Menu Close

في الأول من كانون الثاني من العام الفائت : ٢٠١٨ ، كتبتُ من هايدلبيرغ أقول :

الإثنين الموافق ١ كانون الثاني ٢٠١٨

اليوم هو الإثنين وهو الأول في العام الجديد …

كانت ليلة أمس مختلفة ،.. فَمَع أنَّ طَعام العّشاء في المَطعم الطِّلياني كان ” مْسَلْقَط ” ،.. ( على وصف المرحومة صديقتي العزيزة أم سليمان – ( أم رفيقتي مُنى )، إلا أنني أمضيتُ مع مُنى في البيت وقتاً جميلاً مع إحتفال ليلة رأس السنة الذي كانت تَعْرِضَه القناة الفرنسية – Al Magreb- Orient ، وكانت المَحَطّة الفرنسية تَعْرِض على شاشتها برنامجاً تلفزيونياً لفِرَقٍ مختلفة يقدم كل منها واحدة من أغانيها المُمّيّزة على المَسرح..!

وكانت بعض الأغاني المُقَدّمة قديمة كلاسيك …وكان الجُمهور الذي يَحضر العَرْض يُعَبّر عن تفاعله مع ما يُقَدَّم بمشاركة تِلكَ الفِرَق بالرقص والغناء معها وترديد الكلمات بشَغَف ،… وباختصار كان مهرجاناً غنائياً صاخباً شَعرتُ أني بحاجة للتفاعل معه وأنا أخرج بنجاح حتى الآن من نفق اللوكيميا اللعين ….!

وقد اندمجنا، أنا و مُنى، مع برنامج المَحَطّة ، ولم نُقاوم ما تَحمله موسيقاها إلينا من دَعوةٍ لنا للرَّقص ،.. فَرَقَصنا ، بِفَرَح ، وإندِماج ،… في الوقت الذي كانت فيه هِبَه وسَماء وغيث في منطقة ساحة بِسماركْ ، وسط المدينة ، والجِِسر القديم الذي يقطع نهر ” نيكار” ويربط ضفتيه بأواصر المحبة والفرح والصَّخَب ، يُشاركون أهل هايدلبيرغ إحتفالاتهم في شَوارِع المدينة بالعام الجديد وبطريقتهم كذلك …!

كانت أصوات الألعاب النارية لا زالت تَصِل إلى مَسامِعنا في “شَقَّتِنا” الصّغيرة عندما قّررنا الذهاب للنوم … !

وفي الصّباح ،… أخْبَرتنا سماء وهبه ، وكذلك غيث … أن أهل هايدلبيرغ قد إحتفلوا بالعام الجديد بطريقتهم ،.. وأنه ومع حُلول مُنتصف الليل ،… تَرَكُوا المَطاعم والمقاهي والبارات ،.. وخرجوا في أفواجٍ الى الشوارع ، يرتدون الملابس الوطنية ، وملابس عيد الميلاد ، وإتجهوا رجالاً ، ونساءً ، شباباً وشيبةً ،… نحو جِسر المدينة القديم وزجاجات الإنبيت والبيرة في أيديهم ،… وكذلك عُبُوّات الألعاب النارية ،.. وهُناك ،… شاركّ كل منهم ، وبطريقته ، في العيد بإطلاق ألعابه النارية كيفما إتفق ،… في الوقت الذي كانوا فيه يَشْربون ،.. ووَصَلَ بَعضهم حَدَّ الثّمالة ،…!

تحتفل شعوب العالم ، من أقصى طرف الى أقصى طرف بقدوم العام الجديد ، كُلٍ بطريقتها الخاصة ، وشعبنا في فلسطين ، ومنذ قرنٍ من الزمان يعيش حالة من الضياع والبؤس والشقاء وفقدان الأرض ، والبيت ، والمستقبل والأمل … شَعبنا يُعاني ، لأن دولة ما ، في العام ١٩١٧ إحتلت أرضه ، وقَرَّرَت أن تُقيم فيه وَطناً لمواطني بلدان أوروبا اليهود الذين تَعَرّضوا عبر قرون ماضية ، للإضطهاد على أيدي الأوروبيين أنفسهم ، ولإيواءِ ، أيضاً ، لجزءٍ من اليهود الأوروبيين ممن أُقيمت لهم في عددٍ من بلدان أوروبا ، مُعسكرات إعتقال ولجوء ، خلال وبعد الحرب العالمية الثانية ….. !

ومن سخريات القدر أن يجد شّعبنا نفسه، أطفاله، ونساءه ورجاله ، شبابه وشيبته، يَدفع الثَّمَن لجُرمٍ و / أو لذنبٍٍ لم يَرْتكبه هو بحق يهود أوروبا أو العالم،.. وأنْ يُشارك أيضاً في تَدفيعه ثَمَنَ إستضافته للاجئي أوروبا اليهود ، أطفالهم ، ونساءهم ورجالهم ، يهود أوروبا أنفسهم ، بعد أن حَوّلتهم الصهيونية وفِكْرها التمييزي العُنصري البغيض من ضحايا إضطهاد الى مُضطَهدِين ، وجزّارين ، وجلّادين ، ومُغتصبين ، ولُصوص ، ومُزّوِّرين ،….!؟ ،

ما أقسى البَّشَر عندما يتحول بعضهم الى وحوشٍ كاسِرة …!

وما أعظم تَقصيرنا عندما عَجِزَ ، و /أو فَشِلَ ، و /أو تأخّرَ كُتّابنا ، ومُثقفينا، وسياسيونا ، وقادة الرأي فينا ، وفَنّانونا ، وإعلاميونا ومناضلوا شعبنا ومقاتلوه …. في إختراق الجُدران الى صُلب وعي الإنسان الأوروبي واليهودي ، ووعي البَّشَر في كل البلدان ، لتبيان حجم الجريمة التي إرتُكِبَت بحق شعبنا ، وفِي توظيف الوعي وتجنيده في خدمة قضيتنا الوطنية ، ولاسترجاع حقوق شعبنا المسلوبة… !

في المَساء،… قَرَّرنا أن نّتّنّشَّط ونَخرج من البيت ،… مُنى كانت تحس ببَعضٍ من تّعَب بعد أن أعدَّت طَبْخة ” المجَدَّرَه “،… فقررت أن تَبقى في البيت تلتمس بعض الرّاحة …

ذَهَبنا إلى الضِّفة الأُخرى من نهر ” نيكار ” ،.. حيث يقطن أغنياء هايدلبيرغ ،…

لَمْ نَتَمكنْ من إيجاد طاولة في المقاهي التي كانت تَستَقبِل الزّبائن …. فقَرَّرنا العودة الى ساحة بِسماركْ حيث التقينا هناك بغَيث ،… وأمْضَينا ساعتين في مقهى ، تبادلنا فيه أطراف الحديث ،.. وأشْغَلتنا فيه هِبَه في إستذكار المقالب التي حصلت معها خلال السنوات العشر الماضية ،..!

لَمْ أرغب أن أستذكر ما حّصَل لي ، ومَعنا في هذا العام الحافل بالأحداث ،… !

قَرَّرتُ أن أطوي الصفحة ،.. وأنظر الى أمام ،.!