Menu Close

في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، قبل عام من هذا البوم ، نسيتُ أني مريض ، وكتبتُ هذه الرسالة الى والدي

الخميس الموافق ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧

إشتقتُ الى والدي الذي غادرنا في ١٥ أيلول ١٩٨٥.

اليوم ، يُصادف ذكرى ميلاده .

مِنْ عَلى سَريري في مُستشفى جامعة هايدلبيرغ ، قَرَّرْتُ في هذا اليوم ( الخميس ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧) أنْ أَكتُب َ رِسالة اليه.

الى والدي وهيب البيطار – أبو العَبِد ، وذلك بمُناسبة مرور عام ومائة عام على إبصاره النور في مدينة نابلس ، والتي كانت في ذلك الحين إحدى مُدُن فلسطين في بلاد الشام، وكذلك جُزْءاً من أراضي الإمبرطورية العثمانية .

حينَ أَبْصَرَ والِدي النُّور ، كانت ثورة الشريف حسين بن علي على الأتراك قد بلغت من العمر مائةٌ وستٌ وستونَ يوماً فَقَط.

كان العالَم لا زالَ في ذلِكَ الوقت مَسْرَحاً لحرب ٍ عالمية ضَروس إنْدَلَعَت في أوروبا قبل اكثر من عامين ( في ٢٨ تموز ١٩١٤) ، وامتد لَهيبَها ليَشمل أصقاعاً واسعةً أيضاً في آسيا وفي بِِِحار العالم ومُحيطاته.

كان أبناء بلاد الشام يُساقُونَ في تلك الحرب للقتال إلى جانب الأتراك في بلاد البَلْقان والقُوقاز ، وفِي شبه جزيرة القِرِم ، وفِي جَبهات قتالٍ أُخرى ، في حربٍ ليست حَرْبِهم، ولأهداف حددها قادة الحركة القومية الطورانية ، وعلى رأسها إنتهاج سياسة ” تتريك ” البلاد التي كانوا لا يزالون ، في ذلك الوقت ، يُسيطرون عليها ، وهي سياسة عملوا على تحقيقها منذ أن تَمَكّنوا من السيطرة على الدولة العثمانية في إنقلابهم على سُلطانها (السلطان عبد الحميد ) في العام ١٩٠٨.

كان إعلان الشريف حسين الثورة على الأتراك في ذلك الوقت أول تجسيدٍ مادي لأماني وتطلعات شعوب جزيرة العرب وبلاد الشام وبلاد الرافدين نحو الإستقلال ، ومحاولة لبناء دولة عربية قومية عصرية ، وتحقيق التقدم والعمران لتحتل موقعها في العالم الحديث.

يا والدي

نَعَم ، لقد إسْتَفَزّت سياسات التتريك المشاعر القومية العربية ، وكذلك الكُردية ايضاً ، وشَجَّعَت الشريف حسين على تعميق إتصالاته مع بريطانيا ، وسَعى الى كَسْبِ تأييدها لمشروع دولته الواحدة والتي أعلن الشريف حسين في رسالته الى السير هنري ماكماهون أنها سَتُقام ضِمْن حُدودٍ تمتد من ” مرسين – أضنة حتى الخليج الفارسي شمالاً ، ومن بلاد فارس حتى خليج البصرة شرقاً ، ومن المحيط الهندي للجزيرة جنوباً – يُستثنى من ذلك عَدَن التي تَبْقى كما هي – ومن البحر الأحمر والبحر المتوسط حتى سينا غرباً ” ” على أن تُوافِق إنكلترا أيضاً على إعلان خليفة عربي على المسلمين ” ، وذلك حَسبما جاء في رسالة الشريف حسين الى السير هنري ماكماهون والمُتَرّخة في ١٤ تموز ١٩١٥ .

لَمْ يَكُن مَشروع بِناء تلك الدولة التي سعى الشريف لإقامتها تتويجاً لتطور إقتصادي إجتماعي لشعوب المنطقة التي حَدَّدَ الشّريف نِطاقها مكاناً لإقامة دولته .

لَم تكن الحركة القومية العربية قد نَضَجت بعد ، ولَم تكن قد أرست أُسساً مادية صلبة تنطلق منها لتحقيق مشروعها .

كان المشروع القومي العربي في ذلك الوقت يَميل أكثر لأن يكون رد فعلٍ لسياسات التتريك التي انتهجتها حركة تركيا الفتاة او الإتحاد والتَّرَقي الطورانية .

