نَلتَقي بين يومٍ وآخر وباستمرار ، ونَنْغَمِسُ في نقاشات تتناول قضايا المنطقة ، وقد تَعَوَّدنا منذ فترة أنْ نُشارِكَ “تشات جي بي تي” في نقاشاتنا ،.. !
تِلْكَ نقاشاتٌ أتشارك فيها النِّقاش مع الصديق خالد رمضان .
مساء السبت الموافق ١٧ تشرين الاول ٢٠٢٦ ، كان نقاشنا فَلسَفِيّاً ونَفْسِيّاً وفِكرِيّاً بحتاً ، وقد دار حول ثلاثة من المفكرين التاريخيين الذين تركوا أثرا مُتَمَيِّزاً في عالم الفكر الانساني ؛ الأول هو الفيلسوف الصيني تشوانغ نسي الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد تقريباً، والثاني هو الاستراتيجي العسكري الصيني سون تزو الذي عاش خلال القرن السادس أو الخامس قبل الميلاد، أمّا الثالث ، فهو الباحِث والمُحَلِّل النَّفسي النَّمساوي الشهير فرويد الذي وُلِدَ في مدينة بريبور في جُمهمورية التشبك عام ١٨٥٦ وتُوُفِّيَ في لندن في عام ١٩٣٩ .
في ذلك النِّقاش ، تَوَصّلنا الى نَتائجٍ مَفادها أنَّ فلسفة ‘تشوانغ تسي’ تُساعدنا على طَرْح السؤال التالي : هل أفهمُ الحقيقة، أمْ أنني أَسيرُ مَنظوري الخاص؟
أما السؤال الذي يُساعدنا ‘فرويد’ عبر أبحاثه وتحليلاته في عالم النفس على طَرْحِه فهو : هل أعرفُ الدّوافع الحقيقية التي تُحَرُّكني؟
ومَع أَنَّ ‘سون تزو’ إستراتيجي عَسكري مِنَ الطِّراز الأوّل ، فإنَّ ما طَرَحَه من أفكار وقواعد ، فإنَّ تطبيقاتها لا تنحسر في عالمِ الحُروب فَحَسْب وإنما تَنْسَحِبُ على كافة مجالات حياة الإنسان وبالتالي ،فإنَّ السّؤال الذي يَدعونا ‘سون تزو’ إلى طَرْحِه فهو : هل أفهمُ المَوقِفَ جَيِّداً، أم أنَّ غُروري يَدفعني إلى مَعْرَكة خاسِرَة؟
وقد انتهينا في ذلك اللقاء مُرَكِّزينَ الحَديث على كتاب ‘سون تزو’ الشّهير ” فَنِّ الحَرْب ” والذي يُعتَبَر من أشهر النصوص الاستراتيجية في التاريخ وقد امْتَدَّ تأثير أفكاره التي وَضَعها عن الحروب إلى السياسة والتفاوض والإدارة والتفكير الاستراتيجي.
قبل ان ننتقل الى ورقة الدكتور علي فحافظة عن بلفور وتصريحه المشهور ، دعونا نتأمل في أهم مبادىء ‘سون تزو ‘ التي تناولها في كتابه :
أوَّل المبادىء هو ما نحتاج اليه في هذا الوقت بالتحديد حيث تنفجر بين بلدان إقليمنا حروب ليست حروبنا ، وهو مبدأ لِسانُ حاله يقول : “أفضل انتصار هو الذي لا يحتاج إلى معركة”
وحول ذلك يرى سون تزو أنَّ تدمير الخَصم ليس دائماً أفضل نتيجة؛ فقد تحقق هدفك بجعله يتراجع، أو بإقناعه بأن مواصلة الصراع لا تخدم مصالحه.
أمّا المبدأ الثاني ، فهو يقول “اعرف نفسك واعرف خصم” ، بمعنى أنَّ مَعرفة الذّات لا تَعني تِعْدادَ نُقاط قُوّتك فقط؛ بل تَعني أنْ تَعْرِفَ أيضاً مَواطنَ ضَعفك، وانفعالاتك، وما الذي يدفعك إلى اتخاذ قرارات متسرعة كما أنَّ مَعرفة الخصم لا تعني كراهيته، بل فهم أهدافه ومخاوفه وحدود قدرته.
