Menu Close

في الثالث من كانون الثاني ٢٠١٩ – في الرابعة من صباح يوم الخميس

الثالث من كانون الثاني ٢٠١٩- يوم الخميس / الساعة الرابعة صباحاً

كُلَّما حاولتُ الخلود الى النوم ، كانت تُداهمني تلك الأفكار عن فلسطين ، والفلسطينيين ، وقضيتهم …!

وكلما كنت أحاول إشغال نفسي وفكري بأمر آخر ،… كانت القضية تعاود مداهمتي ، وتطرد النوم من عيناي ، وتوحي إليَّ بأنَّ عليَّ مسؤولية ما ،…وأنه من غير المسموح أن أهرب أو أتهرب منها …!

ولما فَشِلَتْ محاولاتي التحايل على النفس ، وعلى الإنفلات من الإنشغال الفكري ،… وَجَدْتُني أُذعن لهذا الهاتِف في داخلي ، فَقمتُ من التَّخت ، وتَوجّهتُ الى حيث يُشحن موبايلي … تَناوَلته من الشّاحن ، وعُدتُ به الى السَّرير ،… وَقَرَّرتُ أن أَكتُب …!

سأحاولُ في هذي الخاطِرة تبسيط الأمور الى أقصى قدر ممكن ،… وسأحاولُ تَغليب المَنطق ، والعقل ، وأن أبتعد عن العاطفة قَدْرَ ما أستطيع …! ، فإن نَجِحتُ ، فَأستحقُّ عندها كلمة “براڤو ” ، وإذا ما فشلت ، فسأعتمد على سِعة صدر من يُقرأ ما سَتَخطّه يدي ، وعلى حِلْمِه أيضاً،.. وسأَتَطَلّّع أنْ يَعذرني …!

ولكي لا نتوه في جَدَليات الحق التاريخي للفلسطينيين العرب في أرضهم كلها، وحقهم بالتالي بإستعادتها والعودة إليها ، فإن حَلَّ قضيتهم على أساس الإستناد الى هذا الحق يحتاج لحلٍ على النّمط الذي إختطه صلاح الدين الأيّوبي عندما عَبَّأ شعوب بلاد المَشرق والمَغرب من العرب والكرد ، والبربر ، وغيرهم من الأعراق التي تَعيش فيهما ، وجَنَّدَ حَمْلَته العظيمة لإنهاء إحتلال الفرنجة للأراضي التي إحتلتها قواتها في المشرق العربي بما فيها فلسطين وأجزاء مما يعرف الآن بسورية ولبنان .

هذا الحل الأيّوبيِّ النّمَط يحتاج تحقيقه – وعلى الأخص بعد صدور قرار الشرعية الدولية في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧ بتقسيم فلسطين وإقامة ثلاثة كيانات على أرضها ؛ كيان لدولة يهودية ، وكيان لدولة فلسطينية عربية ، وكيان لحكم دولي على القدس وبيت لحم ومناطق محيطة بهما – أقول ، يحتاج تحقيقه الى سِيادة مَوازين قوى دولية جديدة مختلفة في المنطقة وفِي العالم ، تسمح بإعادة تَعريف الحقوق ، وتَملك سلطة فَرضها إن لم يكن بالقوة ، فبالإقناع أو الإذعان، وهو حل مَحفوف بمَخاطر كبرى في ظل إمتلاك دولة الكيان الصهيوني للسِّلاح النّووي ، والنُّزوع المتزايد للصهيونية نحو الإمعان في تبني سياسات بالغة التطرف والعنصرية .

بناء على ما سبق ، فإن الحلَّ الذي أتبناه في هذه الخاطِرة هو حَلٌ يستند على الشرعية الدولية بالكامل ، وعلى الأخص القرارين رقم ١٨١ و ١٩٤ الصادرين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ وفِي ١١ كانون الاول ١٩٤٨ بالتوالي، والقرار الأول هو قرار ناضَلت الصهيونية العالمية بشراسة وإلحاح لإستصداره من المنظمة الدولية الجديدة ( منظمة الأُمم المتحدة ) ،أقول ، ناضَلَت هي مع ما إستطاعت تجنيده من حُلفاء من بلدان العالم ، وبما إستطاعت إستدراره من عطف ودعم وتفهم من دول وشعوب العالم ، لاستصدار قرارٍ لتقسيم فلسطين ، وإقامة دولتين على أرضها ، مُسْتَثمِرة أو ِمُستَغِلّةً العذابات والمعاناة والأوضاع اللاإنسانية البالغة القسوة التي تَعرَّض لها يهود أوروبا في معسكرات الإعتقال التي أُقيمت لهم، ولغيرهم من المواطنين الأوروبيين على الأرض الأوروبية إبان الحرب العالمية الثانية، واللذين إنتهوا بعد إنقضاء تلك الحرب الى وضعية لاجئين يُقيمون في مخيمات اللجوء الأوروبية ، يبحثون على مكان يمنحهم الأمن والأمان والأمل ، ويفسح أمامهم فرصةً لإعادة بناء حيواتهم من جديد بعيداً عن الأرض التي إضهدوا فيها ، أقول مرة ثانية ، ناضَلَت الحركة الصهيونية العالمية لإستصداره ، وليكون على النحو الذي يسمح بإقامة دولة لليهود في فلسطين على ٥٥٪؜ من مساحة أرضها ؛دولة تسمح باستيعاب جزء من أؤلئكَ اللاجئين اليهود من مواطني البلدان الأوروبية الراغبين بالهجرة الى فلسطين للعيش فيها ، مع مواطني الدولة اليهودية من يهود وفلسطينيين عرب كما قضى القرار ١٨١ ، و يُفضي بالتالي الى تحريرهم من العيش في مخيمات البؤس التي أُقيمت لهم على الارض الأوروبية .

