يوم الأحد الموافق ٩ كانون اول ٢٠١٨
مَرَّة أُخرى ، فإنني أستند في هذه اليومية على معلومات مستقاة من كتاب جون كويچلي القَيِّم المُعَنون :
“The International Diplomacy of Israel’s Founders – Deception at the United Nations in the Quest for Palestine “.
في يومية الأمس ( ٨ كانون أول ٢٠١٨) ، أَوْرَدتُ لـ “إيبان” تصريحه التالي الذي أدلى له أمام لجنة الأُمم المتحدة ( Ad Hoc Committee ) التي تنظر بطلب قبول عضوية ” إسرائيل ” في الامم المتحدة وذلك في إجتماعها المُنعقد في ٥ أيار ١٩٤٩ :
“إنه يَفْهَم ، بأنَّ الأسئلة التي طُرِحَت والمُرْتبطة بطلب إسرائيل الإستحواذ على عُضوية الامم المتحدة ، بأن بَحْثَها ( مِنْ قِبَل اللجنة المشار إليها أعلاه ) يَتِم في ضوء دِراسة أَمْر تَقَيُّد إسرائيل بالقرّارات ( ومن ضمنها القرارين ١٨١ و ١٩٤) ذات العلاقة الصادرة عن الجمعية العامة ” ( للأمم المتحدة).
أَعربَ ” إيبان ” فِي كَلمته، ” عن مُعارضته لذلك ، وأوْضحَ في سِياقِ ذلك، بِأنَّ ” إسرائيل هي الدّولة الوحيدة التي إنْخَرَطَت في الحرب ( ببن اسرائيل والدول العربية ) ، والتي أَعْلَنت عن تعهدها بالتَّقَيّد بأحكام قرار مجلس الأمن ( رقم ٦٢) الصادر في ١٦ تشرين الثاني ١٩٤٨، الذي دعى الحكومات المعنية( مصر ، الاْردن ، العراق، سورية، لبنان ، وإسرائيل ) للتفاوض بهدف التَّوَصُّل إلى إتفاقيات هُدنة ، كمَرحلة إنتقالية للتّوصل إلى سَلام دائم”.
وحول “القدس” ، قال “إيبان”:
“إنَّ دمج الجزء اليهودي من القدس في (فعاليات) الحياة لدولة إسرائيل قد حصل كعملية تاريخية طَبيعية نَجَمَتْ عن ظُروف الحرب، والفراغ في السلطة الذي تَرَتَّبَ على إنتهاء الإنتداب( البريطاني على فلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨) ، وبسبب رفض الأُمم المتحدة تَوَلّي مَسؤولية إدارية مُباشرة على المَسْرح ” ( أي مسرح الأحداث في فلسطين ).
وفي يوم ٧ أيار ١٩٤٩ ، يقول جون كويچلي بأنَّ المندوب السُّوري تعرَّض لمسألة القدس ، وقال لأعضاء اللجنة ( Ad Hoc Committee ) في اجتماعها المنعقد في نفس اليوم ، أنَّ ما أسماه المندوب الاسرائيلي ” إيبان ” ” الجزء اليهودي ” من القدس هو في حقيقة الامر ” المدينة الحديثة ” من القدس ، أي الجزء الجديد منها.
وفي كلمته أمام اللجنة ، قال ؛
“إنَّ سكان ” المدينة الحديثة ” من القدس كان نِصْفهم من العَرَب ، ونِصْفهم الآخر من اليهود . أما الآن ( أي مع حلول أيار ١٩٤٩) ، فقد تمَّ طرد أغلبية السكان العرب منها . وبالتالي ، فإذا ما تمَّ قُبول الأمر الواقع ( أي كما هو عليه في أيار ١٩٤٩) ، فإن اليهود سيستمرون في إحتلالهم غير المشروع لبُيوت ومُمتلكات العرب في المدينة الحديثة ” ( أي، في القدس) .
قبل ١٤ أيار ١٩٤٨ ،نجحت الوكالة اليهودية في فلسطين ومنظمات الاٍرهاب الصهيوني العاملة تحت مَظَلّتها في تهجير وطرد الجزء الأكبر من الفلسطينيين من دِيارهم الى البلدان العربية المحيطة بفلسطين. تم تنفيذ عملية الطرد والتهجير خلال الفترة التي كانت سلطة الانتداب البريطاني لا زالت سارية المفعول فيها وتحت سمع وبصر البريطانيين ، ومجلس الأمن الدولي .
