Menu Close

الخاطِرة رقم (٦)- الأربعاء ٩ كانون الثاني ٢٠١٩

الخاطِرة رقم (٦) – الأربعاء الموافق ٩ كانون الثاني ٢٠١٩

في هذه الأيام، تَسْتَعِر ما بين السُّلطة الفلسطينية في رام الله وسُلطة حماس في قطاع غزة حَربٌ ضَروس ،…! وكأنما قد أنجزنا مَهام التّحرر الوطني ، وطَرَدنا الإحتلال ، وأصبحنا نَعيش في كَنَفِ الدولة المدنية الفلسطينية ضمن حدودها التي أقرَّتها الشّرعية الدولية، حيث يَجوز للأحزاب والمنظمات الوطنية الفلسطينية عندها أن تتمتع بتَرَف التنافس ، ورُبّما أن تصْطَرع على الحُكم وتَسَلُّم السُّلطة ، وحيثُ يجوز أيضاً إعتبار من يَتَمَرَّد على السُّلطة الشرعية مُنْشَقاً أو مُتَمَرِّداً …!

الصِّراع بين رام الله وغزة في هذه المرحلة وضمن الشروط القائمة هو صراعٌ عَبَثي ، ويحمل مَخاطر حقيقية قاتِمة تُهدد المشروع الوطني الفلسطيني برمته ،وتضع الحقوق الوطنية على كفِّ عِفريت ، وهو صِراعٌ يجب أن يتوقف .

إني أتساءل ؛ عَلامَ نَختلف …!؟

في هذه الخاطِرة ، سأحاول تعريف حقوقنا الوطنية الفلسطينية فيما يتعلق بالقطاع الجنوبي من فلسطين كما تُمليه الشّرعية الدولية ، وليس كما يمليه الحق التاريخي لشعبنا في فلسطين كلها ، وهو حق مقدس.

سأحاول تعريفها كَي نتمكن من الإجابة على التساؤل أعلاه، ولكي نعرف أن ما حققناه حتى الآن لا يستحق أبداً أن يكون موضع إختلاف تتصاعد مَدَياته الى أبعادٍ خطيرة جداً ومرفوضة …!

الموضوع لا يجب أن يتم التعامل معه من منطق وعُرف وروح الإنتقام والثأر العشائري وقبائليات التّعامل….!

لندخل في صُلب الموضوع …!

الخارطة أدناه تُعَرِّف الحدود الجغرافية لفلسطين في القِطاع الجنوبي منها ، وذلك كما حددها قرار الشرعية الدولية بتقسيم فلسطين رقم (١٨١) الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧ ، ويُعَرِّف القرار نفسه حقوق مواطني فلسطين في دِيارهم ؛في مدنهم وقراهم التي تقع ضمن الأراضي المخصصة للدولة اليهودية في القرار ، كما يُحدد حقوق شعبنا في الممتلكات الفلسطينية العامة وفي المواطنة….الخ

بناءً على قرارٍ لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون إتخذه في صيف عام ٢٠٠٥ ، إنسحبت إسرائيل من غزة إنسحاباً أُحادي الجانب ، أو ما سُمِّيَ آنذاك إسرائيليا بخطة “فك الارتباط”، وبموجب خُطته، تم إخلاء تسعة عشر مستوطنة / مستعمرة صهيونية من أراضي القطاع.

 

الإنسحاب الإسرائيلي الذي تم في ذلك الوقت كان جُزئياً ، وبقيت مناطق واسعة من الأراضي المُخصّصة للدولة العربية الفلسطينية بموجب قرار التقسيم مُحتلة من قبل القوات الإسرائيلية ، ومُقام عليها عشرات المستوطنات / المستعمرات الصهيونية.

كما أن الإنسحاب الإسرائيلي في ذلك الوقت وفِي حقيقة الأمر ، إقتصر على تحريك قواته ( إعادة تموضع RE- deployment ) إلى خارج مناطق مُحتلة من قطاع غزة ، وأبقى الأراضي التي إنسحب منها مُحاصرة براً ، من الخارج ، وكذلك بحراً ، وأبقى السّيطرة على أجواء تلك الاراضي في يَده .