لم يُشْبِه المشروع الذي أطْلَقَ الشريف حسين عَنانَه من مَكّة في شِبه الجزيرة العربية، في العاشر من حزيران ١٩١٦ ، إنطلاق شَرارِة الحركات القومية الأوروبية في أواخر القرن الثامن عشر ، مع إندلاع الثورة الفرنسة في العام ١٧٨٩ وبعدها ، وإنما ، وكما قُلتُ آنفاً ، فقد جاء التحرك القومي العربي خلال الخُمس الأول من القرن العشرين – وبعد أن تأثّرَ بما حصل في أُوروبا في القرن التاسع عشر ،

– كرد فعلٍ لسياسات التتريك ، والتي كانت بحد ذاتها تعبيراً كذلك عن نمو الإحساس القومي التركي ( الذي أخذ يتشكل على نحو تنظيمي منذ عقد الستينات من القرن التاسع عشر ) ، ومحاولةً من الحركة القومية الطورانية للإبقاء على السيطرة الإستعمارية العثمانية على شعوب البلدان الأُخرى، أقول، كان ذلك رد فعلٍ أكثر منه تتويجاً لتطور إقتصادي إجتماعي ، ثقافي وسياسي عُضوي لمجتمعات بلادنا العربية التي كان مَحكومة في ذاك الوقت من إستانبول، من قِبَل الوُلاة التي كانت السلطة العثمانية المَرْكزية فيها تُعَيّنَهم ليديروا شؤون الولايات ( بلدان الشعوب الأُخرى) التي كانوا يَحكمونها بإسم الدّين .

وَلَمْ تكن حركة ثورة الشريف العربي ، يا والدي ، تَمْلِكُ مشروعاً فِكرياً ناضجاً ، كما لم تَكُن على ذلك القَدْر من التنظيم والإمكانات الذاتية .

لم تكن قد بلورت إستراتيجية مستقلة بذاتها للتحرر الوطني ، ولا سياسات تعتمد فيها على قدراتها الذاتية لتحقيق أهدافها ، لِذا ، فقد وَقَعَت منذ المراحل الجَنينيّة لنشأتها فَريسة أطماع القوى الإستعمارية المهيمنة في تلك الأيام (وعلى الأخص ؛ بريطانيا و فرنسا ) ، والتي نجحت في نهاية المطاف ، في إجهاض أهدافها ، وفِي تسخيرها في نهاية المطاف لخدمة الأهداف الاستعمارية لتلك الدول.

وجدت الحركة القومية العربية ( ثورة الشريف حسين القومية ) نفسها مع إنتهاء تلك الحرب الكونية عاجزة عن تحقيق أي من أهدافها ، ووقعت البلاد العربية التي ثارت من أجل تحريرها من الهيمنة العثمانية تحت نير إستعمار أوروبي مُتَمَكِّن ، يَمْلِكُ مُقَدَّرَات هائِلة ، بحيث تَمَكَّنَ أن يُعْمِلَ مِبْضَعَه، فيها ، أي ، في الحَيِّز الجغرافي للدولة العربية المنشودة، تقسيماً وتمزيقاً وتفتيتاً ، وعَمِلَ في ذات الوقت، على نهب مواردها وثرواتها خدمة لمصالحه واهدافه.

وبالتالي ، فقد تم ، يا والدي ، وَلَمْ تكن قد بَلَغت من العُمْرِ إلا أعواماً قليلة ، وَأْدِ الثورة العربية في مَهْدِها ، وقبل أنْ يَقوَ عُودها ، وسَقَطَ مع إنعقاد مؤتمر الصُّلح في باريس في ١٨ كانون الثاني من العام ١٩١٩ ، مّشروعها العربي الإستقلالي النهضوي، لصالح مشاريع القُوى الإستعمارية المُنْتَصِرة فيها، والتي فَرَضَت على شعوب بلدان العالم نظاماً دولياً جديداً أدارته من خلال تَشكيلها لمنظمة دولية أسمتها ” عُصْبة الأُمم “، شَرَّعَت من خلالها للاستعمار أن يستمر في الهيمنة الإستعمارية تحت مُسَمّى جديد أطلقت عليه إسم “نظام الإنتدابات” .

