الخاطِرة رقم (٢) – ٤ كانون الثاني ٢٠١٩
كتبتُ البارحة الخاطِرة رقم (١) من سلسلة خواطر سأكتبها في الأيام القلية القادمة .
لقد أنهيتُ خاطرة يوم أمس بتساؤل ، يقول :
“السؤال إذن ، يَنْصَبُّ حول تحديد ما يَتَعيّّن على الفلسطينيين العرب ، أصحاب القضية عَمَله ، لغاية توليد الشروط المؤاتية لتحقيق أهدافهم الوطنية في إطار قرارات الشرعية الدولية ، ومنظومة القيم الإنسانية ..؟”
للإجابة على هذا التساؤل ، سأضطر للطلب إليكم أن ترافقوني في هذه الجولة في ساحات فلسطين ذاتها ، وساحات البلدان المحيطة بفلسطين ، وساحات الفلسطينيين في بلدان الشّتات ، وفِي فضاءات الزمن والتاريخ القريب .
في التاسع من كانون أول ١٩١٧، حَصل زلزال في فلسطين ، بتمكن القوات البريطانية المُنْطَلِقة من مصر ، وبمَعونة ومساعدة وحدات من القوات العربية المنضوية في ألوية الثورة العربية الكبرى ، وبقيادة الجنرال أللنبي من إلحاق الهزيمة بالقوات العثمانية المرابطة في القدس ، وإستسلام المدينة ودخول القوات البريطانية لها لأول مرة منذ أن خَرَجت قوات الفرنجة منها في ٢ تشرين أول من العام ١١٨٧.
حسب الإحصائيات العثمانية لعام ١٩١٤ ، فقد كان العدد الإجمالي لسكان فلسطين في ذلك العام ما مجموعه ؛ (٧٩٧،٠٠٠) نسمة ، منهم (٦٥٧،٠٠٠) عربي مسلم ، و (٨١،٠٠٠) نسمة عربي مسيحي ، و (٥٩،٠٠٠) عربي يهودي ويهودي مهاجر .
هذا وقد إرتفع عدد يهود فلسطين ما بين عامي ١٨٨١ و ١٩١٤ من (١٢،٠٠٠) عربي يهودي ، الى (٥٩،٠٠٠) يهودي .
نَجَمَ الإرتفاع الكبير لعدد اليهود في فلسطين نتيجة هجرة اليهود الروس والبولنديين وغيرهم خلال فترة ما قبل إندلاع الحرب العالمية الاولى في آب ١٩١٤.
حصلت هجرة اليهود الرُّوس الى فلسطين على موجات كانت أهمها الموجة التي حصلت بعد إغتيال قيصر روسيا ألكسندر الثاني في ١٣ آذار ١٨٨١ على يد مجموعة كان أحد أفرادها مواطن روسي يهودي ، وما تَبِعَ ذلك من أعمال إضطهاد وملاحقة للمواطنين الروس اليهود وتدمير لممتلكاتهم في عشرات المدن والبلدات الروسية ، وحَصَلَت موجة هجرة أخرى كبرى الى فلسطين خلال الثورة الروسية ما بين عامي ١٩٠٥ و ١٩٠٧ .
وعليه، ومع العام ١٩١٤ ، كان اليهود قد تمكنوا من إقامة (٤٣) مستوطنة يهودية في فلسطين وذلك قبل سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى.
في آب ١٨٩٧، تَمَكَّن مواطنون أوروبيون يهود من التّجمع والإجتماع في مؤتمر في بال في سويسرا ناقش فيه المجتمعون فكرة الحاجة الى إنشاء دولة لليهود في مكانٍ ما من العالم والتي طرحها الصّحفي النمساوي اليهودي ثيودور هرتزل لتخليص يهود أوروبا من أسر الچيتوات التي أُقيمت في اوروبا لمواطنيها من اليهود ، وبذريعة تحريرهم من الإضطهاد الذي كانوا يتعرضون له عبر القرون في أوروبا.
كان تيودور هرتزل قبل عام من إنعقاد المؤتمر قد أصدر كتابه ” دولة اليهود” ، والتي إستثمر فيها إضطهاد الأوروبيين لمواطنيهم اليهود لتحويل اليهودية الى حركة قومية ترمي إلى تحرير يهود أوروبا من الإضطهاد ، وأرادها أن تكون مشابهة لحركات الشعوب الأوروبية القومية في مطلع القرن التاسع عشر .
أطلقت تلك الحركة على نفسها إسم الصهيونية ، وأصبحت الصهيونية عنواناً للحركة التي إستهدفت إنتزاع اليهود الأوروبيين من مجتمعاتهم وأوطانهم ، وتجميعهم في فلسطين من أجل بناء وطن قومي لهم فيها، أي بمَثابة الحركة القومية لما إعتبروه ” الشعب اليهودي” .
وعليه ومنذ العام ١٨٩٧، وبَعْدِه ، تَمَكّنت المؤتمرات الصهيونية التي إنعقدت في أوروبا من بناء مؤسساتها وهياكلها ، وتجنيد وتعبئة طاقات اليهود الأوروبيين ، وشن حملة علاقات عامة شاملة في أوساط الطبقات والأحزاب السياسية الأوروبية.
