يوم الأربعاء الموافق ١٢ كانون الثاني ٢٠١٨
وأنا أَسْتَكْمِل في هذه اليَومية تسليط الأضواء على المُداولات والمُناقشات التي تمت خلال الأسبوع الاول من شهر أيار ١٩٤٩ في أروقة الأُمم المتحدة في اللجنة السياسة الخاصة بفلسطين التي كَلَّفَتها الجمعية العامة النّظر في طلب إسرائيل الإستحواذ على عضوية الأُمم المتحدة ، سنجد مرة أُخرى ، أن النقاش هنا بقي يتناول مسألة القدس وتدويلها –كما نص على ذلك القراران الأُمَمِيّان (١٨١) و (١٩٤) – ومسألة إعادة اللاجئين ( الى دِيارهم ).
فلسطين وشعبها وممثلها ، في هذه المُداولات كانت غائبة تماماً ، أو شِبه غائبة . كما أنَّ دور ممثلي الدول العربية الأعضاء كان لا يبدو مؤثراً أو ذا وزن.
لَمْ يَطرح أحد في تلك المُداولات مَسألة خِيانة الأُمم المتحدة و سابقتها عُصْبة الأُمم لمبادىء العُصْبة والمنظمة المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها .
كما لَمْ يَطرح أحد ” المسؤولية القانونية والأخلاقية ” لبريطانيا ، وعُصبة الأُمم ، ومنظمة الأُمم ، وكذلك للدول الأوروبية ( التي إضطهدت مواطنيها اليهود وعملت على حل مشكلتهم بالتخلص منهم وتهجيرهم الى خارجها ومنها الى فلسطين )، أقول ، مسؤولية كل أؤلئك تجاه شعب فلسطين ، والكارثة التي ألحقتها هذه الكيانات وسياساتها به.
مُسِخَت وتَحَوَّلَت مَسألة ” طرد شعب من أرضه ” بالقوة المُسَلّحة، وبأساليب الترويع والإرهاب والإكراه الى مسألة لاجئين ، لهم حقوق ، أقصاها هي حقوق فردية بالعودة ، أي لا حقوق وطنية ، وحتى دون حقوق مدنية (ودينية وهي تلك الحقوق التي تعهدت بريطانية وعُصبة الأُمم في صك الانتداب على فلسطين في الحِفاظ عليها عندما فتحت أبواب فلسطين لهجرة اليهود اليها )، ولا حتى حقوق إنسان أساسية ، فقد تم تجريد المواطن والإنسان الفلسطيني ، فجأة ، من كل حقوقه الأساسية ،… نعم حقوقه كلها ، ومُسِخَت الى حقوق إغاثة وتشغيل خارج دياره في فلسطين ، والى خارج نطاق ترابه الوطني أيضاً ….!
ويُلاحِظ القارِىء، أنّه يَتِم إيراد ذِكْرٍ في المُداولات المشار اليها أعلاه ، وبين فَينه وأُخرى ، إلى قرار التقسيم ١٨١ ، ولكن ، ليس في جُزئيته المُتعلقة بإقامة دولة عربية فلسطينية على ٤٤٪ من أرض فلسطين ، ولكن ، فقط ، في جُزئيته المُتعلقة بوضع القدس وضواحيها تحت حكم دولي ، أي بمسألة تدويل القدس .
كما نُلاحِظ أيضاً ، أنَّه لا أحد يَذكر في كل المُداولات التي حَصلت في أروقة الأُمم المتحدة واللجنة السياسية الخاصة بفلسطين حتى تاريخه ( أي حتى أيار ١٩٤٩) ، مسألة إستيلاء اسرائيل على نصف الأراضي المُخصَّصة للدولة العربية الفلسطينية في قرار التقسيم ١٨١ ، ولا أحد ( حتى الدول العربية الأعضاء في الامم المتحدة في ذلك الوقت – لا بل حتى تاريخه) يطالب إسرائيل بالإنسحاب منها .
تلك ، في نظري ، تَبِعات مُباشرة للقرار الفلسطيني والعَرَبي ما بين عامي ١٩٤٧ و ١٩٤٩/١٩٥٠ برفض قرار التقسيم رقم ١٨١ من جهة ،
ومن جهة ثانية لقرار إدخال جيوش عربية الى فلسطين دون هدف واضح ودون خطة عسكرية رصينة ، ودون حُسُن تقدير ، إنتهت الى توقيع إتفاقيات هُدنة مع دولة الكيان الصهيوني، تضمنت إعترافا واقعياً بها ، ولَم تتضمن أي ربط في أي من فَقَراتها بشرط إعادة اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم ، أي الى القرار ١٩٤ ( كشرط لتفعيل احكام اتفاقيات الهدنة سيئة الصيت والسُّمعة ) ولا إلى ضرورة إنسحاب قوات دولة الكيان من الاراضي التي احتلتها خارج حدود التقسيم وفق القرار ١٨١ ، وليس هذا فحسب بل أنها ألْزَمَت الدول العربية المحيطة بفلسطين بإغلاق الحدود العربية المحاذية لفلسطين أمام عودة اللاجئين ، وأمام أي أعمال تستهدف إعادتهم أو إستعادة أراضيهم ، و
من جهة ثالثة ، لقرار عدم الإعتراف بحكومة عموم فلسطين ، وتغييب الفلسطينيين وممثلهم بصورة تامة أو شبه تامة عن مسرح فلسطين ، ومسرح المنطقة ، والمسرح العالمي ، واختزال قضية فلسطين بقضية لاجئين لهم حقوق إغاثة وتشغيل خارج وطنهم، وعدم تمكين الفلسطينيين في الفترة التالية مُباشرةً لإعلان إنشاء دولة الكيان الصهيوني من الإستمرار في النِّضال ،ومنعهم من ممارسة كافة أشكاله ، بما في ذلك المقاومة المسلحة لاستعادة حقوقهم ، و
وأخيراً ومن جهة رابعة، لإفتقاد الدول العربية الأعضاء في الأُمم المتحدة لإستراتيجية سياسية ودبلوماسية متكاملة لإبراز الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني ، ومساندة نضاله بكل الأشكال اللازمة .