وبعد الإعلان عن تأسيس دولة الكيان الصهيوني ” إسرائيل ” في ١٤ أيار ١٩٤٨ ، وانسحاب قوات الانتداب البريطاني من فلسطين ، ودخول وحدات عسكرية عربية اليها ، إستئنفت ” إسرائيل ” تنفيذ خطة التطهير العِرْقي وعملية طرد مئات أُخرى من آلاف الفلسطينيين الى خارج فلسطين و أو الى المناطق التي لم تتمكن من الإستيلاء عليها منها في ذلك الوقت .
وحول هذا الأمر ، أي حول عملية التهجير والطرد القَسري للفلسطينيين العرب من دِيارهم ، أطلق ” إيبان ” على عملية التطهير العِرْقي تلك ، إسم ؛
“خروج العرب” ( Arab exodus ) من فلسطين .
ونلاحظ هنا، أن القادة الصهاينة وصُنّاع الرأي العام فيها ،فقد عمدوا على تسمية ” شعب فلسطين ” بإسم ” عرب فلسطين ” ، وعلى “اللاجئين الفلسطينيين” اسم ” اللاجئين العرب ” ، وعلى “فلسطينيي القدس أو حيفا أو …” إسم ” عرب القدس ، او سكان حيفا العرب ، .. الخ ) .
لقد تفادى هؤلاء في أغلب الأحيان ، وفِي أغلب المحافل والأوساط ، توصيف شعب فلسطين بإسمه ، لأنهم وببساطة ، كانوا يحاولون أن يخلقو الإنطباع في كل المستويات بأن شعب فلسطين هم مجرد سكان عرب أقاموا في فلسطين، وكانوا قد إنتقلوا إليها من البلدان العربية المجاورة لها ، وأنهم في هذه المرحلة ، أي في العام ١٩٤٨، خرجوا منها الى البلدان العربية ، أي الى البلدان التي أتوا منها الى فلسطين .
وفِي ذلك ، قال إيبان :
” إنَّ مُشكلة اللاجئين العرب ( أي اللاحئين الفلسطينيين العرب) ، قد نَجَمَتْ كعاقِبة مُباشرة على شَنِّ حَرْبٍ (على دولة إسرائيل من قِبَل الدول العربية ) بغرض إسقاط ( أو إفشال ) قرار الجمعية العامة الصادر في نوفمبر ١٩٤٧ بخصوص التقسيم ( اَي القرار ١٨١) بالقوة. إنَّ حَرَكة السُّكان الكبيرة التي حَصَلَت ، ما كان لها ان تحصل لو شارك العالم العربي إسرائيل في محاولة لإعطاء فُرصة لتطبيق القَرار المَذكور على نحو سلمي”.
عَلَّقَ جون كويچلي على التحليل الذي قدمه ” إيبان ” بقوله ، بأن ” إيبان ” بتصريحه هذا ، فإنه يحمل الدول العربية مسؤولية خروج الفلسطينيين العرب من فلسطين ، لأنهم لو قبلوا قرار التقسيم الذي كان منحازاً ضدهم
لم يكتفِ ” إيبان ” بذلك ، وإستطرد ” قائلاً:
” تلك التحركات المأساويّة “للسكان” هي حالة تترافق مع أيّ حرب ، وعلى الأخص تلك الحروب التي تؤثر على بلدان يتكون سكانها من خليط بشري ، وولاءات مُتضاربة. إنَّ مُمَثّل لبنان كان صحيحاً في الملاحظة التي أبداها بأنه لم تكن لدى الجمعية العامة ( للأُمم المتحدة ) نِيّة تقضي بوجوب إخراج السُّكان العرب من فلسطين . ولكنه لم يكن لديها التصوُّر أيضاً بأن تشن لبنان وستة دول أُخرى حرباً على إسرائيل ، وهي الحرب التي كانت مِحْنِة سُكّان فلسطين العرب هي نتيجتها المُباشرة.”
إذن ، فإنَّ خُروج الفلسطينيين العرب ( من بلادِهم ) كان ببساطة بسبب حصول حَرْب . وهُنا ، بالطبع ، فإن “إيبان” كان يحاول ان يُخفي الجهود الهائلة التي بُذِلَت ( من قبل المنظمات الصهيونية المسلحة ودولة الكيان الصهيوني ) لطرد العرب الى خارج فلسطين .
وكان إيبان قد قال في الجلسة التي عقدتها اللجنة في ٥ أيار ١٩٤٩، ” أنَّه ومع الوقت الذي تم فيه تأسيس حكومة إسرائيل ، فإنَّ خروج السُّكان العرب ( من فلسطين ) كان قد بلغ أبعاداً واسعة. وأن جهود تلك الحكومة لوقف فيضان اللاجئين لم تُجد نفعاً ” .
يُعلِّق جون كويچلي على ذلك ، فيقول بأن هذا البيان الذي أدلى به ” إيبان ” لا يتفق وحقائق الامور .