يا والدي

لم يكُ ، إعلان الثورة العربية قد وعى مخاطر الحركة الصهيونية والتي كانت منذ عشرين عاماً فقط قد نجحت في تنظيم نفسها ، وتكوين مؤسساتها الناظمة لعملها السياسي والمالي والإداري والأستيطاني على أرض فلسطين والذي نجحت خلالها من انشاء اثني وأربعين مستوطنة في أماكن استراتيجية من فلسطين، ومن تهجير ما يزيد عن خمسين الف مستوطن يهودي خلال الفترة الممتدة من عام ١٨٨١ وحتى عام ١٩١٤ ، والتي كانت فلسطين – وهي الجزء الجنوبي من بلاد الشام وسورية الطبيعية – خلالها تحت وطأة حُكْم ٍ عثماني إستبدادي مُتَخَلِّف طويل ، قَبَضَ على أنفاسها على مدار أربعة قرون ثقيلة ( منذ العام ١٥١٧).

في اللحظة التي أَبْصَرْتَ فيها النور، يا والدي، كانت شعوب المنطقة تعاني من حالةٍ من التهتك والفقر والتخلف والأُمية وفقدان التنظيم ، وغياب القيادات والتنظيمات المحلية، ومن إستبدادٍ وطغيانٍ لسلطات الحكم العثماني ، ومن الإستغلال والمَهانة من قبل زعامات محلية ، وإقطاعية ؛ عائلية أو عشائرية أو دينية ربطت مصالحها مع مصالح السلطات المُسْتَبِدّة ، وتحالَفت معها، مما مَكّنَ الإستبداد العثماني من إدامة سُلطانه طيلة هذي القرون الأربعة، ومكنه ايضا من عزل بلادنا عن حركات التنوير ، والثورات العلمية والصناعية والاجتماعية التي كانت تسري في عروق المجتمعات الأوروبية على الصفة الاخرى من البحر المتوسط.

كان الوضع مُريعاً يا والدي ، وكانت الأماني المنشودة لمشروع الثورة وأهدافها ، تتجاوز مقدرات تلك الثورة والتي إعْتَمَدت في تمويلها وتموينها وتسليحها بصورة شبه كلية على ما تجود به اليد ( الكريمة ) ” لبريطانيا العظمى ” لزعماء الثورة وأمرائها .

واكتشفت فعاليات الثورة العربية ، خلال أقل من عامين من إندلاعها أنها تحولت الى أداة لتحقيق مصالح وأهداف بريطانيا وحليفتها في الحرب ؛ فرنسا ، دون إقامة أي إعتبار لـ ” الحليف ” العربي الناشىء، والتضحيات التي بذلها الثوريون العرب المنضوون تحت لواء الثورة في سبيل تحقيق أهدافها المعلنة.

تلك يا والدي ، خلاصة للأوضاع والظروف التي كانت سائدة في المنطقة في اللحظة التي أبصرت فيها النور.

ومع أنك رحلت يا والدي في ايلول من العام ١٩٨٥ ، بعد تسعٍ وستين عاماً قَضَيْتَها في العطاء لفلسطين والأردن ،

فإني إخترتُ أن أُسجل في هذا المقال ، الظروف السائدة في اللحظة التي يمر فيها ذكرى ميلادك الحالي اي في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧.

لا أريد أن أُخبرك يا والدي عن أخبار أفراد العائلة ، وعن الأحفاد والأصهار ، وعن معاناتهم او إنجازاتهم الفردية ، فتلك حكاية تطول …!

لم يُتَح لك الوقت أن ترى جود وسَماء ، ولَم تحظيا بالتَّعَرُّف عليك ، لكنهما عرفاك منا ، وأنشدا في المدرسة إحدى قصائدك ،…!

الجميع يُنْصِت بإمعان عندما نتحدث عنك ..!

يا والدي

أُريد أن أُحَدِّثُكَ عمّا يجري على أرض هذا الوطن ، والذي كانت شؤونه و هُمومه مصدر أَرَقٍ لك طيلة الفترة التي وَعيتُ فيها عليك، وإلى أن غادرتنا فجأة في ذلك اليوم من أيلول ١٩٨٥. .. !

نعم ، يا والدي، فبعد وفاتك في العام ١٩٨٥، إنهار الإتحاد السوڤييتي، وساهم في إنهياره، الحرب الذي شَنَّتها على قواته في أفغانستان ، قوات حركات إسلامية دينية سَلَفية قاتلت في أفغانستان ،إسْتُقدِمَ عشرات الأُلوف من أفرادها من كل بلدان العالم العربي و الاسلامي ، ومن المجتمعات الإسلامية في بلدان الغرب ، وقام بتمويل تدريبها وتجهيزها مال النفط العربي ، وُدُرِّبَت في معسكرات أقامتها السي آي آى في باكستان وغيرها من الدول ، وجُهِّزت بالسلاح الأمريكي …!