وجاء سقوط الدولة العثمانية وانهزامها في الحرب العالمية الاولى ، وإحتلال بريطانيا لفلسطين لتوفر للحركة الصهيونية فرصتها التاريخية الفريدة لتحويل مشروعها الصهيوني من مجرد مشروع لتطلعات اليهود الأوروبيين الى مشروع تبنته بريطانيا العظمى والتي كانت إحدى القوى العظمى التي خَرَجت منتصرة في تلك الحرب، إن لم تكن أقواها .
لَعِبَت بريطانيا دوراً مدمراً في حياة الشعب العربي الفلسطيني ، وفي حيوات شعوب منطقتنا منذ أن تمكنت من إحتلال فلسطين وشرق الاْردن والعراق .
فبعد إحتلالها لفلسطين في العامين ١٩١٧ و ١٩١٨، وتبنيها المشروع الصهيوني ، لَعِبَت الدبلوماسية البريطانية الدور الحاسم في تحويل المشروع الصهيوني من مجرد مشروع ليهود أُوروبا إلى مشروع دولي عبر إلزام “عُصْبة الأُمم” League if Nations – التي شكلتها الدول المنتصرة في الحرب في ١٠ كانون الثاني من العام ١٩٢٠– إعتماد نظام الإنتدابات على شعوب الدول التي إنهارت الإمبراطوريات الحاكمة لها نتيجة للحرب الكونية ، وعبر إلزام الدولة التي إختارتها “العُصْبة” لتكون مُنْتَدَبة على فلسطين القيام بمهمة تهيئة أحوال فلسطين ، خلال فترة إنتدابها عليها ، لإنشاء وطن قومي لليهود فيها ، وعبر تضمين صك الانتداب شرط إلزام الدولة المُنْتَدَبة بالتنسيق لهذا الغرض مع ممثلي الوكالة اليهودية أي مع ممثل الحركة الصهيونية العالمية في فلسطين ، وعبر فتح أبواب فلسطين لهجرة اليهود إليها وتسهيل أمور وشؤون استيطانهم فيها بما في ذلك نقل ملكيات الاراضي اليهم .
ما بين العام ١٩١٤ و تشرين الثاني من العام ١٩٤٧، نجحت الحركة الصهيونية العالمية بدعم ومساندة الدولة المُنْتّدَبة على فلسطين ( أي المملكة المتحدة – بريطانيا) من زيادة عدد اليهود في فلسطين من (٥٩،٠٠٠) نسمة الى (٦٠٨،٠٠٠) نسمة ، أي بما نسبته (٧،٤٪) الى (٣١٪) من مجموع سكان فلسطين والذين بلغ عددهم الإجمالي في العام ١٩٤٧ ما مجموعه (١،٩٧٢،٠٠٠) نسمة ، وخلال هذه الفترة ، فقد إرتفع عدد المستعمرات اليهودية الصهيونية في فلسطين من (٤٣) مستعمرة في العام ١٩١٤ الى (٢٨٥) مستعمرة في العام ١٩٤٧/ ١٩٤٨.
كان الإنجاز المشار اليه أعلاه ، في اعتقادي، هو النجاح الثاني الكبير للحركة الصهيونية العالمية .
أما النجاح الكبير الثالث الذي أحرزته الحركة الصهيونية ، فقد تمثل في إستغلال مأساة المواطنين الأوروبيين اليهود والإضطهاد البالغ الذي تعرَّضوا له إبان الحرب العالمية الثانية ، واستثمار مأساتهم الإنسانية في تجنيد التأييد في أوساط منظمة الأُمم المتحدة – وهي المنظمة الدولية التي خلفت عُصْبة الامم – لإستصدار القرار رقم ١٨١ من الجمعية العامة للأُمم المتحدة ، وهو القرار الذي قضى بتقسيم فلسطين الى ثلاثة كيانات[ الإحصاءات عن السُّكان من مقال الدكتور وليد الخالدي المعنون ” عودة الى قرار التقسيم – ١٩٤٧” المنشور في مجلة دراسات فلسطينية – المجلد رقم (٩) العدد (٣٣) – شتاء عام ١٩٩٨ ] :
• كيان لدولة يهودية ، يُقام على ٥٥٪ من مساحة فلسطين . أما سكان هذه الدولة فكان عددهم عند صدور قرار التقسيم (٤٩٩،٠٠٠) يهودي ، و (٤٣٨،٠٠٠) فلسطيني عربي
• كيان لدول فلسطينية عربية يُقام على ٤٤٪ من مساحة فلسطين . أما سكان هذه الدولة ، فكان عددهم (٨١٨،٠٠٠)فلسطيني عربي منهم (٧١،٠٠٠) في جيب يافا ، و (١٠،٠٠٠) يهودي .
• كيان لحكم دولي على مدينة القدس ومحيطها وهي بمساحة تُقَدّر بِـ ١٪ من مَساحة فلسطين. أما هذه المنطقة فكان عدد سكانها (١٠٥،٠٠٠) فلسطيني عربي ، و (١٠٠،٠٠٠) يهودي.