المسؤولية العربية؛ الرسمية والشعبية عن ضياع فلسطين لا تقل عن المسؤولية الفلسطينية ، وهي مسؤوليات جسيمة لا تسقط بالتقادم مع مرور الزمن …،
ولا تستطيع حكومات الدول العربية ببساطة التنصل من مسؤولياتها ، لأن مواجهة الخطر الصهيوني على الفلسطينيين وعلى الشعوب العربية ، ودولها لا يمكن مواجهته فقط بطاقات وإمكانات الشعب العربي الفلسطيني فقط ، ولأن مخاطر المشروع الصهيوني في فلسطين تتجاوز حدود فلسطين الجغرافية ، وتهددحقوق ومصالح شعوبنا العربية كلها وعلى الأخص تلك المحيطة بفلسطين …!
لنعد الآن لاستكمال ما بدأت به .
في إجتماع اللجنة Ad Hoc Political Committee المنعقد بتاريخ ٦ أيار ١٩٤٩، طَرَحَت بلجيكا سؤالاً على ممثل حكومة إسرائيل من حيث المبدأ وذلك فيما يتعلق بقضيتي القدس وإعادة (اللاجئين الى دِيارهم repatriation ) .
سأل المندوب البلجيكي جوزيف نيسوت Joseph Nisot ، إيبان :
” هَل لمُمَثِّل حُكومة إسرائيل أنْ يُخْبِرنا أنَّه وفِي حال قبول اسرائيل عُضواً في الأُمم المتحدة ، فإنها تلتزم بالتعاون مع الجمعية العامة ( للأمم المتحدة ) لتَسوية قَضِيّة القُدْس ومُشْكِلة اللّاجئين (الفلسطينيين )، أو أنها ، وبالعكس ، فإنها سَتَسْتَحضر ( وتعمل بموجب مُقْتَضَيَات ) المادة رقم (٢) – الفقرة رقم (٧) من الميثاق ( ميثاق الأُمم المتحدة ) والتي تتعلق بالسلطان القضائي الداخلي للدول (Domestic Jurisdiction of States)؟
يقول “جون كويچلي” أنَّ الفَقَرَة (٢) من المادة (٧) من مِيثاق الأُمم المُتَّحِدة تَحفظ ( حَقَّ التقرير في ) مسائل التشريع الداخلي للدُّوَل الأَعضاء . ويُضيف بأنّّ الميثاق يَفْرِض التزامات على الدول فقط في مجال المسائل الدولية .
أوضح ” كويچلي ” أبعاد السؤال الذي وجَّهه المَندوب البلجيكي نيسوت لـ ” إيبان ” وقال أنَّ نيسوت طَلَبَ مِنَ إيبان جواباً حول ما إذا كان هو يَعْتَبر وضعية القدس شأناً يقع بالكامل في نطاق التشريع الداخلي (لـ ” إسرائيل ” أم لا ). ويُضيف “كويچلي ” ويقول بأن القرار ١٨١ ، إعتبر مدينة القدس قضية دولية وذلك من خلال أنَّ القرار يقضي بفرض إدارة الأُمم المُتّحِدة على المدينة . لذا ، فإن سؤال نيسوت كان أكثر من مجرد (تمرين)نظري .
جاء جواب “إيبان” على النحو التالي :
“أنا لا أعتقد أنَّ المادة ٢ ، الفقرة ٧ من الميثاق والتي تتعلق بسلطان ( دولة إسرائيل ) القضائي الداخلي ( أي على الشؤون الداخلية ) تؤثر في مشكلة القدس ، حيث أن الوضعية القانونية لمدينة القدس تختلف عن تلك المتعلقة بالمناطق التي تَمْلِك إسرائيل السِّيادَة عليها.”