كانت ، تلك يا والدي حرب إستنزافٍ مخطط لها جيداً .

وتوقفت ، بعد سنوات من مغادرتِكَ يا والدي ، الحرب العراقية الإيرانية ، وهي حربٌ أخرى ، جرى التخطيط لها بدقة ، واستهدفَت إستنزاف الدولتين : ايران الثورة ، وعراق العُمق العربي … ، هي أيضاً يا والدي حربٌ ، مَوَّلها مال النفط العربي ، وجرى إدارة فعالياتها وتوجيهها من قبل الـ سي آي آى أيضاً .

كنتُ أَسْمَعَكَ تقول عندما نجحت الثورة الإيرانية أنَّ تَحَوّلها إلى دولة مُعادية لدولة الكيان الصهيوني هو أمرٌ ممنوع ،… وأن الأمر هو مسألة وقت فقط ، فإما أن يَسقط العراق ويخرج من معادلة المواجهة أو أن تسقط إيران من جديد ،…!

ومع إنتهاء الحرب بينهما ، فقد خَرَجت ، يا والدي ، إيران والعراق من هذه الحرب مستنزفتان …!

وقد صَحَّ حَدْسَك، فمن المَمنوع في منطقتنا أن يقوم بلدٌ واحد ، أو إتحاد بلدان ، من إمتلاك ناصية القوة والقدرة على مواجهة دولة الكيان الصهيوني ،أو مناهضة المخططات الإستعمارية…!

ومع إنتهاء الحرب الإيرانية العراقية يا والدي ، وإنهيار الإتحاد السوڤييتي ، إنتهى النظام الدولي الذي شَهِدناه بعد الحرب العالمية الثانية ، وبَدأ عَهْدُ عَالمٍ جديد أًُحادي القُطْبِيّة ، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحدها هذه المرة.

في حَقْبة ما بعد إنهيار الإتحاد السوڤييتي ، إستهلت الولايات المتحدة ، وهي الدولة المهيمنة في النظام العالمي الجديد ، أعمالها ، عبر إشهار هيمنتها المُطلقة ، على العالم ، وإبتداءً من منطقة بلادنا .

كانت ترغب أن تجعل من بلادنا مثلاً رادعاً ، لكل من يحاول ، في هذا العالم ،الخروج عن طاعتها .

استغلت الخطأ المركزي الذي ارتكبه صدام حسين بإدخال قواته الى الكويت ، واحتلالها وإعلان ضَمّها الى العِراق، وإعلان العراق أنه أنهى في آب من العام ١٩٩٠ حالة إنسلاخ الكويت عن العراق وإعادتها الى حضنه – وهي المنطقة التي كانت في العام ١٨٩٩ جزءاً من الحدود الإدارية للبصرة وفق التنظيم الإداري العثماني ، قبل أن نشأت ظروف إقليمية في ذلك العام أدَّت الى سلخها من نطاق مقاطعة البصرة –، أقول ، إستغلت خطأ صدام القاتل ، عبر تجييش العالم ، وتجنيد حملة دبلوماسية وعسكرية دولية قامت بشن حرب تدميرية شاملة للعراق .

كان ذلك يا والدي أكبر وأوسع حملة دولية يتم تنظيمها منذ الحرب العالمية الثانية، وقد تَمَّت هذه المرّة بمُشاركة ومباركة عدد من الدول العربية ، وتمويلٍ كامل من مال النفط العربي .

كنتُ أعرف كم كُنْتَ ، يا والدي ، تُحِبُ العراق . كُنْتَ تنظر اليه على أنه المانيا العالم العربي . قلب القوة العربية الضاربة . كُنْتَ تُحِبُّ العراق كله . وكنت تَعْشَق أغاني ناظم الغزالي ، وتَطرب لها ،… وكُنتَ تتحدث بفخر عن آداء وِحدات الجيش العراقي التي قاتلت في فلسطين في العام ١٩٤٨، وكانت تتمركز في منطقة جنين وقلقيلية بالقرب من نابلس.

كُنتُ أعرفُ أنْ تدمير العراق كان سَيَقْتُلَكَ يا والدي ، لو كُنْتَ ما زلتَ على قيد الحياة … !

كان ذلك سيكون أكثر إيلاماً لك …!