وبمعنى آخر ، فقد حَوّلت دولة الكيان الصهيوني العُنصري المناطق التي إنسحبت منها في القطاع الجنوبي من فلسطين الى “چيتو” كبير ، أي ” مَعْزَل سُكّاني ضخم ” ، لا مثيل له في التاريخ الحديث ، وعلى الأخص في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ونقلت بموجبه المسؤوليات عنه كلها الى سلطة رام الله ، بمعنى أنها تحررت من مسؤولياتها الدولية بِصِفَتها قوة مُحتلة تجاه مواطني الأراضي التي إحتلتها ، وبمعنى ، أنها في حقيقة الأمر ، قدمت هَدِيّة كبرى مسمومة للسلطة الفلسطينية في رام الله، وحررت نفسها من عبءٍ لا مثيل له .

وأمام العالم والرأي العام الدولي ، رَوَّجَت دولة الكيان الصهيوني منذ العام ٢٠٠٥ لخطة “فك الإرتباط” التي نّفَّذَتها في منطقة غزّة على أنه إنسحاب أحادي الجانب ، والمؤسف أن الإعلام الفلسطيني والعربي قد شارك في ترويج هذا المفهوم الزائف في أوساط الفضاء الوطني الفلسطيني ، والعربي ، وأيضاً الدولي.

ولتبيان ضآلة ما تم تحقيقه ، دعونا نحاول تحديد الحقوق الوطنية الفلسطينية في القطاع الجنوبي من فلسطين المتوافق مع قرارات الشرعية الدولية .

إنَّ إنجاز حقوق شعبنا الوطنية كما أقرَّتها الشرعية الدولية في قرار التقسيم المشار اليه أعلاه، وكما إلتزمت به دولة الكيان في وثيقة “إعلان إقامة دولة إسرائيل” في ١٤ أيار ١٩٤٨ ، وفِي القرار ٢٧٣ الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ١١ أيار من العام ١٩٤٩ – والذي تم بموجبه قبول عضويتها في الامم المتحدة – ، وذلك فيما يتعلق بالقطاع الجنوبي من فلسطين ، الشامل لقطاع غزة ، تتضمن تحقيق الأهداف التالية :

١- إستكمال الإنسحاب الجغرافي من باقي أراضي الدولة العربية الفلسطينية في القطاع الحنوبي من فلسطين ، وكما هي مُبَيّنه في الخريطة أعلاه ، ومُحدّدة في قرار التقسيم رقم ١٨١، بما يسمح بإعادة اللاجئين الفلسطينيين الذين طُرِدوا من دِيارهم في تلك الأراضي الى قطاع غزة قبل وبعد ١٤ أيار ١٩٤٨ ، إليها.

٢- إلتزام دولة الكيان الصهيوني بعدم إنتهاك الحدود البحرية والجوية الدولية المحددة بموجب المواثيق الدولية للدول ، بما في ذلك دولة فلسطين العربية المُعَرَّفة حدودها في قرار التقسيم رقم ١٨١.

٣- إلتزام دولة الكيان الصهيوني بإعادة اللاجئين الفلسطينيين الذين طَرَدتهم قوات دولة الكيان الصهيوني قبل وبعد ١٤ أيار ١٩٤٨ من دِيارهم في فلسطين إلى منطقة قطاع غزة ، أقول، إعادتهم الى دِيارهم في البوادي والقرى والمدن الواقعة ضمن الحدود المُخصصة للدولة اليهودية في فلسطين والتي طُرِدوا منها، وإعمال القرار الدولي رقم ١٩٤ الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ١١ كانون اول من العام ١٩٤٨ في هذا الخصوص .

٤- إحقاق حقوق فلسطينيي القطاع الجنوبي من فلسطين بما يتوافق مع أحكام القرار ١٨١.