ولأن القرار ١٨١ هو قرار الشّرعية الدولية ، وهو الأساس الذي إستندت عليه الحركة الصهيونية العالمية ويهود فلسطين ممن هُجِّروا إليها إبان حكم الانتداب البريطاني عليها في إقامة دولة يهودية في فلسطين في ١٤ أيار ١٩٤٨ ، وهو القرار الذي إلتزمت حكومتها أمام الجمعية العامة للأُمم المتحدة بإحترام أحكامه وتنفيذها، في ١١ أيار ١٩٤٩ ، كمُتَطَلّب وإشتراط لقبول عضويتها في الامم المتحدة ، فإن دولة الكيان الصهيوني لا تَمْلِك حق المُطالَبة بإلغاءه ، لأن إلغاءه يَسحب منها حق الوجود ، والحق الذي بموجبه تم الإعتراف بعضويتها في المجتمع الدولي وفِي الأُمم المتحدة.

ولهذا السبب ، ولأنه ، أي القرار ١٨١، هو القرار الأُممي الوحيد الذي جَارَ على الحق التاريخي للفلسطينيين في وطنهم بكليته ، وإقتطع ٥٥٪؜ من أرضهم، وخَصَّصَها لإقامة دولة يهودية يعيش فيها سكانها اليهود والعرب ، مواطنين فيها جنباً الى جنب وعلى قدم المُساواة ، في حين خصص ٤٤٪؜ من مساحة وطنهم لإقامة دولة عليها لسكانها من الفلسطينيين العرب ، ولأن المجتمع الدولي هو من أقرَّ قرار التقسيم ، وهو من حَدَّدَ لكل من الدولتين حدودهما لأقرب متر ، وهو الذي حَدَّدَ أحكاماً لَمْ تَمنح، بموجب إشتراطات القرار ذاته ، للمؤسسات التشريعية لأي من الدولتين حَقّ سَنِّ تشريعات أو قوانين تتعارض مع أحكام القرار ذاته دون موافقة مُسبقة من الجمعية العامة للامم المتحدة على ذلك ، فإن على الفلسطينيين العرب أن يَستندوا في نضالهم لتحقيق أهدافهم وتطلعاتهم الوطنية على قرار الشرعية الدولية ذاته ، أي إلى القرار ١٨١ ، لأنه القرار الذي شَرّع للفلسطينيين العرب حق إقامة دولتهم على جزء من أرضهم التاريخية.

رُبَّ سائلٍ يَسأل ؛ وهل للمشروع الوطني الفلسطيني المستند على أحكام القرار ١٨١ أي فرصة حقيقية للتحقيق في ظل الظروف الدولية والإقليمية القائمة في هذا العالم ؟

أقول ، إن الجواب على ذلك هو : نعم ، كبيرة …!

فالمجتمع الدولي لا زال محكوماً حتى اللحظة هذه بأحكام الشرعية الدولية والمواثيق والمعاهدات المنبثقة عنها ،…!

والرأي العام الدولي لشعوب العالم ، وجُزء مُتنامٍ من قادة الرأي فيه ، ومفكريه ، ومثقفيه ، وفنانيه ، ورواده من أساتذة جامعات ، وكتاب ، وشعراء، ورسامين ، وممثلين ، وطلبة ، وأصحاب الضمير ، و…الخ ، أقول ، لا زالوا يُقيموا الإعتبار لمَنظومة القِيَّم الإنسانية ، ويَرفضون الإضطهاد، ويَنبذوا الدول التي تُشرِّع الأبارتهايد، وكل أشكال التمييز ، وعلى الأخص سياسات التمييز العُنصري ،..!

وتتمتع القضية الفلسطينية اذا ما أُحسن تَقديمها وعَرْضَها ، بعناصر قُوّة على الصعيد الأخلاقي والحقوقي ، لا تملكها قضية أخرى في عالم هذا اليوم .

السؤال إذن ، يَنْصَبُّ حول تحديد ما يَتَعيّّن على الفلسطينيين العرب ، أصحاب القضية عَمَله ، لغاية توليد الشروط المؤاتية لتحقيق أهدافهم الوطنية في إطار قرارات الشرعية الدولية ، ومنظومة القيم الإنسانية ..؟

و ذلك ، هو ما سأتناوله في يومية أُخرى.