ويَنْصَحَكََ المبدأ الثالث بالقول ؛ “لا تدخل كل معركة” وبخصوص هذا المبدأ فإنَّ ‘سون تزو’ يُذَكِّرنا بأنَّ الظروف تَتغير، وأنَّ التوقيت قد يكون أهم من القوة نفسها.
ونأتِ الآن إلى المبدأ الرابع والذي يخاطبنا فيه ‘ سون تزو’ بالقول ؛ “كن مرناً ولا تتعلق بخطة واحدة” بمعنى أَنَّ الاستراتيجية ينبغي أن تتكيف مع الظروف. فالماء يتخذ شكل الإناء الذي يحتويه، ويتغير مساره بحسب الأرض التي يجري فيها. وبالمثل، يحتاج القائد إلى تعديل خطته حين تتغير الوقائع.
الحديث عن ‘سون تزو’ وأفكاره يَطول ، ولكن أهم ما يَنبغي مُلاحظته عن ” سون تزو” كما تَنْقُله إلينا ” تشات جي بي تي ” في اشتباكنا الحواري معها أنه يبني استراتيجيته على ملاحظة دقيقة للسلوك البشري.فالإنسان قد يَغْتَرَّ بقُوَّتِه، ويَخاف من المجهول، ويَستعجل النتائج، ويَنخدع بالمظاهر، ويَتخذ قراراته تحت تأثير الغَضَب أو الكبرياء.ولهذا فإنَّ القائد الجَيِّد ليس من يَمْلك القُوّة فحَسْب ( كنتنياهو أو ترامب هذه الأيام ) ، بَلْ مَنْ يَستطيع ضَبْط نَفْسه وقِراءَة المَوْقف من دون أنْ تَحْكُمه إنفعالاته.
لنستأنف الآن ما بَدأناه في اليومية السابقة ، ونَمضي في عرض ما قدمه الدكتور المؤرخ علي محافظة في مقاله القَيِّم والشّائق والزاخر بالمعلومات ؛ “صَدى تصريح بلفور في الأوساط اليهودية والعربية والعثمانية والدولية ١٩١٧-١٩٢٠”
بداية الاقتباس
“” السّعَي الحَثيث لإصدار تَصريح بلفور :
إستقالَتْ حُكومة أسكويث وتَشَكَّلَتْ حُكومة جديدة برناسة ديفد لويد جورج في ١٩١٦/١٢/٥، وعُيِّنَ آرثر بلفور المُتَعاطف مع الحركة الصهيونية وزيراً للخارجية. قال بلفور لهارولد نيكلسون من كِبار مُوظّفي وزارته: “اليهود أكثر أجناس البَشَرِيّة مََوْهِبَة منذ اليونان في القرن الخامس، فقد نُفوا وتَشَرَّدوا واضْطُهِدوا. إذا استطعنا إيجادَ مَلاذٍ لهم ووطن آمِن في بلادهم، عِندَها سَتَتَفَتّح عَبقريتهم وتُزْهِر وتَنتشر. سَيَجِدُ يهود الغيتوات في أوروبا الشرقية المْضْطَهدون حياة جديدة في فلسطين، وسَيُطَوِّرون لهم هََوِيّة جَديدة وقَوِيّة. وسيَجعل اليهودي المُتعلم القادم من جميع أنحاء العالم من جامعة القدس مَرْكَزَاً للحياة الثقافية ورعاية مُشِعّة للعلوم والفنون”(٤).
بعد إبرام إتفاق سايكس- بيكو بين الحكومتين البريطانية والفرنسية في ١٩١٦/٥/١٦ لاقتسام مَنطقة الهلال الخصيب العربية بينهما، بَذَلَ مارك سايكس جُهْدَه لمُساعدة الحركة الصهيونية. وباعتباره كاثوليكياً مُخلصاً لكنيسته، سعى في ربيع سنة ١٩١٧ إلى إقناع البابا والسُّلطات البابوية في روما للتعاطف مع الحركة الصهيونية. ومن روما سافرَ سايكس إلى فلسطين لإقناع المسؤولين في رهبنة الفرنسيسكان وبطريرك اللاتين في القدس بالتعاون مع الحركة الصهيونية.
