، في حكومة ‘ هيربرت أسكويث ‘ Herbert Asquith، وكان يَتَوَلّاها إدوارد غراي Edward Grey. وبَرَّرَت وزارة الخارجية البريطانية مَوقفها بأنَّ لديها معلومات كافية عن الصهيونية، ولا تَرى حاجة للقاء بسوكولوف. وكانت حكومة أسكويث تضم يهوديين أولهما ‘ هيربرت صمونيل ‘ Herbert Samuel وهو صهيوني الميول، وابن خاله ‘ إدوين مونتاغو ‘ Edwin Montagu المُعارِض للحركة الصهيونية.
سَعى القادة الصهاينة في بريطانيا لدى القيادات السياسية والدبلوماسية والعسكرية البريطانية لكَسْبِها إلى جانبها وتَبَنّي المشروع الإستعماري الصهيوني في فلسطين.واستعملوا نُفوذ العُلماء والصَّحَفيين ورجال المال اليهود، ولَجأوا إلى مُختلف الأساليب والوسائل لكَسْبِهم. ولمّا تَولّى ‘ حاييم وايزمان ‘ قيادة حركتهم نَجحَ في مُهِمَّته، بعد أنْ تَعَرَّف على ‘ ديفد لويد جورج ‘ David Lioyd- George وزير المجهود الحربي في وزارة أسكويث، وأصبحَ مُستشاراً له في تصنيع مادة الأسيتون الضرورية لصناعة المُتَفَجرات في إيلول/ سبتمبر ١٩١٥. وعُيِّنَ أيضاً في وزارة البحرية التي كان يتولاها ‘ أرثر بلفور ‘ Arthur Balfour مُستشاراً. وأقامَ ‘ وايزمان ‘ علاقات وثيقة مع ‘ هيربرت صمونيل ‘ و ‘لويد جورج ‘ و ‘آرثر بلفور ‘ و ‘جيمس دوروتشيلد ‘ James de Rothchild الصَّيْرَفي البريطاني عُضو مجلس اللوردات و ‘ تش. ب. سكوت ‘ Ch. B. Scott رئيس تحرير صحيفة الجارديان The Guardian ، ومارك سايكس Mark Sykes الوزير الجديد في حكومة لويد جورج ، وكسبهم لمساندة الحركة الصهيونية وتَبَنّي مَشروعها الاستعماري في فلسطين (٣). “
————————————————————-
(١) على محافظة، العلاقات الألمانية. الفلسطينية ١٩٤٥ -١٨٤١، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،
نهاية الاقتباس
(٢) المرجع نفسه ، ص ١٦١- ١٦٩ .
(٣)
Leonard Stein, The Balfour Declaratio,
Jerusalem, London, The Magnes Press, The Hebrew University, The Jewish Chronicle, 1961, pp. 117- 120,
127- 128, 131, 137, 147, 153- 156.
***********
نهاية الاقتباس
لأهمية المقال ومعلوماته المفيدة ، فسأتناول في اليوميات القادمة باقي ما ورد فيه ..
وللحديث بقية
عبد الرحمن البيطار
عمان في ١٦ تشرين الاول ٢٠٢٦