لذا ، فقد كُنْتَ محظوظاً أنك لم تحظى بمشاهدة ومعايشة تلك الأيام الحالكة السواد يا والدي…!

منذ تدمير العراق في العام ١٩٩١ ، والأمور والاوضاع تتدهور أكثر وأكثر في كل قطرٍ من أقطار وطننا العربي هذا .

كما سبق وأن ذكرت يا والدي ، فقد أدى الصراع الدولي في أفغانستان، وعليها ، إلى تَبَنّي الولايات المتحدة الامريكية برنامج تدريب وتسليح قوات الحركات الإسلامية السلفية الوهابية التكفيرية في بلدان عالمنا العربي والإسلامي ، وبتمويل أيضاً من أموال النفط العربي .

لقد أدى نجاح مُقاتلي الحركة الاسلامية السلفية في أفغانستان إلى أن يَلِدَ من رحمها تنظيم إسلامي سَلَفي وَهّابي دولي ( القاعدة ) ، أتقن ممارسة فنون الإرهاب ، أقول ، تنظيم إرهابي وَضَع لنفسه برنامجاً خاصاً به ، تمكن في العام ٢٠٠١ من توجيه ضربات شديدة لعدد من الأهداف الاقتصادية والعسكرية في الولايات المتحدة الامريكية ، مما دفعها هذه المَرَّة الى إستغلال هذه الأحداث ، لإكمال إجهازها على العراق بعد حصارها القاسي الطويل له في عقد التسعينات من القرن الماضي ، بإحتلاله في العام ٢٠٠٣ وتدمير مقدراته .

حاولت الولايات المتحدة هذه المرة تحقيق أهدافها في شطب العراق ،كرقم صعب ، من خارطة الصِّراع العربي الصهيوني من خلال محاولة تفتيته وتمزيقه طائفياً وعرقياً ، وكذلك بالسيطرة على ثرواته ومقدراته .

وهذه المُهِمة ، يا والدي ، أي محاولة شطب العراق والإجهاز عليه، تَمَّتْ أيضاً عبر تشكيل تحالف دولي ، خارج الأُمم المتحدة ، بقيادة الولايات المتحدة ، وبمُباركة ومشاركة العديد من دول النفط العربي، وبتمويل من أموال النفط العربي كذلك .

يا والدي

بعد إحتلال بيروت في العام ١٩٨٢، وبغداد في العام ٢٠٠٣، أصبح كل شيء في وطننا العربي مُباحاً ومستباحاً يا والدي .

لقد أصبح الطريق مُهيئا لتنفيذ أكبر مُخطط لتدمير بُنية المجتمعات العربية ، من داخلها ، في مختلف الأقطار العربية التي نشأت بعد الحربين الكونيتين الاولى والثانية. تم إختراق مجتمعاتنا هذه من خلال استغلال الطبيعة البوليسية لأنظمة الحكم القائمة فيها ،وفقدان الديمقراطية ، وبذريعة الحاجة الى دمقرطتها .

ولتحقيق هذا المُخطط، تم إفساح المجال لحركات القوى السَلَفَية الدينية الوهابية ، التي كانت الـ سي آي آى ، قد دَرَّبَتها وجَهَّزَتها ، بتمويل من أموال النفط العربي ، لتنطلق ، وتفلت من عِقالها .

وعليه، وتحت مُسَمّيات “الربيع العربي “، وَجَدنا ، يا والدي ، منذ العام ٢٠١١ ، الأبواب والشبابيكَ تُفتح أمام اكبر حركة تجنيد وتوجيه وتحشيد للمقاتلين – بذرائع ومسميات إسلاموية – ومن كل أصقاع المعمورة وتحت مرآى أجهزة الاستخبارات الغربية وبغض نظرٍ من أطرافها . وتم في سياق ذلك ، تجنيد وسائل الإتصال الحديثة لتحقيق الأهداف المرسومة ، وجرى أيضاً تسهيل عمليات نقل عشرات الألوف من المقاتلين من مختلف أصقاع الأرض ، وتحشيدها في عدد من الأقطار العربية ( والإسلامية ).

لقد نَجَحَت القوى المُضادة المُعادية لتطلعات شعوبنا في الحرية والتحرر والإستقلال، وفي التنميةالشاملة والعُضوية ولإنجاز النهضة الكلية ، في تحويل بلادنا الى ساحات صراع داخلي دامية ، والى محاولة تفجير مُكَوِّناتها العرقية والإثنية والمذهبية والطائفية ، وتأجيج الصِّراع الأهلي فيها ، فشَهِدنا في سياق ذلك ،يا والدي ، تدمير سوريا وليبيا ، واليمن ، ومحاولة تفجير لبنان والأردن وتونس والجزائر ، وذلك بعد أن تم تدمير العراق.