كان أمام بلفور في ١٩١٧/٦/١٣ مُذَكَّرة من إعداد أحد مُستشاريه يَقترح فيها أنّه حان الوقت لتلبية أماني الصهيونية، وتقديم تأكيدٍ لهم بأنَّ حكومة جلالته في تَعاطف تام مع أمانيهم. وفي هذه الأثناء إلتقى وايزمان مع السفير الأمريكي لدى الدولة العثمانية هنري مورغينتاو في جبل طارق في نهاية حزيران/ يونيو ١٩١٧، بناءً على طلب وزير الخارجية الأمريكي روبرت لانسينغ لرَبطِ الصهيونيين بجُهود التسوية التي يقوم بها في أوساط الحكومة العثمانية(٥). ولمْ يَعُد وايزمان إلى لندن إلا في ١٩١٧/٧/٢٢.
وأثناء غياب وايزمان تَعَذَّرَ إعداد صيغة صهيونية لتصريح الحكومة البريطانية بشأن الأماني الصهيونية ليُقَدَّم إلى بلفور. وكان وايزمان قد اتفق مع لورد روتشيلد، قبل مغادرته لندن، أنْ تبدأ الخطوة الأولى من قبل وايزمان وروتشيلد، بحيث يقترح روتشيلد الصِّيغة أو الصِّيَغ التي تُقَدَّم إليه لبَيان رَأيه فيها، ثم ترسل هذه الصيغة إلى بلفور الذي سيعرضها بدوره على مجلس الحرب البريطاني
للموافقة عليها، وإعادة الصيغة الموافق عليها من مجلس الحرب الى بلفور الذي سيرسلها في رسالة موجهة إلى لورد روتشيلد.
تلقى بلفور الصيغة التي أقرها روتشيلد في ١٩١٧/٧/١٨ وهي:
“عزيزي السيد بلفور ،
وأخيراً أستطيع أنْ أرسل إليك الصيغة التي طَلَبتها مني. إذا كانت حكومة جلالته سترسل إليَّ رسالة وفق خطوط هذه الصيغة. وإذا كانت كذلك، وأنتَ توافق عليها، سَأُرْسِلُها إلى الاتحاد الصهيوني لإعلانها في اجتماع يُعقَد لهذه الغاية. آسف أنْ أقولَ إنَّ خُصومنا بَدأوا حَمْلتهم علينا بمُناوَرة كثيفة جداً، أي بإثارة التشويش، وعَداء اليهود البريطانيين لليهود الأجانب. لقد بَدَأوا ذلك يوم الأحد الفائت حينما تَحَدّوا في مجلس المندوبين الذين إنْتُخِبوا حَديثاً، إنْ كانوا جَميعاً من مَواليد بريطانيا (وأنا منهم).
المخلص روتشيلد (٦)
مُسَوَّدِة التّصريح:
- تَقبل حكومة جلالته المبدأ بوجوبِ جَعْل فلسطين وَطَنَاً قَوْمِيّاً للشعب اليهودي.
- سَوفَ تَبْذل حُكومة جلالته أقصى جهودها لضمان تحقيق هذا الهدف، وسَوف تبحث في الأساليب والطُّرُق الضرورية لتحقيق ذلك مع المنظمة الصهيونية.”
مَرَّت ثلاثة أشْهُر على النَّظَر في هذه المُسَوَّدَة التي عُدِّلَتْ بصورة جَذرية في
تصريح بلفور.
عُمِّمَتْ رسالة روتشيلد ومُسَوَّدِة التصريح المُرْفَقة بها على الوزراء البريطانيين المَعْنِيّين في بداية أب/ أغسطس ١٩١٧. ونَظرَ مَجلس الحرب فيها في ١٩١٧/٩/٣، وأَقَرَّ مجلس الحرب صيغة تصريح بلفور التي أَعَدَّها وزير المالية ألفريد ميلنر Alfred Milner، في اجتماع المجلس في ١٩١٧/١٠/٣١. وَفُوِّضَ بلفور بإبلاغها إلى روتشيلد في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩١٧. وفيما يلي نص تصريح بلفور والرسالة المُرْفَقَة به:
“عزيزي لورد روتشيلد،
يَسُرُّني جِدّاً أنْ أنقُلَ إليكم، نِيابَةً عن حكومة جلالته، التّصريح التالي الذي يتضمن التعاطف مع الأماني اليهودية الصهيونية الذي قُدِّمَ إلى مَجلس الحرب وأَقَرَّه.