لقد كان إيبان يقول بأن الخروج كان جسيماً قبل ١٥ أيار ١٩٤٨. كان يقصد ضمنياً من ذلك أنَّ إسرائيل لم تكن مسؤولة عن ذلك الخروج ، وذلك بسبب أنها لم تكن قد تأسست بعد. وبالرغم من ذلك، يقول كويچلي ، فإن العناصر التي تسلمت السلطات الحكومية ( في دولة الكيان الصهيوني ، إسرائيل ) بعد ١٥ أيار ١٩٤٨ كانت هي نفسها التي كانت تنفذ خطة الطرد قبل ١٥ أيار ١٩٤٨. ويردف قائلاً ، بأن قوات جيش الدفاع الاسرائيلي قد تشكَّلَت من إندماج ثلاثة ميليشيات صهيونية : الهاچاناه ، الإرغون تسفي ليئومي و ليهي . ويُضيف بأنه أصبح أمراً متعارفا عليه ومقبولا في المجتمع الدولي أنه وعند تشكيل دولة جديدة ، فهذه الدولة تكون مسؤولة عن الأفعال الشنيعة التي إرتكبتها الوحدات العسكرية التي شاركت في إنشاء تلك الدولة ونقلها الى حيز الوجود .
وفِي محاولة أُخرى للتغطية على ما اقترفته المنظمات الصهيونية المسلحة ، ودولة الكيان الصهيوني من جرائم ، إدعى ” إيبان” في توضيحاته التي قدمها أمام اللحنة (Ad Hoc Committee )، أن الحكومة المؤقتة لإسرائيل التي تألفت بعد ١٥ أيار ١٩٤٨ حاولت “وقف ” الخروج .لكن، وكما يقول ” كويچلي ، فإنَّ ” إيبان “لم يقدم أية إثباتات تُبين الجهود التي بذلتها الحكومة المؤقتة في هذا الخصوص.
ويُضيف ” كويچلي ” بأنه وتحت ضغط القوى العظمى ، فقد إضطرت الحكومة المؤقتة ( في إسرائيل ) الى إصدار أمرٍ / توجيه يتعلق بالأمر موضوع البحث.
يقول ” كويچلي ” بأن ذلك ربما كان ما خَطَر على بال ” إيبان ” عند إعطاء تصريحه الآنف الذكر أمام اللجنة .
ففي السادس من تموز عام ١٩٤٨( أي قبل ثلاثة أيام من إنتهاء الهدنة الاولى في فلسطين ) ، طلب بن غوريون من رئيس أركان جيشه ( الذي أُطلِق عليه جيش الدفاع الإسرائيلي ) أن يُصدر أمراً يتعلق بالسلوك ( الذي ينبغي إتباعه) تجاه المدنيين العرب. وبالفعل، أصدر رئيس الأركان أمراً يقول فيه ما يلي :
” إنَّه لَمِنَ المَحظور ، خارج أوقات القِتال الفعلي ، أن يتم تدمير، حرق، أو هدم مدن وقرى عربية ، وأن يتم طرد سكان عرب من قرى ، أحياء ومدن عربية ، وأن يتم إقتلاع سكان من أماكنهم ، بدون السماح بذلك أو بدون أَمْرٍ صريح من وزير الدفاع ولكل حالة على حدة “.
يقول ” كويچلي ” أن ” إيبان ” ومن باب الحكمة ، لم يقم بتقديم نص هذا التوجيه / الأمر للجنة Ad Hoc Committee . فقد كان نَصَّه يَنطوي على تقييد وتحديد ، ولكن وبنفس الوقت على تفويض.
ويُضيف ، بأن ما انطوى عليه التوجيه/ الأمر كان يَعني أنه من المَسموح أن يَتم ” تدمير ، حرق أو هدم مدن وقرى عربية ” و أن يتم ” طرد سكان عرب ” طالما تم ذلك خلال تنفيذ عمليات هجومية. لكن ” كويچلي ” يقول أنه وبهذه الطريقة بالتحديد ، تَمَّ تنفيذ اغلب عمليات الطرد . اضافة الى ذلك ، فقد سمح الأمر المذكور تنفيذ تدمير وطرد خارج إطار العمليات الهجومية وذلك عبر الإستحواذ ( المُسبق ) على موافقة وزير الدفاع( الإسرائيلي ).