يقول كويچلي بأن إيبان في تَصريحه هذا كان يقول أن وضعية القدس هي شأنٌ دولي ، وبكلمات أُخرى ، فإنَّ إسرائيل لا تَستطيع مُنْفردة أن تَدَّعَي أنَّ القُدس تقع ضمن نطاق أراضيها ( أي الأراضي الواقعة تحت سيادتها ) ، رُغْمَ أنّها إدَّعَت فعلا سيادتها على باقي الأراضي من فلسطين التي ( كانت قد )إحتلتها. ويقول “كويچلي” أن “إيبان” ( في تصريحه ) أوضح بان ” … منطقة القدس …ليس لها ذات الوضعية التشريعية مثل تلك التي لمنطقة إسرائيل “. ويقول بأن هذا الجواب كان هو ما كان أعضاء اللجنة الخاصة بفلسطين Ad Hoc Committee يرغبون بسماعه”.
بعد ذلك ، وجّه نيسوت سؤال الميثاق the Charter question الى إيبان وذلك فيما يتعلق بإعادة لاجئيي عرب فلسطين ( الى دِيارهم).
هل إسرائيل تَعْتَبر إعادة ( اللاجئين ) مَسألة تَخضع لسُلطان إسرائيل القضائي الداخلي الذي وبالإستناد اليه يُمَكِنَّها (من أن تتعامل مع هذه المسألة) كيفا تريد ؟ .
حول هذا الأمر ، كان جواب ” إيبان ” أقل وضوحاً . كان “إيبان” في هذا الخصوص يقول أن مسألة إعادة اللاجئين تختلف عن مسألة القدس .
في هذا الشأن ، إسْتَحْضَرَ “إيبان” ( أو لجأ إلى تفعيل ) مبدأ السيادة ،وقال :
” (لأنَّ لقضية إعادة اللاجئين الى فلسطين ) تأثيرٌ على إسرائيل ذاتها ، فإنَّ مَبدأ سِيادة (دولة) إسرائيل هو أكثر قابلية للتطبيق على حالة اللاجئين ( أي إعادة اللاجئين ) مِنْها على (حالة) مَنْطِقِة القُدْس، والتي لا تَتمتع بوَضْعِية قانونية مُشابِهة لذات الوَضْعِية القانونية الخاصة بمنطقة إسرائيل . إن هذا هو ، في رأيي ، الموقف القانوني” ( لحكومة اسرائيل ).
بدا جواب ” إيبان على أنه رفض للقرار (رقم) ١٩٤. لقد إفترضت فَقَرَة القرار الخاصة بإعادة ( اللاجئين ) إلتزاما على عاتق اسرائيل بإعادة نازحي فلسطين العرب (displaced Palestine Arabs ). لكن إيبان وقد تَحَقَّق مِنْ أنّّ جَوابه سوف لا يلقى إرتياحاً من قبل اللجنة السياسية الخاصة بفلسطين Ad Hoc Political Committee ، فقد عَمَدَ على المُروَاغة ( والمُوارَبة ).
في هذا قال”إيبان” ، أنَّه لا يَدري ” إذا ما كان سَيُسْمَح للتّمييز القانوني بأن يكون له أي أثر عملي.” (على أرض الواقع) ” .
ومضى قائلاً، بأنه ” سوف يكون من الخطأ بمكان لأي من الحكومات المَعْنِيّة أن تلجأ ، فيما يتعلق بمشكلة اللاجئين ، لِما هُوَ مِنْ حَقٍ قانوني لها ، لحِرمان سكانٍ مِنْ ( أن يعودوا الى ) المناطق ( التي ينتمون لها )”.
بَدَلَاً عَن ذلك ، فإنَّ على الحكومة أن ” تبذل جُهْداً بَنّاءً لتَسريع إِعادة تَوطين(resettlement ) وإِعادة تَأهيل(rehabilitation ) تلك الأعداد من ( اللاجئين ) الذين يتم التوافق عليهم فيما بينهم أنفسهم ، دون أن ينزعجوا مِمّا اذا كانوا مُرْغمين قانونياً على قُبولهم من عدمه”.
يقول ” كويچلي” أن تلك الإضافة لجواب “إيبان ” بَدَت لِتَعني أنَّ إسرائيل سَوف لا تَختبىء خَلف ما ارتآه بأنَّه حق لها بِأَنْ تلجأ ( لتطبيق مبدأ ) السِّيادة وذلك فيما يتعلق باللاجئين ( الفلسطينيين ). ويَستطرد قائلاً ، بأن إيبان بدا كذلك ، وكأنه يُشير الى الدول العربية ، ويَضَع على كاهلها عِبء ( مسؤولية) إيجاد مَخرج ما لما يتوجب عمله ( بخصوص ) اللاجئين .
يُضيف ” كويچلي ” قائلاً بأن جواب ” إيبان” ذَهَبَ في إتجاهين متعاكسين . في الإتجاه الأول ، فإنه رأى أن إسرائيل ليست مُلْزَمة دَولياً لتقديم إجابة حول الكيفية التي تعاملت بها مع ( مسألة) اللاجئين . وفِي الإتجاه الثاني، فإن إسرائيل سَوف تَبذُل جُهداً ما لإيجاد حَلٍ لهذه المَسألة بالإتفاق مع الدول ( العربية) المجاورة .
الحديث مستمر ، وله أكثر من بقية .