“تنظر حكومة جلالته بعَيْنِ العَطف إلى إقامة وَطَن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وبَذْلِ خَيْرً مَساعيها لتَحقيقِه، شَريطة أنْ يكون مَفهوماً عَدَم إلحاق الضّرر بالحقوق المَدَنية والدينية للطّوائف غير اليهودية في فلسطين، أو بالحُقوق التي يَتَمَتّع بها اليهود في البلدان الأخرى وبوَضْعِهم السِّياسي فيها.
وأكونُ مُمْتَنّا لو أَبلغْتُم هذا التّصريح إلى الإتحاد الصّهيوني.
باحترام
أرثر جيمس بلفور
١٩١٧/١١/٢ ”
نُشِرَ تَصريح بلفور هذا في الصُّحُف البريطانية في ١٩١٧/١١/٩. واحتفَلَ الصّهاينة اليهود والبريطانيون من أنصارهم في دار الأُوبِرا بلندن في ١٩١٧/١٢/٢. وجَلسَ على المَنَصَّة الوزير السابق هيربرت صمونيل ومُساعد وزير الخارجية البريطاني روبرت سيسل ومساعد وزير الحرب السير مارك سايكس، واللورد جيمس روتشيلد وحاييم وايزمان وناحوم سوكولوف.
شَكَر َروتشيلد الحكومة البريطانية وقال: “نَلتقي في أهمِّ مناسبة في تاريخ اليهود في السنوات الألف والثماني مِئَة الأخيرة. نَحنُ هُنا لنشكر حكومة جلالة الملك على التّصريح الذي يُؤَشِّرُ إلى مَرحلةٍ جديدة وعَهدٍ جديد. فلأول مَرّة، مُنذُ الشّتات، تلقى الشعب اليهودي إستعادَة مَكانته الخاصة به بتَصريحٍ من إحدى الدُّوَل الكبرى”.
وتَحَدّثَ بَقِيّة الصّهاينة وأنصارهم في هذا الاحتفال، وتبادلوا التهائي(٨).
لقد ساهَمَتْ في إصدارِ هذا التّصريح المُنَظّمة الصهيونية العالمية بمُختلفِ فُروعها ومَكاتبها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقد بَيَّنَ المؤرخ البريطاني جوناثان شنير في كتابه “تصريح بلفور: جذور الصراع العربي الإسرائيلي ”
(The Balfour Declaration: The Origins of Arab)
بالتفاصيل الدقيقة الجهود التي بَذَلها الصّهاينة لدى الوزراء ورئيس الوزراء البريطانيين مُنذ سنة ١٩٠٤ وحتى صُدور تَصريح بلغور. كما أوضح دور الولايات المتحدة الأمريكية في الضَّغط على الحكومة البريطانية لإصدار التّصريح. “”
—————————————————————(٤) Ibid., p. 157
(٥) جوني منصور، منوية تصريح بلفور (٢٠١٧ -١٩١٧): تاسيس لدولة وتأشيرة لاقتلاع شعب، بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ٢٠١٨ ص ١٦٢
(٦) Leonard Stein, op. cit., pp. 462, 465, 470
Ibid., pp. 471-473, 484, 521, 548- 549. (٧) Jonathan Schneer, The Balfour Declaration: The Origins of Arab- Israeli Conflict, London, Bloomsbury Publishing ,PP. 335,341.
وجوني منصور ، مئويتصريح بلفور ، ص ١٩٩
(٨) Jonathan Schneer, op, cit., p. xxxvii
انتهى الاقتباس
وللحديث بقبة .
عبد الرحمن البيطار
الاربعاء ٢١ تشرين الاول ٢٠٢٦