٥- إعتبار تحقيق المطالب الفلسطينية أعلاه خطوة مرحلية على طريق إستكمال تحقيق جميع الحقوق الوطنية الفلسطينية كما يحددها ويرسمها قرار التقسيم رقم ١٨١ فيما يتعلق بباقي الاراضي المخصصة في قرار التقسيم للدولة العربية في فلسطين.

وعلينا أن نَعي ، أن دولة الكيان الصهيوني ، عندما أعادت فك إرتباطها في منطقة غزة ، فقد كان هدفها المركزي يتركز في التخلص من كتلة سكانية فلسطينية عربية يقدر عددها بنحو مليوني نسمة أغلبهم من اللاجئين الفلسطينيين الى أراضي منطقة قطاع غزة .

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الكثافة السكانية في منطقة قطاع غزة والتي تَصِل الى نحو خمسة آلاف فرد في الكيلومتر المربع الواحد ، ومحدودية موارد القطاع الطبيعية ،… والحِصار الخانق المطبق على القطاع اسرائيليا وعربياً وفلسطينياً ، فإن الأوضاع في القطاع تتحرك بسرعة بالغة الى كارثة إنسانية لا مثيل لها ، وهذا يستدعي مِن منظمة التحرير ، والفصائل الفلسطينية وجامعة الدول العربية والدول العربية ، أن تنخرط جميعها فوراً في خطة شاملة تستهدف فَضح أبعاد خطة “فك الارتباط” التي نفذتها دولة الكيان الصهيوتي في منطقة قطاع غزة في العام ٢٠٠٥ ، أقول ، فضحها فلسطينياً وعربياً ودولياً ، وتسمية الأمور بمُسمياتها الحقيقية ، لأن ذلك يُعتبر ، في رأيي ، ركناً أساسياً في مَعركة إحقاق الحقوق الوطنية الشاملة للشعب الفلسطيني .

المَطالب أعلاه ، يجب أن تشكل الأساس الذي يتعين أن تلتقي عليه المنظمات والفصائل الفلسطينية المُندرجة تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية و خارجها ، ويتعين أن تُشَكِّل جوهر البرنامج الوطني النضالي الفلسطيني فينا يتعلق بالقطاع الجنوبي من فلسطين ، وعلى مَسْطَرَته يجب أن تُقاس الإنجازات الوطنية في ذلك الجزء من فلسطين.

تلك ، في رأيي ، هي المُهمة المُناطة بمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائل العمل الوطني الفلسطينية في هذه المرحلة ، ويتعين في إطار ذلك ، أن يتم إعادة تشكيل المؤسسات الحاكمة في قطاع غزة .

وعليه ، فإن ، إعتبار غزة منطقة مُتمردة على نظام السلطة في رام الله هو مفهوم خاطىء قلباً وقالباً .

إنَّ غزة بصفتها جُزْءاً من القطاع الجنوبي لدولة فلسطين العربية المحددة حدودها في قرار التقسيم هي منطقة فلسطينية عربية يُحَرّم مُحاصرتها لا فلسطينيا ولا عربياً ولا من قبل أي كيان في هذا العالم .

منظمة التحرير الفلسطينية المطلوب اعادة تشكيل هياكلها وإعادة النظر في برنامجها الوطني هي المسؤولة عن قطاع غزة ، وليس حماس ولا فتح ولا السُّلطة المرهونة أمنياً وأقتصادياً لدولة الكيان الصهيوني…وعلى القوى الفلسطينية المعنية أن تتحرك معاً من موقع المسؤولية الوطنية لتفعيل هذا المفهوم .

إن التمسك بمطالب أساسية مُنسجمة مع الشرعية الدولية ( القرار ١٨١ والقرار ١٩٤) ، وليس خارجها ، هو الطريق الذي سيؤدي الى فتح ابواب دولة فلسطين الواحدة الديمقراطية بأيدي المناضلين الفلسطينيين العرب واليهود اللاصهيونيين ،… وبناءها؛ دولة لكل مواطنيها بمن فيهم اليهود اللاصهيونيين واللاعنصريين ..! على قواعد العدالة والمساواة وإحقاق الحقوق الوطنية لشعبنا.

هذا هو رأيي