لقد بَدأت نَكبة الشعب الفلسطيني تتبلور على نحو مأساوي جسيم وبشكل متسارع جداً بعد صدور قرار التقسيم ، أي بعد ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ . وهو الوقت الذي حَقّقت فيه الحركة الصهيونية نجاحها الرابع الحاسم .
سيكون هذا الأمر هو موضوع الخاطِرة رقم (٣) .
لكن، قبل أن ننهي خاطرة هذا اليوم ، دعونا نتفحص في البواعث وراء النجاحات التي حققتها الحركة الصهيونية خلال نصف قرن من تاريخ عقدها لمؤتمرها الأول في بال في آب ١٨٩٧.
• الباعث الاول للنجاح يكمن في نجاحها في تنظيم طاقات وإمكانات اليهود ، وتشكيل هياكلها التنظيمية ، وأُطر عملها الجامعة لكل الأجنحة والتيارات الصهيونية وغير الصهيونية ، اليمينية واليسارية والوسطية ، الدينية والعَلمانية ، واعتماد واحترام مبادىء العمل الديمقراطي بصرامة ، واختيار القِيادات بأساليب الإنتخاب والعمل الديمقراطي، مع الإلتزام بالشفافية والمحاسبة والحوكمة ….! .
• الباعث الثاني للنجاح يكمن في قرائتها الصحيحة للوضع الدولي والقوى المؤثرة وموازين القوى والإشتغال عليها لكسب تأييدها .
• الباعث الثالث للنجاح يكمن في نجاحها في تكوين مؤسسات دراسة وعمل في فلسطين، وخارج فلسطين ، تجمع المعلومات ، وتوفيرها للدّارسين ، والتي يتم الإستناد عليها في تشكيل السياسات ووضع الخطط .
• الباعث الرابع للنجاح يكمن في نجاحها في كسب تأييد القوة العظمى في كل وقت ؛ أي بريطانيا ، قبل انتهاء الحرب العالمية الاولى المتمثل في نجاحها في إستصدار وعد بلفور في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧ ،ونجاحها في إبقاء الدعم والتأييد البريطاني خلال فترة ما بعد الحرب الكونية الاولى ، وكذلك الولايات المتحدة لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، هذا مع إبقاء قنوات الاتصال والتنسيق مفتوحة مع باقي الدول العظمى والمؤثرة .
• الباعث الخامس للنجاح يكمن في نجاحها في حَمْل بريطانيا وفرنسا على قبول تمثيل الحركة الصهيونية في فعاليات مؤتمر الصُّلح في باريس المنعقد في العام ١٩١٩، والمشاركة في صياغة السياسات العالمية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى.
• الباعث السادس للنجاح يكمن في نجاحها في حَمل مجلس عُصْبة الأُمم لتبني وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني ، وفِي تضمين صك الانتداب مسؤولية أُلقِيَت على الدولة المنتدبة ( بريطانيا) لتنفيذ وعد بلفور ولتهيئة أحوال فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين والتنسيق في هذا الخصوص مع مكتب تمثيل للحركة الصهيونية مقيم في فلسطين .
• الباعث السابع للنجاح يكمن في نجاحها في تعطيل تشكيل أي مجلس نيابي منتخب في فلسطين وفِي كسب تأييد سلطات الانتداب البريطاني في هذا الشأن.
• الباعث الثامن للنجاح يكمن في نجاحها في إقامة ٢٨٥ مستعمرة في فلسطين ، في مواقع استراتيجية مدروسة ، حول المدن والقرى العربية ، وفِي مناطق أُخرى مختلفة، ونجاحها في زيادة عدد اليهود في فلسطين من ٧.٤٪ في العام ١٩١٤ الى ٣١٪ ( من مجموع عدد سكان فلسطين) في العام ١٩٤٧.
• الباعث التاسع للنجاح يكمن في نجاحها في إستثمار مآسي اليهود الأوروبيين في أوروبا وما تعرضوا له من إضطهاد في روسيا وبولندا وفرنسا وغيرها من الدول في فترة ما قبل الحرب العالمية الاولى ، ثم ، في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وإبانها ، وتوظيف ذلك في استدرار عطف الرأي العام العالمي ودوّل العالم المؤثرة وغير المؤثرة ، وتحويل هذا التعاطف الى مواقف دعم وتأييد أفضت الى نجاحها في استصدار قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧.
• الباعث العاشر للنجاح يكمن في نجاحها في استثمار وجود ومواقف وأعمال منظمات صهيونية، سياسية ومسلحة ، متباينة في المواقف وفِي الاتجاهات وفِي الميول والمعتقدات لخدمة الهدف الصهيوتي الأسمى.
السرد والتحليل أعلاه يبين أهمية العمل على كل المستويات ، الدولية ، والإقليمية ، والمحلية ، وفِي كل مجالات العمل بلا استثناء ….
سأنهي هذه الخاطِرة عند هذا الحد …