في سِياقِ عملية التدمير المنهجي تلك ، سَقَطَت عِصْمَة وحُرْمَة كل بلادنا العربية ، وكل مُقَدَّساتها . لَمْ يَعُد لمفهوم الإستقلال الوطني أي معنى ومضمون . فقد فَقَدَت كل دول بلادنا العربية مَقاليد السيطرة على مُقّدَّراتها ، وتَحَوّل أغلبها الى دول فاقدة الإرادة السياسية ، ونُهبت ثرواتها، وتَحَوَّلَ ما تبقى منها الى مصادر تمويل كل عمليات التخريب للعقل العربي ، والثقافة العربية ، وكذلك للمجتمعات العربية ، ولإقتصادها ، ومستقبلها ، وسُخًِرَت لحماية دولة الكيان الصهيوني ، وإدامة إحتلالها لفلسطين.

لتحقيق هذه الأهداف المُدمرة ، إسْتُخْدِمَ، يا والدي ، الفكر الديني السَّلَفي الوهّابي الذي لا يُقيم إعتبارا للعقل ولا للقيم الإنسانية، أداة مناسبة وفعالة للتعبئة والتدمير . واستُخْدِمَ أيضاً لتشويه صورة الدين الإسلامي في كل أنحاء هذا العالم ، وفِي جميع أوساط شعوبه.

لقد ارتكبت تنظيمات الإرهاب والتكفير الدينية ، باسم ديننا الإسلامي ، أبشع الجرائم بحق كل مكونات شعوبنا العربية ممن يخالفونهم الرأي، وبلا تمييز ، وعلى نحو ٍ يَندى لها الجَبين .

تلك الجرائم ، إرتكبت يا والدي، بحُجِّة “إقامة شرع الله على الأرض” ، وبذريعة إعمال الدين .

ألم تُلاحظ، يا والدي ، أن أموال النفط العربي ، الكافية لتنمية كل بلادنا العربية ، من أقصاها الى أقصاها ، كانت القاسم المشترك في كل عمليات التدمير والتخريب التي ذكرناها …!؟

بالرغم من ذلك ، فقد استفزت هذه الأوضاع والتطورات ، وتستفز قوى التحدي، وتستثير عناصر المقاومة الكامنة في أحشاء مجتمعات شعوب منطقتنا ،…! .

تلك يا والدي ، أَجِنّةٌ تحمل لنا بشائر أمل يأبى أن يندثر ، أو أنْ تَنطفىء مَشاعله…!

يا والدي

أكتب لك هذه الرسالة ، وأنا أُصارع مَرَض وحشي داهمني على حين غَرّة ، وبلا مُقَدِّمات أو سابق إنذار.

أنا أتعالج الآن ، يا والدي ، في مستشفى هايدلبيرغ في المانيا على يد البروفسور بيتر دريچر ، ومن قبل طاقم طبي متمكن .

أنا واثِقٌ أن ذلك سيسرَّك .

لا تَخَف عليَّ ،ولا تَقْلَق .

فأنا قَرَّرَت عدم الإستسلام .

قَرَّرَت أن أُحارِب ، أن أُقاوِم ،… فَقَدَر شعبنا يا والدي منذ أن أبْصَرْتَ أنتَ النور هو المُقاومة ؛

ليس فقط على الصعيد الشخصي الخاص ، ولكن على الصعيد العُمومي أيضاً . وتلك رسالة يحملها جيل بعد جيل ، بلا كَلَلٍ أو تَعَب …!

لا أعرف كيف أمتلكتُ القوة ، والتركيز الكافي لكتابة ما كَتَبْتَه لك . ولكنَّ رّغبتي بالتّخاطب مَعك مَدَّتْني بقوة لا أعرف من أين أَتَتْ …!

إرْبِضْ ، يا والدي ،في مرقدك بسلام ، راضياً مَرْضِيّاً ، مُطْمَئِنّاً،..

وأرجو، من القَلْب ، أن تكونَ كلماتي هذه قد وَصَلَتك…؟

وأخيراً ، إقْبَلْ محبتي يا والدي.

إبنك البار

عَبّود ( كما كان يَحلو لك أن تناديني )

أو ” عَبِد ”

( عبد الرحمن وهيب البيطار )