يقول ” كويچلي ” ؛ لقد اصدر بن غوريون هذا الأمر في ٦ تموز ١٩٤٨. لكن ، بعد أسبوع واحد فقط من إصداره لهذا الامر ، أصدر ( بن غوريون )تعليماته بطرد سكان اللد والرملة . ويُعَلِّق على ذلك قائلاً ، من ناحية فنية بحته ، لم يُشكل ذلك إنتهاكاً للأمر المذكور ، لانه ( أي بن غوريون ) أصدر الأمر بتنفيذ ذلك . ويبين ” كويچلي ” أنه وبصورة فعلية ، لم تكن هناك تقييدات على تنفيذ أعمال الطرد ( أي طرد الفلسطينيين ) . ويقول بأن الحكومةالمؤقتة(الإسرائيلية) كانت غير مَعنيّة بِـ” وقف ” الخروج ( أي خروج الفلسطينيين او طردهم ) ، لا بل انها كانت تقوم بمعاضدة ذلك . وكما رأينا ، فقد تسارعت اعمال الطرد بعد ١٥ أيار ١٩٤٨.
مضى ” إيبان ” في حملته تحميل الدول العربية مسؤولية ” خروج “الفلسطينيين من فلسطين ، ففِي كلمته امام اللجنة Ad Hoc Committee في جلستها المنعقدة في ٥ أيار ١٩٤٩ ،حَمَّل “إيبان” ، صراحةً ، مسؤولية خروج عَرَبْ ( فلسطين من فلسطين ) على الدول العربية ، ولامهم على ذلك ، وخَلُصَ ” إيبان ” الى هذه النتيجة وإعتبرها إستخلاصاً منطقياً (للوقائع والأحداث في تلك الفترة ). وفِي ذلك قال:” إن المسؤولية وراء مُشكلة اللاجئين تتحملها الدول العربية التي بإعلانها الحرب ( على إسرائيل ) وشَنِّها لها ، فقد حَوَّلَت هؤلاء الى لاجئين لا بيوت لهم ، وأنه بناء على ذلك ، فإن هذه الدول تقع تحت التزام أخلاقي بأن عليها هي أن تضطلع بحصتها كاملة في حَلِّ مشكلة هؤلاء اللاجئين “.
“وحيث أنهم هم المسؤولون عن الخروج ( خروج عرب فلسطين ) ، فإنه تقع على عاتقهم مسؤولية التعامل مع تبعات هذا الأمر . عليهم أن يستوعبوا ( أي، أن يُوَطِّنوا ) عرب فلسطين ( في بلادِهم ).”
يقول ” كويچلي ” أن هذه النتيجة ، بالنسبة لـ ” إيبان ” تستمد قوتها من ” علاقات القرابة ” ما بين عرب فلسطين وعرب البلاد العربية المجاورة .
ويُضيف ” كويچلي ” ؛ كان إستخلاص ” إيبان ” لا يُقيم أي إعتبار لحقوق هذا الشعب الذي تم تهجيره( من بلاده، أي للشعب الفلسطيني ) ، وهذه الحقوق هي التي كانت البؤرة التي تَرَكَّزَ عليها قرار الجمعية العامة رقم (١٩٤).
وبخصوص سياسة حكومة إسرائيل حول مشكلة اللاجئين ، قال ” إيبان ” في نفس الجلسة :
” إن إعادة توطين ( اللاجئين ) في المناطق المجاورة يجب إعتباره على أنه المبدأ الرئيسي للحل ( أي حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ). ليس من الواضح بعد كم من العرب يرغب بالعودة ( إلى دياره في فلسطين ) تحت الشروط التي يمكن للجمعية العامة ( للأمم المتحدة ) أن تضعها ، ولا كم من العرب يمكن لـ ” إسرائيل ” أن تستقبل في ضوء الأوضاع السياسية والإقتصادية القائمة (في فلسطين)”.
وعليه، وكما خَلُص اليه جون كويچلي في كتابه ، فإنه يُفهم من هذا التصريح الذي أدلى به ” إيبان ” أمام اللجنة (Ad Hoc Committee) في ٥ أيار ١٩٤٩ ، أن ” إسرائيل ” يمكن أن تستقبل بعض (اللاجئين) ، دون مراعاة لعدد ( اللاجئين ) الذين يريدون أن يعودوا ( الى دِيارهم في فلسطين ).
وبناء على هذا المفهوم ، فإن ” إيبان ” لَخَّصَ للجنة الأُمم المتحده في جلستها المشار اليها أعلاه سياسة حكومة دولته ” إسرائيل ” فيما يتعلق بمسألة اللاجئين الفلسطينيين ، بأنه يتعين أن يستقر اللاجئون الفلسطينيون في الأماكن التي ( لجئوا اليها ). وبكلمات أُخرى ، أن يتم توطين اللاجئين الفلسطينيين في الأماكن التي لجئوا اليها في البلدان العربية المجاورة .
لم تتوقف تصريحات إيبان أمام اللجنة عند هذا الحد ، كما أنه حاول الإلتفاف والمراوغة أكثر ،.. تم ذلك في الجلسات الاخرى التي تعرض فيها ” إيبان ” لضغطٍ غير مسبوق.
وللحديث بقية .